المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

التفسير وأوجه القراءة   ‌ ‌41 - {وَاعْلَمُوا} أيها المؤمنون {أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ - تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن - جـ ١١

[محمد الأمين الهرري]

الفصل: التفسير وأوجه القراءة   ‌ ‌41 - {وَاعْلَمُوا} أيها المؤمنون {أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ

التفسير وأوجه القراءة

‌41

- {وَاعْلَمُوا} أيها المؤمنون {أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ} ؛ أي: أنَّ كلَّ ما غنمتموه من الأموال، وأخذتموه من الكفار المحاربين قهرًا، حالة كونه كائنًا من شيء، أي: قليلًا كان أو كثيرًا، حقيرًا كان أو جليلًا، ولكن خصَّص الإجماع من عموم الشيء الأسارى؛ فإن الخيرة فيهم إلى الإِمام بلا خلاف، وكذلك سلب المقتول إذا نادى به الإِمام {فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ}؛ أي: فإن خمس ما غنمتموه لله؛ أي: مفوض أمره إلى الله تعالى، يصرف في المواضع التي أمر الصرف إليها، وهي الخمسة المذكورة بعد لفظ الجلالة، والجمهور على أن ذكر الله للتعظيم والتبرك؛ لأن الدنيا والآخرة كليهما لله تعالى؛ كقوله:{وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ} ، وأنَّ المراد قسم الخمس على الخمسة المعطوفين عليه، وأما أربعة أخماسها الباقية .. فللغانمين، للفارس منهم ثلاثة أسهم، وللراجل سهمٌ.

والمعنى: واعلموا أيها المؤمنون أن ما غنمتموه من الكفار المحاربين قهرًا، حالة كونه من شيء يتمول، ولو قليلًا .. فأربعة أخماسه حقٌّ لكم، وأن خمسه الباقي مصروفٌ لمن جعله الله مستحقًا له، وهم المذكورون بقوله: {وَلِلرَّسُولِ

} إلخ؛ أي: يصرف خمس ذلك الخمس؛ أي: يخمس ذلك الخمس، فيصرف خمسه للرسول صلى الله عليه وسلم في حال حياته، يصنع فيه ما شاء، أما (1) بعد وفاته صلى الله عليه وسلم: يصرف خمس الخمس الذي كان له إِلى مصالح المسلمين العامَّة، من سد الثغور، وشراء السلاح، وبناء المساجد والمدارس والقناطر، وطريق الدعوة إلى الله تعالى، وهذا مذهب الشافعي. وقال مالك: الرأي فيه إلى الإِمام. وقال أبو حنيفة: سقط سهمه وسهم ذوي القربى بوفاته صلى الله عليه وسلم، وصار الكل مصروفًا إلى الثلاثة الباقية اهـ. "بيضاوي".

وخرج بقولنا: قهرًا .. ما أخذ منهم من غير قتال، فهو فيء، كالجزية، وعشر التجارة، وتركة المرتد والكافر المعصوم الذي لا وارث له، وحكمه معلوم

(1) البيضاوي.

ص: 8

من كتب الفروع.

وظاهر الآية: أن خمس الغنيمة يقسم ستة أقسام، وبه قال أبو العالية وطائفة. ومعنى الآية على هذا القول، أي: واعلموا أيها المؤمنون أن كل ما غنمتموه من الكفار المحاربين

فاجعلوا أولًا خمسه لله تعالى، ينفق فيما يرضيه تعالى من مصالح الدين العامة؛ كالدعوة للإسلام، وإقامة شعائره، وعمارة الكعبة وكسوتها، ثم أعطوا للرسول من كفايته لنفسه ونسائه مدة سنة، ثم أعطوا منه ذوي القربى الخ. {وَلِذِي الْقُرْبَى}؛ أي: ويصرف خمسٌ لأصحاب قرابة النبي صلى الله عليه وسلم، من أهله وعشيرته - نسبًا وولاءً - المسلمين، وقد خصَّ النبي صلى الله عليه وسلم ذلك النبي صلى الله عليه وسلم هاشم وبني أخيه المطلب، دون بني عبد شمس ونوفل، سواءٌ فيه أغنيائهم وفقرائهم، يقسم بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين، روى البخاري عن مطعم بن جبير - من بني نوفل - قال: مشيت أنا وعثمان بن عفان - من بني عبد شمس - إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلنا: يا رسول الله، أعطيت بني المطلب وتركتنا، ونحن وهم بمنزلة واحدة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنما بنوا المطلب وبنو هاشم شيءٌ واحدٌ" وسر هذا: أنَّ قريشًا لما كتبت الصحيفة وأخرجت بني هاشم من مكة وحصرتهم في الشعب لحمايتهم له صلى الله عليه وسلم .. دخل معهم فيه بنو المطلب، ولم يدخل بنو عبد شمس، ولا بنو نوفل، مع ما كان من عداوة بني أمية بن عبد شمس لبني هاشم في الجاهلية والإِسلام، فقد ظلَّ أبو سفيان يقاتل النبي صلى الله عليه وسلم، ويؤلِّبُ عليه المشركين وأهل الكتاب إلى أن أظفر الله رسوله؛ ودانت له العرب بفتح مكة، وكذلك بعد الإِسلام خرج معاوية على علي وقاتله.

{و} خمس يصرف إلى {اليتامى} الفقراء من سائر المسلمين، غير يتامى بني هاشم وبني المطلب، وهم: أطفال المسلمين الذين مات آباؤهم {و} خمسٌ يصرف لـ {المساكين} ؛ أي: ذوي الحاجة من المسلمين، من غير بني هاشم وبني المطلب {و} خمس يصرف لـ {ابن السبيل}؛ أي: المنقطع في سفره - المحتاج، ولا معصية بسفره - من المسلمين.

والحكمة في تقسيم الخمس على هذا النحو: أن الدولة التي تدير سياسة

ص: 9

الأمة لا بدَّ لها من المال؛ لتستعين به على القيام بالمصالح العامة، كشعائر الدين، والدفاع عن الأمة، وهو ما جعل لله في هذه الآية، ثم نفقة رئيس حكومتها، وهو سهم الرسول فيها، ثم ما كان لأقوى عصبته وأخلصهم له وأظهرهم تمثيلًا لشرفه وكرامته، وهو سهم ذوي القربى، ثم ما يكون لذوي الحاجات من ضعفاء الأمة، وهم الباقون.

ولا يزال هذا الاعتبار مراعى معمولًا به في كثير من الدول مع اختلاف شؤون الاجتماع والمصالح العامة، فالمال الذي يرصد للمصالح العامة يدخل في موازين الوزارات المختلفة، ما بين جهرية وسرية، ولا سيما الأمور الحربية، وكذلك راتب بمثل الدولة من ملك، أو رئيس جمهورية، منه ما هو خاصٌّ بشخصه، ومنه لأسرته وعياله، ومن موازين الدولة: ما يبذل لإعانة الجماعات الخيرية والعلمية ونحوهما.

وكذلك اليتامى، والمساكين، وابن السبيل، لا تجعل لهم الدول في هذا العصر حقًّا في أموال الدولة، وإن كان بعض الدول يعطيهم أموالًا من الأوقاف الخيرية التي تتولى أمر استغلالها وإنفاق ريعها على المستحقين له، وبعضها يخصص إعانات للعمال المتعطلين في وقت الحاجة فحسب.

وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: {فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ} مفتاح كلام؛ أي: إنه ذكر على سبيل التبرك، وانما أضافه سبحانه إلى نفسه؛ لأنه هو الحاكم فيه، فيقسمه كيف شاء، وليس المراد منه أنَّ لله سهمًا مفردًا؛ لأن ما في السموات والأرض .. فهو لله، وبهذا قال الحسن، وقتادة، وعطاء، وإبراهيم النخعي، فقالوا: سهم الله وسهم رسوله واحدٌ، وذكر الله للتعظيم، وهذا هو القول الذي عليه الجمهور، وهو الراجح كما مرَّ، وكأنَّ التركيب حينئذٍ: واعلموا أنَّ ما غنمتم من شيء فأن لله وللرسول خمسًا واحدًا من أخماس خمسه، ولذي القربى خمسًا واحدًا منها ولليتامى خمسًا واحدًا منها وللمساكين خمسًا واحدًا منها، ولابن السبيل خمسًا واحدًا منها.

ص: 10

فصل

واختلف العلماء (1): هل الغنيمة والفيء اسمان لمسمَّى واحد أم يختلفان في التسمية؟.

فقال عطاء بن السائب: الغنيمة: ما ظهر المسلمون عليه من أموال المشركين فأخذوه عنوةً، وأما الأرض فهي فيءٌ. وقال سفيان الثوري: الغنيمة: ما أصاب المسلمون من مال الكفار عنوةً بقتال، وفيه الخمس، وأربعة أخماسه لمن شهد الوقعة، والفيء: ما صولحوا عليه بغير قتال، وليس فيه خمس، فهو لمن سمَّى الله. وقيل: الغنيمة: ما أخذ من أموال الكفار عنوةً عن قهر وغلبة، والفيء: ما لم يوجف عليه بخيل ولا ركابٍ؛ كالعشور، والجزية، وأموال الصلح، والمهادنة، وقيل: إن الفيء والغنيمة معناهما واحدٌ، وهما اسمان لشيء واحد.

والصحيح: أنهما يختلفان، فالفيء: ما أخذ من أموال الكفار بغير إيجاف خيل ولا ركاب، والغنيمة: ما أخذ من أموالهم على سبيل القهر والغلبة بإيجاف خيل عليه أو ركاب. فذكر الله سبحانه وتعالى في هذه الآية حكم الغنيمة، فقال:{وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ} ، يعني: من أي شيء كان، حتى الخيط والمخيط، فإنَّ لله وللرسول خمسه، وقد ذكر أكثر المفسرين والفقهاء أن قوله:{لله} افتتاح كلام على سبيل التبرك، وإنّما أضافه لنفسه تعالى لأنّه هو الحاكم فيه، فيقسمه كيف شاء، وليس المراد منه أنَّ سهمًا منه لله مفردًا؛ لأنَّ الدنيا والآخرة كلها لله تعالى كما مرَّ.

وروى الجعفي عن هارون عن أبي عمرو (2): {فإنّ لله} بكسر الهمزة، وحكاها ابن عطية عن الجعفي عن أبي بكر عن عاصم، ويقوِّي هذه القراءة قراءة النخعي:{فلِلَّهِ خُمُسُه} . وقرأ الحسن وعبد الوارث عن أبي عمرو: {خُمْسَه}

(1) الخازن.

(2)

البحر المحيط.

ص: 11

بسكون الميم، وقرأ النخعي:{خِمْسَه} بكسر الخاء على الإتباع، يعني: إتباع حركة الخاء لحركة ما قبلها، كقراءة من قرأ:{وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ} بكسر الحاء إتباعًا لحركة التاء، ولم يعتد بالساكن؛ لأنّه حاجز غير حصين.

وقوله سبحانه وتعالى: {إن كنتم} أيها المؤمنون {ءَامَنتُم بالله} وصدّقتم وحدانيته، شرطٌ جوابه محذوف، وقوله:{وما أنزلنا} معطوف على الجلالة؛ أي: وآمنتم بالمنزل {عَلَى عَبْدِنَا} محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وهذه إضافة تشريف وتعظيم للنبي صلى الله عليه وسلم، والذي أنزله على عبده محمَّد صلى الله عليه وسلم: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ

} الآية، وقيل: المراد ما أنزله عليه من الآيات والملائكة والفتح يومئذ، قوله:{يَوْمَ الْفُرْقَانِ} متعلقٌ بـ {أنزلنا} والمراد بيوم الفرقان: يوم بدر، سمي به؛ لأن الله سبحانه وتعالى فرَّق فيه بين الحق بنصره والباطل بخذلانه؛ لأنه حكم فيه بالنصرة والغنيمة للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، والقتل والهزيمة لأبي جهل وأصحابه. وقوله:{يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ} بدل من يوم الفرقان؛ أي: يوم التقى وتقاتل فيه والتحم جمع المؤمنين وجمع الكافرين، وهو يوم بدر، وهو (1) أول مشهد شهده رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وكان رئيس المشركين عتبة بن ربيعة، فالتقوا يوم الجمعة لتسع عشرة، أو لسبع عشرة خلت من رمضان، في السنة الثانية من الهجرة، وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ ثلاث مئة وبضعة عشر رجلًا، والمشركون ما بين الألف والتسع مئة، فهَزم المشركين، وقَتل منهم زيادةً على سبعين، وأسر منهم مثل ذلك.

والمعنى: إن كنتم أيها المؤمنون أمنتم باللهِ، وبما أنزل على عبده محمَّد صلى الله عليه وسلم في يوم بدر، الذي هو يومٌ فرَّق الله فيه بين الحق والباطل، ويوم التقى واقتتل فيه جمع المسلمين وجمع الكافرين؛ أي: إن كنتم آمنتم بما ذكر إيمان إذعان وقبول .. فاعلموا أن خمس الغنيمة مصروفٌ إلى هذه المصارف الخمسة، واقطعوا أطماعكم عنه، واقنعوا بالأخماس الأربعة.

{والله} سبحانه وتعالى {عَلَى كُلِّ شَيْءٍ} شاءه {قَدِيرٌ} ؛ أي: قادر، لا

(1) الخازن.

ص: 12