الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أنْ يتبيَّنَ الخيطُ الأبيضُ من الخيطِ الأسودِ، أمَرَ مَعَ ذلك بطلبِ ليلةِ القدْرِ.
لئلا يشتغلَ المسلمونَ في طولِ ليالِي الشهرِ بالاستمتاع المباح، فيفوتُهم طلبُ
ليلةِ القدْرِ، فأمرَ مع ذلكَ بطلبِ ليلةِ القَدْرِ بالتهجُّد من الليلِ، خصوصًا في
الليالِي المرجُوِّ فيها ليلةُ القَدْرِ، فمن هاهُنا كانَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم يصيبُ من أهلِهِ في العشرينَ من رمضانَ، ثم يعتزلُ نساءَه ويتفرغَّ لطلب ليلةِ القَدْرِ في العشر الأواخرِ.
* * *
قوله تعالى: (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (187)
وقولُهُ صلى الله عليه وسلم: "كالراعِي يرعَى حولَ الحِمَى يُوشِكُ أن يرتَعَ فيه، ألا وإنَّ لكلِّ ملكٍ حِمَى، وإنَّ حِمَى اللَّهِ محارمُهُ ":
هذا مَثَلٌ ضربَهُ النبيُّ صلى الله عليه وسلم لمنْ وقع في
الشبهاتِ، وأنَّه يقرُبُ وقوعُهُ في الحرامِ المحضِ، وفي بعضِ الرواياتِ أنَّ
النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ:
"وسأضربُ لَكُم مثلاً" ثم ذكرَ هذا الكلامَ، فجعلَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم مثلَ المحرَّماتِ كالحِمى الَّذي تحميه الملوكُ، ويمنعونَ غيرَهم من قُربانِهِ، وقد جعلَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم حولَ مدينتِهِ اثني عشرَ ميلاً حِمى محرَّمًا، لا يُقطعُ شجرُه، ولا يُصادُ صيدُه، وحَمَى عمرُ وعثمانُ أماكنَ ينبتُ فيها الكلأ لأجلِ إبلِ الصدقةِ.
واللَّهُ عز وجل حَمَى هذه المحرَّماتِ، ومنعَ عبادَهُ من قربانِهَا، وسمَّاها
حدودَه، فقالَ تعالَى:(تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (187) .
وهذا فيه بيانُ أنَّه حدَّ لهم ما أحلَّ لهُم وما حرَّم
عليهم، فلا يقربُوا الحرامَ، ولا يتعدَّوْا الحلالَ، ولذلكَ قالَ في آيةٍ آخرى:
(تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) .
وجعلَ من يرعى حولَ الحِمى وقريبا منه جديرًا بأن يدخُلَ الحِمى ويرتعَ فيه.
فكذلكَ منْ تعدَّى الحلالَ، ووقعَ في الشبهاتِ، فإنَّه قد قاربَ الحرامَ غايةَ
المقاربةِ، فما أخلقَهُ بأن يُخالِطَ الحرامَ المحضَ، ويقع فيهِ، وفي هذا إشارةٌ إلى
أنَّه ينبغي التباعدُ عن الحرَّماتِ، وأنْ يجعلَ الإنسانُ بينه وبينها حاجزًا.
وقد خرَّج الترمذيُ وابنُ ماجةَ مِنْ حديثِ عبدِ اللَّهِ بنِ يزيدَ عن النبيِّ
صلى الله عليه وسلم قالَ: "لا يبلغُ العبدُ أن يكونَ من المتَقين حتى يدع ما لا بأسَ به حذرًا مما به بأس".
وقال أبو الدرداءِ: تمامُ التقوى أن يتقي اللَّهَ العبدُ، حتَّى يتقيَه منْ مثقالِ
ذرَّةٍ، وحتى يتركَ بعضَ ما يرى أنَّه حلالٌ، خشية أن يكون حرامًا، حجابًا
بينه وبيْنَ الحرامِ.
وقال الحسنُ: ما زالتِ التقوى بالمتقينَ حتى تركُوا كثيرًا من الحلالِ مخافةِ
الحرامِ.
وقال الثوريُّ: إنَّما سُموا "المتقين " لأنَّهم اتَّقوا ما لا يُتَّقى.
ورُوي عن ابنِ عمرَ قالَ: إنِّى لأحبُّ أن أدع بيني وبين الحرامِ سترة من الحلالِ لا أخرقُها.
وقال ميمونُ بنُ مهرانَ: لا يسْلَمُ للرجلِ الحلالُ حتى يجعلَ بينه وبين
الحرامِ حاجزًا من الحلالِ.
وقال سفيانُ بن عيينةَ: لا يصيبُ عبد حقيقةَ الإيمانِ حتى يجعلَ بينه وبين