الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الإيمان بالقدر
حر مخير في حدود الطاقة البشرية
فالانسان حر مخير في حدود الطاقة البشرية، وكونه مجبرا - في بعض الحالات - لا ينفي عنه صفة الحرية. كالسيارة والصخرة، لا ينكر أحد أن السيارة تمشي ولكن في حدود قوة محركها، ومدى احتمالها، فان صنعت سيارة شحن لا يمكن أن تمشي بسرعة سيارة السباق وان صنعت لتمشي على الأرض لا يطلب منها أن تصعد السلم، ولا أن تخترق الجدار. انها تسير على الطريق، فان عاق مسيرها عائق، لم تفقد صفة القدرة على السير، ولا تكون كالصخرة. وكذلك الانسان، تعترضه في الحياة عوارض تعطل ارادته، وعوائق تحول وجهته، وتؤثر فيه أمور لا يملك دفعها ولا ابدالها، ولكن ذلك لا ينفي انه حر، فهو (إنسان حر)، يتصرف ضمن الحدود الانسانية، وليس إلهاً ليصنع ما يشاء.
الإيمان بالقدر
الثواب والعقاب منوط بالحرية
فاذا لم تكن حرية فلا عقاب، المكره على فعل الشر لا يعاقب عليه، والله انمان يؤاخذنا على ما نملك الخيار في فعله أو تركه، للانسان ما كسب. وعليه ما اكتسب، لا يكلف الله نفسا الا وسعها، والله لا يضيع مثقال ذرة. واذا كانت المحاكم البشرية، بعدالتها النسبية، تقدر ظروف المتهم ودوافعه، وبيئته واستعداده، وترى تقدير ذلك من العدل، فهل يترك ذلك في محكمة رب العالمين، التي فيها العدالة المطلقة. وهل يعاقب المذنب الناشئ من والدين فاسقين، وبيئة فاسدة، والذي عاش طفولة مهملة مشردة، كمن أذنب الذنب نفسه، وهو ناشئ في أفضل البيئات، مولود من خير الآباء؟.
الإيمان بالقدر
مقاييس العدالة
على أن أكثر علماء الكلام قد أخطؤوا أكبر الخطأ، حين طبقوا على الله مقاييس العدالة البشرية. تنبهت إلى هذه الحقيقة بواقعة وقعت لي، أسردها لأن فيها عبرة، وان لم يكن موضع سردها هذا الكتاب.
كنت سنة (1931) أدرس في مدرسة ابتدائية في الشام، وكنت في فورة
الشباب وعنفوانه. في رأسي خواطر، وفي نفسي غرور، وعلى لساني بيان واندفاع، فعرضت لي شكوك في مسألة القدر، كنت أسأل عنها العلماء، فلا أجد عندهم الجواب الشافي لها، فيدفعني الغرور إلى جدالهم وازعاجهم. حتى جاء يوم كنت فيه في المدرسة، وكنت أؤدب تلميذا بالضرب، (وكان الضرب من وسائل التأديب في تلك الأيام) ففجر الولد وتوقح، وجعل يصرخ ويقول: "هذا ظلم
…
أنت ظالم
…
"!!.
ثقوا يا أيها القراء، اني لما سمعت ذلك سقطت العصا من يدي، ونسيت الولد والمدرسة، ورأيت كأني كنت في ظلمة فأضيء لي مصباح منير، فقلت لنفسي: ان التلميذ يرى ضربي اياه ظلما، وأنا أراه عدلا، والعمل واحد، واذا ذهب يشكو إلى أهله قالوا له: لا ما هذا ظلم، هذا عدل، انه يضربك لمصلحتك. فاذا كان التلميذ لا يحق له أن يطبق مقاييسه الناقصة على عدالة المعلم، فكيف اطبق أنا مقاييسي البشرية للعدالة على الله.
ألا يمكن أن يكون الفعل الذي أراه ظلما هو عين العدل؟ الولد المريض يرى الإبرة التي يدخلها الطبيب تحت جلده ظلما، وهي في رأي أبيه عدل كل العدل، لأن الولد نظر إلى ألمها، والأب أبصر أثرها في شفاء الولد.
ان القاضي لا يستطيع أن يحكم في دعوى حتى يطلع على مراحلها كلها، ووقائعها جميعا، ونحن انما نطلع غالبا على طرف من الواقع، ونصدر أحكاماً خاطئة، بعد دراسات ناقصة. لو تهت انت ورفيقك في الصحراء، فمرت سيارة فخمة، دعاكما صاحبها، وأركبكما فيها، فأخرج صديقك سكينه فمزق جلد المقعد، الا ترى عمله ظلماً؟ انه ظلم بلا شك، ولكن اذا علمت ان أمامك عصابة من قطاع الطريق، كلما رأوا سيارة سليمة أخذوها، وان كانت ممزقة المقعد تركوها، الا يتحول هذا الفعل في نظرك من ظلم إلى عدل؟
بل ان صاحب السيارة لوعرف هذه الحقيقة، لمزق جلد مقعدها بنفسه، لأنه يفضل أن تبقى السيارة له، ومقعدها ممزق، عن أن تذهب كلها وهي