الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وقيل: بل هو بسكونِ الياءِ، ومعناه: العطاءُ.
ورُوي عنْ محمدِ بنِ أسلمَ الطوسيِّ، أنَّه رجَّح هذه الروايةَ؛ لانَّ العطاءَ
يعمُّ المطرَ وغيرَهُ منْ أنواع الخيرِ والرحمةِ، وفي هذه الأحاديثِ كلِّها: الدعاءُ
بأن يكونَ النازلُ من السماءِ نافعًا، وذلك سقيا الرحمةِ، دون العذابِ.
وروى ابنُ أبي الدنيا بإسنادِهِ، عنْ عبدِ الملكِ بنِ جابرِ بنِ عتيك، أنَّ رجلاً
من الأنصارِ كانَ قاعدًا عند عُمرَ في يومِ مطرٍ، فأكثرَ الأنصاريّ الدعاءَ
بالاستسقاءِ، فضربَه عمرُ بالدِّرةِ، وقالَ: ما يدريكَ ما يكونُ في السقْيا، ألا
تقول: سقْيا وادعةً، نافعةً، تسعُ الأموالَ والأنْفُسَ.
* * *
قوله تعالى: (فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (24)
قالَ اللَّهُ تعالَى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ) .
وقال: (فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ) .
واختلفَ المفسرونَ في هذهِ الحجارةِ، فقالتْ طائفةٌ منهم الربيع بنُ أنسٍ:
الحجارةُ هي الأصنامُ التي عبدَتْ من دونِ اللَّهِ، واستشهدَ بعضُهم لهذا بقولِهِ
تعالى: (إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (98) لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا) .
قالَ ابنُ أبي حاتمٍ: حدثنا أبو صالح، حدثنا معاويةُ بنُ أبي صالح، عنْ
أبي بكرٍ بنِ أبي مريمَ، عنْ أبيه أنَّ رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قالَ في قولِهِ:(إِذَا الشَّمْس كُوِّرَتْ)، قالَ:"كورتْ في جهنمَ "، (وإِذَا النُّجُومُ
انكَدَرَتْ) ، قال: "انكدرتْ في جهنمَ، وكلُّ من عُبِدَ من دونِ اللهِ فهو في
جهنمَ، إلا ما كانَ مِنْ عيسى وأمِّه ولو رضيا لدخلَاهَا" غريبٌ جدًّا، وأبو بكرٍ بنُ أبي مريمَ فيه ضعفٌ.
وقد رُويَ أنَّ الشمسَ والقمرَ يكورانِ في النارِ.
ورواهُ عبدُ العزيزِ بنِ المختارِ عنْ عبدِ اللَهِ - هو ابنُ فيروزَ الداناج - قالَ:
سمعتُ أبا سلمةَ بنَ عبدِ الرحمنِ يحدثُ عن أبي هريرةَ عنِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم قالَ: "الشمسُ والقمرُ ثورانِ يكورانِ في النارِ يومَ القيامةِ" خرَّجه البزار وغيرهُ.
وخرَّجهُ البخاريُّ مختصرًا، ولفظُه:"الشمسُ والقمرُ يكورانِ يومَ القيامةِ".
وخرَّج أبو يَعْلَى منْ روايةِ درستْ بنِ زيادٍ عن يزيدَ الرقاشيَ عن أنسٍ
عنِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، قالَ: (الشمسُ والقمرُ ثورانِ عقيرانِ في النارِ" وهذا إسنادٌ ضعيف جدًّا.
وقد قيلَ: إنَّ المعنى في ذلكَ أنَّ الكفارَ لمَّا عبدُوا الآلهةَ من دونِ اللَّهِ
واعتقدُوا أنها تشفعُ لهم عندَ اللَّهِ وتقرِّبُهم إليه عوقِبُوا بأن جعلت معهم في
النارِ إهانةً لها وإذلالاً، ونكايةً لهم وإبلاغًا في حسرتِهِم وندامتِهِم، فإنَّ
الإنسانَ إذا قرنَ في العذابِ بمنْ كانَ سببَ عذابِهِ كانَ أشدَّ في ألَمِهِ وحسرَتِهِ.
ولهذا المعنى يقرنُ الكفارُ بشياطينهِم التي أضلتْهُم.
قالَ اللَّهُ تعالَى: (وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (36) وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (37) حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ (38) وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ (39) .
قالَ مَعْمرٌ عنْ سعيدٍ الجريريِّ في هذهِ الآياتِ: بلغنَا أن الكافرَ إذا بُعِثَ يومَ
القيامةِ منْ قبر، شُفِعَ بشيطانِهِ فلم يفارقْه حتى يصيرَهُما اللَّهُ إلى النارِ، فذاكَ
حينَ يقولُ: (يَا لَيْتَ بيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ) .
وقالَ أبو الأشهبِ عن سعيدٍ الجريريِّ عن عباسٍ الجشميِّ: إنَّ الكافرَ إذا
خرجَ من قبرِهِ وجَدَ عندَ رأسِهِ مثلَ السرحةِ المحترقةِ شيطانةً فتأخذُ بيده.
فتقولُ: أنا قرينتُكَ أدخلُ أنا وأنتَ جهنَّم، فذاك قولُهُ:(يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَينِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ) ، خرَّجَهما ابنُ أبي حاتمٍ وغيرُهُ، والسرحةُ:
شجرةٌ كبيرةٌ.
وقد أخبرَ اللَّهُ تعالى عن حنقِ الكفارِ على من أضلَّهُم بقولِهِ: (وقَالَ الَّذِينَ
كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلَاّنَا مِنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامَا لِيكُونَا مِنَ الأَسْفَلِينَ) .
فإذا قُرن أحدُهُم بمن أضلَّه في العذابِ كانَ أشدَّ لعذابِهِ، فإنَّ المكانَ المتسعَ
يضيقُ على المتباغِضينِ باقترانِهِما في المكانِ الضيقِ.
وأخبرَ اللَّهُ تعالى عن اختصامِ الكفارِ معَ من كانَ معهُم من الشياطينِ ومن
عبدُوه من دونِ اللَّهِ تعالى.
قالَ اللَّهُ تعالى: (وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ (91) وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (92) مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ (93) فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ (94) وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ (95) قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ (96) تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (97) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (98) وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ (99) .
ومن جملةِ أنواع عذابِ أهلِ النارِ فيها: تلاعنُهم وتباغضُهم، وتبرُّؤُ
بعضُهم من بعضٍ، ودعاءُ بعضِهم على بعضٍ، بمضاعفةِ العذابِ، كما قالَ
اللَّه تعالى: (كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ) .
قالَ اللَّهُ تعالى: (وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا) الآيات.
وقال اللَّهُ تعالى: (هَذَا فَوْجٌ مقْتَحِمٌ معَكُمْ لا مَرْحَبًا بِهِمْ) إلى قولِهِ: (إِنَّ ذَلِكَ
لَحَق تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ) ، وحينئذ لا يبعدُ أن يقرنَ كلُّ كافرٍ بشيطانِهِ
الذي أضَلَّهُ وبصورة من عَبَدَهُ من دونِ اللَّهِ من الحجارةِ.
وقالَ ابنُ أبي الدنيا: حدثنا عبدُ اللَّه بنُ وضاح، حدثنا عبادة بنُ كليبٍ
عن محمدِ بنِ هاشمٍ، قالَ: لما نزلتْ هذه الآية ُ: (وَقُودُهَا النَّاسُ والحِجَارَةُ) .
وقرأها النبيُّ صلى الله عليه وسلم فسمعَهَا شابٌّ إلى جنبِهِ فصُعِقَ، فجعلَ رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم رأسَهُ في حجره، رحمةً لَهُ، فمكثَ ما شاءَ أن يمكثَ، ثم فتحَ عينيهِ، فقالَ: بأبي أنتَ وأمِّي مثلَ أيِّ شيء الحجرُ؛ قالَ: "أما يكفيكَ ما أصابَكَ، على أنَّ الحجرَ الواحدَ منها لو وُضِعَ عن جبالِ الدنيا كلِّها لذابتْ منهُ، وإنَّ معَ
كل إنسانٍ منهُم حجرًا وشيطانا".
وقالَ الحسنُ في موعظَتِهِ: أذكركَ اللهَ ما رحمتَ نفسَكَ، فإنَّك قد حذرتَ
نارًا لا تطفأ، يهوِي فيها من صارَ إليها، ويترددُ في أطباقِهَا قرينُ شيطانٍ.
ولزيقُ حجرٍ يتلهبُ في وجههِ شعلُها (لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا) .
وأكثرُ المفسرينَ على أن المرادَ بالحجارةِ حجارةُ الكبريتِ توقدُ بها النارُ.
ويقالُ: إن فيها خمسةُ أنواع من العذابِ ليسَ في غيرِها من الحجارةِ: سرعةُ
الإيقادِ، ونتن الرائحةِ، وكثرةُ الدخانِ، وشدةُ الالتصاقِ بالأبدانِ، وقوةُ حرِّهَا إذا أحميتْ.
قالَ عبدُ الملكِ بنُ عميرِ عنْ عبدِ الرحمنِ بنِ سابطٍ عنْ عمرِو بنِ ميمونَ
عنِ ابنِ مسعودٍ في قولِهِ تعالى: (وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ) قالَ: هي
حجارةٌ من الكبريتِ خلقَهَا اللَّهُ يومَ خلقَ السموات والأرضَ في السماءِ الدنيا
يُعدها للكافرينَ. خرَّجه ابنُ أبي حاتمٍ والحاكمُ في "المستدركِ " وقال: صحيحٌ
على شرطِ الشيخينِ.
وقالَ السُّديُّ في "تفسيره" عنْ أبي مالكِ وعنْ أبي صالح، عنِ ابنِ عباسٍ
وعن مرة عن ابنِ مسعودٍ، وعن أناسٍ من الصحابةِ:(فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ) .
أما الحجارةُ حجارةٌ في النار من كبريتٍ أسودَ يعذبونَ به مع النارِ.
وقالَ مجاهدٌ: حجارة من كبريتٍ أنتن من الجيفةِ.
وهكذا قالَ أبو جعفرِ وابنُ جريج، وعمرُو بنُ دينار وغيرُهم.
وقالَ ابنُ وهبٍ: أخبرَني عبدُ اللَّهِ بنُ عياشٍ، أخبرَني عبدُ اللَّهِ بن سليمانَ
عنْ درَّاج عن أبي الهيثم، عن عيسى بنِ هلالي الصدفيّ، عنْ عبدِ اللَّهِ بنِ
عمرو،
قالَ: قالَ رسولُ اللَهِ صلى الله عليه وسلم: " إن الأرضينَ بينَ
كل أرض إلى التي تليهَا مسيرةُ خمسمائة سنةٍ، فالعُليا منها على ظهرِ حوتٍ قد التقَى طرفَاهُ في السماءِ، والحوتُ على صخرةٍ، والصخرةُ بيدِ ملكٍ، والثانية سجنُ الريح، فلما أرادَ اللَهُ إهلاكَ عادٍ أمرَ خازنَ الريح أن يرسلَ عليهم ريحًا تهلكُ عادًا، قالَ: يا ربِّ أرسلْ عليهم من الريح قدرَ منخرِ ثورٍ، قالَ له الجبارُ تبارك وتعالى: إذنْ يكفي الأرضَ ومن عليها، ولكنْ أرسِل عليهم بقدرِ خاتمٍ، فهي التي قالَ اللَّهُ في كتابه:(مَا تَذَرُ مِن شيءٍ أتت عَلَيْهِ إِلا جَعَلَتْهُ كالرميمِ) ، والثالثةُ فيها حجارةُ جهنَم، والرابعةُ
فيها كبريتُ جهنمَ " قالُوا: يا رسولَ اللَهِ أللنارِ كبريتٌ؟!
قالَ: "نعم، والذي نفسي بيدِهِ إنَّ فيها لأوديةً من كبريت لو أرسلتْ فيها الجبالُ الرواسي لماعَتْ، والخامسةُ فيها حياتُ جهنمَ وإنَ أفواهَها كالأوديةِ تلسعُ الكافرَ اللسعةَ فلا يبْقى منه لحمٌ على وضَمٍ.
والسادسةُ فيها عقاربُ جهنَّم، وإنَّ أدنى عقربة منها كالبغالِ الموكفةِ، تضربُ الكافرَ ضربةً تنسيه ضربتُها حرَّ جهنَّم، والسابعةُ سقرُ، وفيها إبليسُ مصفدٌ بالحديد أمامَهُ ويدُه من خلفِهِ، فإذا أرادَ اللَّه أن يطلِقَهُ لما يشاءُ من عبابٍ أطلَقَهُ " خرَّجه الحاكمُ في آخرِ:"المستدركِ " وقالَ: تفرد به أبو السمح، وقد ذكرتْ عدالتُه بنصِ الإمامِ يحيى بنِ معين، والحديثُ صحيحٌ ولم يخرِّجاه، وقالَ بعضُ الحفاظِ المتأخرين: هو حديثٌ منكرٌ، وعبدُ اللَهِ بنُ عياشٍ القتبانيُّ ضعَّفه أبو داودَ، وعندَ مسلم أنَه ثقةٌ، ودرَاج كثيرُ المناكيرِ، واللَّهُ أعلمُ.
قلتُ: رفْعُه منكرٌ جدًّا، ولعله موقوفٌ، وغلطَ بعضُهم فرفَعَه، وروى