الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
نحسن استعمال عقولنا، ونعمل على توجيه ارادتنا إلى الخير، وندع المباحث المتعلقة بالله، التي لم يتكلم فيها السلف ولا شغلوا أنفسهم بها.
الإيمان بالقدر
الاحتجاج بالقدر
ومن العصاة من يحتج لعصيانه بالقدر، تقول للزاني: لم زنيت؟ فيقول: لأنه قدر علي! وهي حجة واهية، مردودة من وجهين:
1 -
لأن الحساب والعقاب يكون على العمل، وعلى الدوافع اليه، والبواعث عليه. وهذا الزاني لم يطلع على اللوح المحفوظ، ويَرَ ان الزنا مكتوب عليه - كما يزعم - ويذهب ليزني تنفيذا لحكم القدر، وانما تبع الشهوة، وطلب اللذة العاجلة، واستجاب لنداء الشيطان.
وقد احتج المشركون بمثل هذه الحجة فقالوا: {لوشاء الله ما أشركنا} . فرد الله عليهم بقوله: {قل هل عندكم من علمٍ فتخرجوه لنا؟} .
أي: من أين عرفتم قبل أن تشركوا أن الشرك مقدر عليكم؟ وهل جربتم الايمان فوجدتم انه ممتنع عليكم؟
2 -
ان لو كان هذا المحتج بالقدر صادقا، لرضي بكل ما يقدره الله عليه، من فقر ومرض وجوع، وفقد حبيب، وذهاب مال، والمشاهد أنه لا يرضى بذلك، وهو مقدر عليه، ولا يسكن اليه. بل هو يعمل لجمع المال، ودفع المرض، واذهاب الجوع، ويألم لفقد الحبيب، وذهاب المال، فلماذا سخر قواه كلها، واستعمل عواطفه لجلب لذة الدنيا، ودرء الالم فيها، ولم يسخر عقله لقمع الشهوة، ومنع النفس من الحرام الذي ترغب فيه، وهو يعلم ما في عقبه من العذاب؟.
الإيمان بالقدر
نحن والسلف أمام عقيدة القدر
خصوم الاسلام يتهمون المسلمين اليوم بالتواكل والتكاسل، لأنهم
يؤمنون بالقدر، وان كان في هذه التهمة بعض الحق، كان السبب فيها سوء فهم كثير من المتأخرين لعقيدة القدر. لقد اتخذها كثير من المسلمين الجاهلين حجة لارتكاب المعاصي، وسبباً للكسل والخمول، مع ان سلفنا قد اتخذوا منها دافعاً إلى العمل وإلى الجهاد.
قرأنا ان الرزق مقسوم: "ما كان لك سوف يأتيك على ضعفك وما كان لغيرك لن تناله بقوتك"، فظن قومن ان مقتضى ذلك ترك الكسب، واهمال السعي، وان نقعد بلا عمل، وننتظر ان تمطرنا السماء ذهباً وفضة، وان نسافر بلا مال ولا استعداد
…
وقرأ ذلك السلف، ففهموا منه ان عليهم أن يعملوا كل ما في وسعهم، وأن يبذلوا لجمع المال من الحلال كل ما في طاقاتهم، ثم اذا استفرغوا الجهد رضوا بما جاءهم، فلم يسخطوا على ربهم، ولم يحملوا الحسد لمن نال من اخوانهم أكثر مما نالوا، ولم يبطرهم الغنى ولم يؤلمهم الفقر.
وسمعنا أن الأجل محتوم، فاتخذنا ذلك سبباً لاهمال التوقي والاحتياط، واضاعة المسؤوليات، والخلط بين الجريمة المتعمدة وبين القدر الذي وقع بلا جرم (1)، وسمع ذلك أجدادنا فقالوا: اذا كان الاجل محتوما لا يموت أحد قبل موعده ولو خاض اللهب وتلقى بصدره الرماح، ولا يتأخر عن موعده ولو اعتصم في حصن له سبعة أسوار، فلنعمل لما يرضي الله، نجاهد بأنفسنا في سبيل الله، لا نخشى الموت لأن الموت محتوم، له موعد لا يسبقه ولا يتأخر عنه، ولنجاهد بألسنتنا في انكار المنكر، ومواجهة الطاغي الظالم بكلمة الحق، فأقبلوا لا يخشون في الحق احدا، ولا يخافون الا الله شيئا.
وفهمنا ان كل شيء مقدر، وأهملنا دراسة سنن الله في الكون، وقوانين الطبيعة التي جعلها ربنا سبباً للنفع والضرر، وكان سلفنا هم علماءَها (2)، وهم الذين يعرفونها ويستفيدون منها، فكان من نتيجة ذلك أن هبطنا من
(1) يسرع السائق حتى اذا اصطدم، قال: انه القدر، ويهمل التلميذ، فاذا رسب، احتج بالقدر.
(2)
(هم) تأكيد، و (علماءها) خبر كان.