الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ويحاربوا دعوته، فان اطمأنوا لدعوتنا ودخلوا في ديننا صاروا منا لهم ما لنا وعليهم ما علينا وان سالموا دعوتنا، سالمناهم وحفظنا لهم حقوقهم وان بقوا على دينهم.
فالمؤمن يحب اذا أحب للدين، ويبغض اذا أبغض للدين. فاذا أحب تجلى فيه كرم النفس ورقة الطبع، وبدا منه التسامح والبذل، يذل لأخيه ولا يرى ذلك ذلا، ويؤثره على نفسه بالشيء ولو كانت به حاجة اليه. واذا أبغض ظهر منه الغضب لله، والشدة في الدفاع عن دينه، والبأس في قتال أعدائه، فهو يجمع بين اللين والشدة، والرقة والغلظة. اللين والرقة لاخوانه في الايمان والشدة والغلظة على أعداء الدين أنصار الشيطان.
{محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم
…
اذلةٍ على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم (1)
…
}.
هذه حال المؤمنين، لما كانوا من المجاهدين، فلما تركنا الجهاد، وخالفنا الشرع، وصارت شدتنا على أنفسنا، وليننا أمام أعدائنا، سلط الله علينا بذنوبنا من لا يخافه ولا يرحمنا، فملك بلادنا، وتحكم فينا.
ثمرات الايمان
التوبة والاستغفار
خلق الله الانسان وغرز في نفسه حب العاجلة، وطول الأمل، والرغبة في جمع المال، والشهوة لمقاربة النساء، والغضب، والميل إلى البطش والانتقام، وسلط عليه الشيطان يزين له الفواحش، ويحبب اليه المعاصي، ووضع فيه نفسا امارة بالسوء، متشهية للحرام، تعين عليه الشيطان، فكان من نتائج ذلك أنه يأتي المعاصي، ويرتكب الذنوب، فماذا يصنع لينجو من عقاب المعصية وتبعات الذنب؟
إن الله من رحمته به فتح له باب التوبة. قال له: انك تستطيع أن تمحو
(1) وإلى جانب هذا الجهاد لا ينسون قوله تعالى: ? لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم ان تبروهم وتقسطوا اليهم ?.
من صحيفتك كل ذنب عملته، فكأنه ما كان، بل (ربما) سجلت لك حسنة، مكان السيئة التي كانت عليك. كدفتر التاجر يكون مقيدا فيه أن له عليك مئة دينار، فلا يكتفي بأن يسامحك بها، ويمحوها لك، بل ينقل قيدها من صفحة الدين الذي عليك، إلى صفحة الدين الذي لك. قال تعالى:{إلا من تاب وآمن وعمل عملاً صالحاً فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفوراً رحيماً} .
وباب التوبة مفتوح، ما دام المرء صحيحا معافى، فان تاب التوبة الصادقة قبلت توبته، ولا يغلق الا ساعة الاحتضار، الساعة التي تصير فيها الروح في الحلقوم، الساعة التي يواجه فيها الانسان الحقيقة، ويرى عياناً ما جاءه به الرسول خبراً، فتكون توبته حينئذ من قبيل تحصيل الحاصل، لأن التوبة هي الرجوع الاختياري إلى الله، وقد أرجع كرها وجبرا، فلم يعد ينفعه الاقرار، بعد أن فقد الاختيار، قال تعالى: {إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريبٍ فأولئك يتوب الله عليهم وكان الله عليماً حكيماً وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن ولا الذين يموتون وهم كفارٌ
…
}.
وأول شروط التوبة الانقطاع عن الاساءة والعزم على الا يعود اليها. لو كنت ماشيا في الطريق، ففتح رجل نافذته وألقى عليك ماء وسخا، فلما لمته وشتمته، اعتذر اليك، وهو مستمر بصب الماء عليك، أو امتنع عنه، ولكنه أوعدك بالعودة إلى مثله غدا، فهل تقبل اعتذاره؟
ان للتوبة روحا وجسدا، فروحها استشعار قبح المعصية، وجسدها الامتناع عنها. كمن يمشي على طريق، فيرى لوحة تدله على أنه غير طريقه المقصود، انه يشعر بخطئه، وهذا الشعور هو الأصل. اذ لولا معرفة الخطأ، ما كانت الهداية إلى الصواب، ولكنه اذا اقتصر على هذه المعرفة، ولم يعمل
بمقتضاها، واستمر ماشيا في الطريق المنحرف لم ينفعه علمه بانحرافه، بل انه يكون به أكبر ذنبا، وأعظم تبعة، لأن الذي ينحرف وهو لا يعرف، له بعض العذر، ولكن الذي يعرف الطريق، وينحرف عنه عمدا، لا عذر له (1).
والشرط الثاني: أن يجعل الاحسان بدل الاساءة، والاصلاح مكان الافساد، أي أن يحقق التوبة، بتبديل العمل، وتعديل السلوك.
{كتب ربكم على نفسه الرحمة أنه من عمل منكم سوءاً بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فأنه غفور رحيم
…
فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه
…
الا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا
…
إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا فأولئك أتوب عليهم
…
}. ومن الاصلاح أن يكون ترك الذنب حقيقيا، وأن تعزم عزما صادقا على الاّ تعود اليه. فان عقدت على ذلك العزم الصادق، ثم غلبتك النفس، أو حملتك الظروف، فعدت اليه، ثم تبت قبلت توبتك، ولو تكررت العودة وتعددت التوبة. أما ان خالط عزمك تردد من الأصل، وقلت في نفسك، اذا اشتدت رغبتي رجعت ثم تبت لا تكون توبتك صادقة ولا مقبولة.
هذا في التوبة من حقوق الله، انه يكفي فيها أن تترك الذنب نادما على فعله، عازما عزم الصدق على عدم العودة إليه. أما حقوق الناس: ان كنت ظلمت احدا، أو أكلت ماله، او آذيته في جسده أو في عرضه، أو شهدت عليه زورا، او اغتبته أو وشيت به، أو أشعت عنه قالة السوء، فلا بد في ذلك وأمثاله، من أن تؤدي اليه حقه، أو ينزل لك عنه ويسامحك به، أو يرحمك الله فيرضيه عنك. والا لم تقبل توبتك، وأخذ المظلوم يوم القيامة من حسناتك، أو حمل عليك من سيئاته.
(1) الأول ضال ولكن الثاني مغضوب عليه. واليهود من (المغضوب عليهم)، لأنهم عرفوا الحق وخالفوه، ? فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به
…
?.
وباب التوبة مفتوح مهما كثرت الذنوب، فلا ييأس أحد من عفو الله، فان اليأس من عفو الله أكبر من كل ذنب.
{قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً} .
فالتوبة هي ترك للسيء و (رجوع) إلى الحسن، أما الاستغفار فهو طلب الغفران من الله، وقد أمر الشرع به، وحث عليه:
{هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها فاستغفروه ثم توبوا اليه
…
واستغفروا ربكم ثم توبوا اليه إن ربي رحيم ودود
…
ويا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه}.
وجاء، مثل ذلك على لسان كل رسول، ينصح به قومه، ويدلهم به على طريق العفو من الله، والنجاة من عذابه.
والمذنبون على درجات: أما الذين ماتوا على كفرهم فلا أمل لهم في المغفرة.
{إن الله لا يغفر أن يشرك به} .
والمشركون في الأصل أشد كفرا من أهل الكتاب ولكن الجميع في حكم هذه الآية سواء، فلا يقال لمن مات كافرا رحمه الله، ولا (غفر الله له)، ولا يقال له (المرحوم أو المغفور له فلان). وأما العصاة من المسلمين، الذين ماتوا بلا توبة فأمرهم إلى الله، ان شاء غفر لهم.
وان شاء عذبهم بالنار، لكنهم لا يخلدون فيها. ولا يستهن أحد بعذاب النار، ولا يستخفه، فان نار الدنيا وهي نعمة، لا يطيق أحد احتمالها دقائق، فكيف نعرض أنفسنا لعذاب جهنم دهورا؟
وأما التائبون فيتوب الله عليهم بمنه وكرمه، هذا الذي يتوب من بعد الذنب، أما الذي يتوب منه، ويتنبه لنفسه ويدركه خوف ربه، قبل اتمام
الذنب، ويتركه لله مع شدة الرغبة فيه، وعظم الميل اليه. فله أعظم الثواب، كمن يستنزله الشيطان، فيدفعه إلى الزنا، حتى اذا تمت له أسبابه، وشرع به او هَمَّ، فذكر الله، فأعرض عنه وشهوته متعلقة به، ونفسه راغبة فيه، وأين من يقدر على ذلك الا ان أمده الله بقوة منه؟ فلا يجرب هذه التجربة أحد، فأنه يكون كمن يتناول جراثيم المرض الخطر، ان نجا منه اكتسب مناعة تجعله أقوى ممن لم يدن منه المرض، ولكن احتمال حصول المناعة من المرض واحد في المئة، واحتمال الهلاك به تسعة وتسعون. هذا في مرض الجسد، أما الكف عن الذنب، فانه لا يكسبه مناعة من العودة اليه، فمن أراد السلامة من الشر فليبتعد عنه، وليقطع أسبابه، وليسد الطريق اليه، ويهجر من الناس من يرغبه فيه، ويدعوه اليه. فان الصاحب ساحب، المرء على مذهب خليله، وقديما قالوا:"قل لي من ترافق، أقل لك من تكون".
فلينتبه لذلك الناشئون، ويطلبوا من الله العون.