المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌تفسير سورة الليل - تفسير القرآن العظيم - جزء عم

[عبد الملك بن قاسم]

الفصل: ‌تفسير سورة الليل

‌تفسير سورة الليل

بسم الله الرحمن الرحيم

{وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى * وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى * إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى * فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى * وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى * إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى * وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى * فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى * لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى * الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى * وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى * الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى * وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى * إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى * وَلَسَوْفَ يَرْضَى *} .

سورة الليل سورة مكية، جلى فيها سبحانه وتعالى حكمته وعدله وسبق ذلك بذكر بديع صنعه في الأكوان، وذكر أن من تمام عدله وحكمته أنه لا يضيع عمل المحسن ولا يغفل عمل المسيء، ومن ذلك أن يوفق المحسن للاستزادة من عمل الخير، ويحرم المسيء من الهداية لأفعال الخير فيستمر في أعمال الشر، وابتدأت السورة الكريمة بالقسم بالليل إذا غشي الخليقة بظلامه وبالنهار إذا أنار الوجود بإشراقه وضيائه، وبالخلق العظيم الذي أوجد النوعين الذكر والأنثى، أقسم على أن عمل الخلائق مختلف وطريقهم متباين قال تعالى:

{وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى * وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى * إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى * فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى * وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى}

ص: 115

{وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى} الواو للقسم، أقسم الله سبحانه وتعالى بالليل إذا يغشى يعني حين يغشى الأرض ويغطيها بظلامه.

{وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى} أي: إذا ظهر وبان وانكشف، فاستضاء الخلق بنوره.

{وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى} ما هنا هي الموصولة، أي: والذي خلق الذكر والأنثى، وهذا منه تعالى إقسام بخلقه لجنسي الذكر والأنثى بني آدم وغيرهم.

{إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى} هذا جواب القسم، يعني: إن عملكم.

{لَشَتَّى} أي: لمتفرق تفرقًا عظيمًا، فمنه عمل للجنة، ومنه عمل للنار فساع في فكاك نفسه، وساع في عطبها.

{فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى} .

{فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى} أي: أعطى ما أمر بإعطائه من مال، أو جاه، أو علم في وجوه الخير.

{وَاتَّقَى} اتقى ما أمر باتقائه من المحرمات.

{وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى} صدق بالقولة الحسنى، وهي قول الله عز وجل وقول رسوله صلى الله عليه وسلم بالخلف والعاقبة الحسنة من الله.

{فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى} السين: هنا للتحقيق، أي: أن من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسيسره الله عز وجل لليسرى في أموره كلها، في أمور دينه ودنياه، نزلت هذه الآيات في أبي بكر الصديق: اشترى ستة عبيد من المؤمنين كانوا في أيدي أهل مكة، يعذبونهم في الله فأعتقهم.

{وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ} بماله، فلم يعط ما أمر بإعطائه فترك الإنفاق الواجب والمستحب، ولم تسمح نفسه بأداء ما أوجب الله.

ص: 116

{وَاسْتَغْنَى} استغنى عن الله، عز وجل، ولم يتق ربه، بل رأى أنه في غني عن رحمة الله، وزهد في الأجر والثواب.

{وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى} أي: بالقولة الحسنى، وهي قول الله تعالى وقول رسوله صلى الله عليه وسلم.

{فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى} ييسر للعسرى في أموره كلها فتتعسر عليه أسباب الخير والصلاح، ويضعف عن فعلها، فيؤديه ذلك إلى النار.

{وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ} يعني: أي شيء يغني عنه ماله إذا بخل به.

{إِذَا تَرَدَّى} أي: هلك فأي شيء يغني المال؟ لا يغني شيئًا.

ثم ذكر جل وعلا، ما كتبه على نفسه، فضلاً منه بعباده ورحمة أن يبين الهدى لفطرة الناس ووعيهم، فلا تكون هناك حجة لأحد ولا يكون هناك ظلم لأحد قال تعالى:

{إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى * وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى * فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى * لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى * الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى * وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى * الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى * وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى * إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى * وَلَسَوْفَ يَرْضَى} .

{إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى} فيه التزام من الله عز وجل، أن يبين للخلق ما يهتدون به إليه، وذلك بإرسال الرسل وإنزال الكتب.

{وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى} يعني: لنا الآخرة والأولى وكل ما في الدنيا نتصرف به كيف نشاء، الأولى متقدمة على الآخرة في الزمن، ولكنه في هذه الآية أخرها.

ولما ذكر الله عز وجل في الآيات السابقة انقسام الناس إلى مصدق ومكذب، وباذل وممسك، ذكر جزاءهما في الآخرة فقال تعالى:

ص: 117

{فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى} .

{فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا} أي فحذرتكم يا أهل مكة نار الآخرة.

{تَلَظَّى} تشعل وتتوقد وتتوهج.

{لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى} .

{لَا يَصْلَاهَا} يعني: لا يحترق بها ولا يجد صلاها وهو حرها.

{إِلَّا الْأَشْقَى} يعني: الذي قدرت له الشقاوة، والشقاوة ضد السعادة وهو المكذب بالدين والمعرض عنه.

{الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى} أي: كذب بالحق الذي جاءت به الرسل.

{وَتَوَلَّى} يعني: أعرض عن طاعة الله، وأعرض عما جاءت به رسله فهذا هو الشقي.

{وَسَيُجَنَّبُهَا} أي: يجنب هذه النار التي تلظى ويبعد عنها.

{الْأَتْقَى} والأتقى اسم تفضيل من التقوى يعني الذي اتقى الله تعالى حق تقاته.

{الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى} يعني: يعطي ماله من يسحقه على وجه يتزكى به، أي: يطلب بذلك أن يكون عند الله زكيًا.

{وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى} أي: إنه لا يتصدق بماله ليجازي بصدقته نعمةً لأحد من الناس عنده ويكافئه عليها.

{إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى} فهو لا ينفق إلا طلب وجه الله، ولهذا كان من كمال الإخلاص أن لا يجعل العبد عليه منه لأحد من الناس، لتكون معاملته كلها لله ابتغاء وجهه، وطلب مرضاته، فكما أن هذه الغاية أعلى الغايات وهذا المطلوب أشرف المطالب، فهذا الطريق أقصر الطرق إليه وأقربها وأقومها.

ص: 118

{وَلَسَوْفَ يَرْضَى} يعني سوف يرضيه الله عز وجل بما يعطيه من الثواب الكثير والجزاء العظيم.

ص: 119