الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بسم الله الرحمن الرحيم
المقدمة للمفسر رحمه الله تعالى
الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق، وأظهره على الدين كله فالحقّ أحقَّ، والباطل أزهقَ؛ أنزل معه كتابًا قطع أعناق العتاق السَّبَق، وأبكم به البلغاء من العرب العرباء طبقًا بعد طبق، شهد محكم آياته القديمة بأن المُنَزَّلَ حق غير مختلق، ودل مضمون سوره العظيمة على أن رسوله صادق مصدق، فصلِّ يا رب وسلم على سيدي سرى ليلاً إلى السبع الطباق فخرق؛ وبلغت بلاغة كتابه نحوًا لا يسبق، بل شأوًا لا يلحق؛ ثم على آله مظاهر ألطاف الله وأفضاله الذين كل منهم في سماء الشرف قمر إذا اتسق.
أما بعد، فلما أن رأيت همم أبناء العصر قاصرة، ومساعيهم وإن جدوا في الطلب فاترة، قنعوا عن الحقيقة بالمجاز، ومالوا عن التطويل إلى الايجاز، ولعمري يكاد أن يعد ذلك من علو همتهم، وقوة نهمتهم؛ لأنهم أرادوا حوز العلوم بأسرها، وقصدوا
جمع الفنون حبرها وسبرها، وقد علموا بالتجارب أن الخطب خطير، والعمر قصير، والعوائق متلاطمة الأمواج، والبوائق متراكمة الأفواج، فلو استطلعوا على طلل المطولات لوقعوا في فتات الشتات، ويعرض الكل في معرض الفوات، وما رأيت في التفسير مختصرً يغني وكتابً يقرب ويدني - أردت أن أتعرض لهذا مع قلة البضاعة وقصور الباع خصوصً في تلك الصناعة؛ حين كان القلب مشغوفًا بكشف وجوه غمار أسرار نكات الكشاف، والفؤاد مشعوفًا باستخراج فرائد الفوائد عن زخار بحار كلام الأعالي والأشراف، وقد كان الزمان يرافق بالموافقة، والإخوان في ميدان الفضل على المسابقة، وكانت مرآة الذهن مصفاة عن صداء الفتور، ومرقاة الفضل مبرأة عن طراء الكسور، تجول خيول الفهم من غير غائلة الوهم في
معتركهم، وتخول على درك الطرائد في مدركهم ومتركهم، لكن قد استنصت وعادت عواد عن الإقدام على هذا المرام مدة مديدة من الأيام؛ مع أنه قد صدرت
إشارة قدسية تتضمن الالتزام؛ فكم من مرة عزمت وأبت المقادير، ونويت وعرضت امعاذير حتى لازمني رفيق التوفيق، وجاورني فناء بيت الله العتيق، وكحل عيني برؤية أهل الله، ونلت زوارف الفيض من بذل الله؛ أنار في أعشاب كبدي تلك الخامدة، وأدار في دار خلدي تلك الجامدة فاستخرت الله تعالى في الملتزم والمستجار حتى أُلقي في روعى أن لا ضرر ولا ضرار في ذاك الاتجار، ثم صرفت الهمة والعزيمة، وأحكمت النية والصريمة، ونهضت الجناح، وأجبت " حيَّ على الفلاح "، ورفضت غوائل الشواغل، ونفضت دوح الأوائل، فجنيت ثمرة طيبة الطعم والريح، وأحظيت -بحمد الله- بالقدح لا بالسفيح؛ فها قد تم تفسير لاح النور من خلاله، وفاح المسك من أذياله، قد حل عقد المغلقات بما قيد، وبيض وجه المشكلات بما سود، يموج رونق التحقيق في حواشيها، ويقول المتأمل اللبيب: لله دَرُّ واشيها، من مطالعه شمس أنوار التبيان قد طلعت، وأيم الله إنه مما لا عين رأت ولا أذن سمعت، كتاب موفًّى فيه الحكمة والمعرفة، مصفًّى عن الاعتزال والفلسفة، في كل سطر حقائق استلفت أكثرها -بوجه حسن- عن السلف، ودقائق أبحتها من غير بخل على الخلف، تعرضت فيه لكلام السلف بوجه يعلم منه كيفية مطابقته مع الآية، وأعرضت عن محتملات لا تجانسه دراية، ولا تؤانسه رواية، لا تستصغر قدر نجمه لصغر حجمه؛ فإنك تراه من بعيد؛ وإنما هو بين الوشوح وحيد؛ وما ذلك كله إلا لأني وسمته لمن صناديد الخافقين عبيده إن قبل؛ بل أملاك الأفلاك جنوده لو سأل، الذي خلق الخلق له،
ولولاه لكان آدم بعد في وَلَهٍ، الهاشمي المستل من سلالة عدنان، الأبطحي المنزل عليه القرآن، الناسخ للأديان، صَلِّ وسَلِّمْ وبارِكْ عليه يا ربي المعبود، وأنزله المقام المحمود الموعود، فيا شفيع العصاة توسل الخلق بمثل هذا إلى ذي سلطان لمال أو جاه؛
وإليك -رسول الله- هذا وسيلتي، وما لي سؤل سوى القبول والقرب من الله، فخذ بيدى؛ إني هائم في مهالك البعاد، ولا تنهر سائلك فإنك أنت الرسول الجواد
يا من ألوذ به فيما أؤَمله
…
ومن أعوذ به فيما أحاذره
أنت ملاذى بك ألوذ وأنت عياذي بك أعوذ، أعوذ من خزيك وكشف سترك ومن نسيان ذكرك، والانصراف عن شكرك.
ثم اعلم أن ما يحتويه أكثر التفاسير ترى في هذا التفسير مع معانٍ صحيحة نفيسة لم تجد في كثير منها؛ نعم قد ترى فيها أحياناً معاني لم تلق فيه؛ وما ذلك إلا لأن مطابقتها
مع ظاهر الآية لا تخلو عن شبهة، على أنها غير منقولة عن السلف وقليلاً ترى بعض المعاني المنقول قد ترك فيه لما أن تطبيقه مع الآية متعسر أو متعذر؛ وكثيرًا تجد الزمخشري ومن يحذو حذوه أعرضوا عن المعنى المنقول عن الرسول صلى الله عليه وسلم في الكتب الصحاح لأجل عدم فهم مناسبة لفظية أو معنوية وإن نقلوه ما ذكروه إلا آخر الأمر بصيغة التمريض؛ لكن المسلك في تفسيرنا هذا الاعتماد على المعاني الثابتة عمن أنزل عليه الكتاب المتكلم بفصل الخطاب صلى الله عليه وبارك وسلم، وما نقلنا فيه شيئاً إلا بعد اطلاع وتتبع تامٍ؛ فأعتمد على نقل الشيخ الناقد في علم الرواية " عماد الدين بن كثير "؛ فإنه في تفسيره قد تفحص عن تصحيح الرواية؛ وتجسس عن عجرها وبجرها؛ ولو وجدت مخالفة بين تفسيره وتفسير " محيي السنة الإمام البغوي " الذي هو من سراة المحدثين ومهرة المحققين - تتبعت كتب القوم الذين لهم يد في التصحيح ثم بعد الاطلاع كتبت ما رجحوا، لكن أعتمد قليلاً على كلام " ابن كثير "؛ فإنه متأخر معتن في شأن التصحيح، و " محيي السنة " في تفسيره ما تعرض لهذا؛ بل قد يذكر فيه من المعاني والحكايات ما اتفقت كلمة المتأخرين على ضعفه؛ بل على وضعه.
وأما الأحاديث المذكورة في تفسيرنا فمعظمها من الصحاح الستة، وتجد تخريجها مسطوراً في الحاشية عليها.
وكل معنى ذكرنا فيه بصيغة " أو " فما هو إلا للسلف، وما ذكرنا بـ قيل فأكثره من مخترعات المتأخرين؛ ما ظفرنا فيه بنقل.
وأما وجه الإعراب فما اخترت إلا الأظهر، والذي ذكرت فيه وجهين أو وجوهاً فلنكتة لا تخفى على المتأدب، فإن قرع سمعك شيء يخالف الكشاف ومن تبعه فلا
تعجل إلى الرد إنكارًا، وارجع بصر البصيرة لعلك تجد من جانب طور العلم ناراً، مع أني لا أدعى عدم الخطأ والخطل والسهو والزلل، نعم، اجتهدت غاية الاجتهاد في تنقيح الكلام، وللمجتهد أجرٌ وإن حرم إصابة المرام، ثم إن مأخذ كتابي هذا:" المعالم "، و " الوسيط "، و " تفسير ابن كثير "، و " النسفي "، و " الكشاف " مع شروحه:" الطيبي "، و " الكشف " و " شرح المحقق التفتازاني " - و " تفسير القاضي ناصر الدين البيضاوي ".
وأدرجت فيه ما سمح به الخاطر الفاتر أو سنح للنظر القاصر، وقلما تجد آية إلا وقد رمزت في تفسيرها إلى دفع إشكال أو إلى تحقيق مقال بعبارة وجيزة، أو أَوْمَاتُ إليه بإشارة لطيفة دقيقة، وفي كثير من المواضع أوضحته في الحاشية، وقد تعرضت فيها لوجوه أُخر من المعاني والإعراب، فللمبتدئ حظ كثير من هذا التفسير وللعالم حظوظ.
وسميته: " جامع البيان في تفسير القرآن "، وأنا أحوج الخلق إلى رحمة ربه:" معين بن صفي " أدركهما الله بلطفه الجلي والخفي، وكان بين ابتدائه وانتهائه سنتان وثلاثة أشهر حين بلغ سني أربعين.
والله أسأل أن يجعل ما تعبت فيه سبباً ينجيني، وذخيرة تسرني لا تشجيني، وهو حسب من توكل عليه، ومعين من فوض الأمر إليه، إنه هو العطوف الرحيم، الرءوف الكريم.