الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بد من التنبيه على ان حب الله ليس معناه نظم قصائد الغزل بالله كما فعل ابن الفارض، ولا تسميته بالعشق الالهي كما نسبوا إلى رابعة العدوية.
وخوف الله ليس معناه الفزع المؤدي إلى الكره، ولا الجزع الموصل إلى الاختلال، بل ان حب الله بطاعته وإيثار مرضاته على شهوات النفس، ووساوس الشيطان، واتباع رسوله صلى الله عليه وسلم فيما جاء به:
{قل ان كنتم تحبون الله فاتبعوني
…
}
فالاتباع هو مقياس الحب، وخوفه باجتناب محرماته، وايثار لذة الثواب في الآخرة، على لذة المعصية في الدنيا.
ثم ان الطاعة لله ليست كالطاعة لمخلوقاته، فنحن نطيع بعض البشر اما امتثالا لأمر الله كطاعة الرسول، او استجابة لدواعي الطبع، أو خوفا من الخطر. فالشعب يطيع الحاكم، والولد يطيع الوالد، والمرأة تطيع الزوج، والانسان يطيع من أحسن اليه اذا أمره بما لا يضره، وقد يكره أحدنا على الطاعة فيطيع خوفا من الأذى، ولكن هذه كلها (عدا طاعة الرسول فهي من طاعة الله) كلها طاعة محدودة، ليست الطاعة المطلقة التي لا حد لها، لأن الطاعة المطلقة لله، الطاعة في كل شيء، الطاعة فيما يسرنا وما يسؤونا، فيما نفهم حكمته وما لا نفهم حكمته، وهذه الطاعة هي ثمرة حب الله، وهي الدليل عليه.
توحيد الألوهية
أيات الصفات
لقد اجتنبت في هذا الكتاب الخوض في المسائل الكلامية، وأعرضت عن سرد اختلافات المتكلمين، ولكن مسألة (آيات الصفات) قد طال فيها المقال، وكثر الجدال، ولا بد من بعض البسط للكلام فيها.
لقد وصف ربنا نفسه في القرآن بألفاظ موضوعة في الأصل للدلالة على معانٍ أرضية، ومقاصد بشرية، مع أن الله ليس كمثله شيء، وهو الرب الخالق، تعالى عن أن يشبه المخلوقين. ولا يمكن أن تفهم هذه الألفاظ حين اطلاقها على الله، بالمعنى نفسه الذي تفهم به حين اطلاقها على المخلوق.
فنحن نقول فلان عليم، وفلان بصير، ونقول ان الله عليم، بصير، ولكن الكيفية التي يعلم بها العبد ويبصر - ليست هي التي يعلم بها ربنا ويبصر. وعلم العبد وبصره ليس كعلم الله وبصره، كذلك نقول استوى المعلم على منبر الفصل، ونقول استوى الله على العرش، ونحن نعرف معنى الاستواء (القاموسي) ونطبقه على المعلم، ولكن هذا المعنى لا يمكن أن يكون هو بذاته المقصود حين نقرأ {الرحمن على العرش استوى} .
هذا كله متفق عليه بين العلماء، فهم جميعا مقرّون بأن آيات الصفات هي كلام الله. فاذا قال الله {ثم استوى على العرش}. لم يستطع أحد أن يقول: ما استوى.
وهم جميعا معترفون بأن المعنى القاموسي البشري لكلمة (استوى). ليس هو المراد من قوله (استوى على العرش).
ولكنهم مع ذلك اختلفوا اختلافا كبيرا، في المراد المقصود، بعد اتفاقهم على ترك التعطيل والتشبيه، تساءلوا:
هل هذه الآيات حقيقة أم مجاز؟
وهل تؤوّل أم لا تؤول؟
أما الذين أوّلوا فقالوا بأن الحقيقة هي استعمال اللفظ بالمعنى الذي وضع له. وهذا هو تعريف الحقيقة عند عامة علماء البلاغة. ولا شك ان اللسان العربي الذي نزل به القرآن. وضعت فيه هذه الألفاظ قبل نزول القرآن. ووضعت لمعانٍ أرضية مادية، حتى انها لتعجز عن العبير عن العواطف والمشاعر البشرية. فضلا عن التعبير عن صفات الله خالق البشر، فان مظاهر الجمال وأشكاله لا حدّ لها، وما عندنا لها كلها الا كلمة (جميل) وأين جمال المنظر الطبيعي، من جمال القصيدة الشعرية، من جمال العمارة المزخرفة من جمال الغادة الحسناء؟ وفي النساء ألف لون من ألوان الجمال، وما عندنا لها كلها الا هذا اللفظ الواحد، فاللغات تعجز عن وصف الشعور بالجمال وكذلك القول في الحب، في تعداد أنواعه. واختلاف مشاعره. وضيق
الفاظ اللغة، عن وصف هذه الأنواع. ونعت هذه المشاعر فكيف تحيط بصفات الله، وتشرح كيفياتها؟
واذا كانت الحقيقة هي (استعمال اللفظ فيما وضع له) وكانت ألفاظ: استوى - وجاء - وخادع - ويمكر - ونسيهم. انما وضعت للمعاني الأرضية البشرية المادية، وكان استعمالها في القرآن في قوله {استوى على العرش} {وجاء ربك} {وهو خادعهم} {ويمكر الله} وقوله {فنسيهم} في غير هذا المعنى المادي الأرضي البشري الذي وضعت له - لم تكن اذن (حقيقة) بمقتضى تعريفهم هذا للحقيقة.
ومن ينكر انها مجاز، ومنهم ابن تيمية، يعرّف (الحقيقة) تعريفا آخر خاصاً به، غير التعريف الذي جرى عليه البلاغيون ويقول ما معناه: ان تأويل هذه الألفاظ، أي تفسيرها تفسيرا مجازيا، والجزم بأنه هو المراد مردود، لأن المعاني المجازية هي أيضاً معانٍ بشرية.
ولقد نظرت فوجدت أن هذه الآيات على ثلاثة أشكال:
1 -
آيات وردت على سبيل الاخبار من الله، كقوله:{الرحمن على العرش استوى} . فنحن لا نقول: "انه ما استوى"، فنكون قد نفينا ما أثبته الله. ولا نقول انه استوى على العرش، كما يستوي القاعد على الكرسي، فنكون قد شبهنا الخالق بالمخلوق، ولكن نؤمن بأن هذا هو كلام الله، وان لله مرادا منه لم نفهم حقيقته وتفصيله، لأنه لم يبيّن لنا مفصلا، ولأن العقل البشري (كما قدمنا) يعجز عن الوصول إلى ذلك بنفسه.
2 -
آيات، وردت على الأسلوب المعروف عند علماء البلاغة بالمشاكلة، والمشاكلة هي كقول القائل:
قالوا اقترح شيئاً نجدْ لك طبخه
…
قلت اطبخوا لي جبة وقميصاً
وقول أبي تمام في وقعة عمورية، يرد على المنجمين الذين زعموا ان النصر لا يجيء الا عند نضج التين والعنب:
تسعون الفاً كآساد الشرى نضجت
…
جلودهم قبل نضج التين والعنب
والآيات الوادرة على هذا الاسلوب كثيرة، كقوله تعالى:{نسوا الله فنسيهم} .
فكلمة (نسوا) جاءت على المعنى (القاموسي) للنسيان. وهو غياب المعلومات عن الذاكرة. ولكن كلمة (فنسيهم) جاءت مشاكلة لها، ولا يراد منها ذلك المعنى، لأن الله لا ينسى:{وما كان ربك نسياً} .
ونقول بعبارة أخرى: ان كلمة (نسوا) استعملت بالمعنى الذي وضعت له. وكلمة (فنسيهم) استعملت بغير هذا المعنى.
ومثلها قوله {وهو معكم اينما كنتم} اتفق الجميع على انها معيّة علم لا معيّة ذات، لأن صدر الآية ينص على أن الله استوى على العرش.
مثلها قوله {سنفرغ لكم أيها الثقلان} ، وقوله {ومكروا ومكر الله} وقوله {يخادعون الله وهو خادعهم} .
كل هذه الآيات لا يجوز فهمها بالمعنى القاموسي، الماديّ، بل بمعنى يليق به جلّ وعلا.
آيات دلت على المراد منها آيات اخرى. كقوله تعالى: {وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت ايديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء} . تدل على المراد منها آية: {ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط} . ويفهم منها ان بسط اليد يراد به الكرم والجود، ولا يستلزم ذلك، (بل يستحيل) أن يكون لله تعالى يدان كأيدي الناس والحيوان تعالى الله عن ذلك.
وقد جاء في القرآن قوله: