المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

للمشركين على قتال المؤمنين، دحضًا لشوكتهم، وقد حدث ذلك منذ - تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن - جـ ١١

[محمد الأمين الهرري]

الفصل: للمشركين على قتال المؤمنين، دحضًا لشوكتهم، وقد حدث ذلك منذ

للمشركين على قتال المؤمنين، دحضًا لشوكتهم، وقد حدث ذلك منذ ظهور الإِسلام إلى نزول هذه السورة، فقد كتب حاطب بن أبي بلتعة، وهو من أهل بدر، وقد استخفته نعرة القرابة إلى مشركي مكة خفيةً، يعلمهم بما عزم عليه النبي صلى الله عليه وسلم من قتالهم؛ ليتخذ له بذلك يدًا عندهم يكافؤنه عليه بحماية ما كان له عندهم من قرابة، وفي ذلك نزلت سورة الممتحنة، للنهي عن موالاة أعداء الله وأعدائهم {وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ} أيها المؤمنون، وهم على تلك الحال في الدين {فَأُولَئِكَ} المتولون لهم {هُمُ الظَّالِمُونَ} لأنفسهم ولجماعتهم، بوضعهم الموالاة في غير موضعها، فهم قد وضعوا الولاية في موضع البراءة والمودة في محل العداوة وقد حملهم على هذا الظلم نعرة القرابة وحمية الجاهلية، وذكر (1) الآباء والإخوان لأنهم أهل الرأي والمشورة، ولم يذكر الأبناء هنا لأنهم في الغالب تبع لآبائهم، وقرأ عيسى بن عمر:{أن استحبوا} ، بفتح الهمزة، جعله تعليلًا وغيره بكسرها جعله شرطًا.

والخطاب (2) في هذه الآية للمؤمنين كافة وهو حكمٌ باقٍ إلى يوم القيامة، يدل على قطع الولاية بين المؤمنين والكافرين. وقالت طائفة من أهل العلم: إنها نزلت في الحض على الهجرة ورفض بلاد الكفر، فيكون الخطاب لمن كان من المؤمنين بمكة وغيرها من بلاد العرب، نهوا بأن يوالوا الآباء والإخوة، فيكونون لهم تبعًا في سكنى بلاد الكفر، ثم حكم على من يتولى من استحب الكفر على الإيمان، من الآباء والإخوان بالظلم، فدل ذلك على أن تولي من كان كذلك من أعظم الذنوب وأشدِّها. ولمَّا نزلت هذه الآية السابقة ..

‌24

- قال الذين أسلموا ولم يهاجروا: إن نحن هاجرنا .. ضاعت أموالنا وذهبت تجارتنا، وخربت دورنا وقطعنا أرحامنا، فأنزل الله سبحانه وتعالى:{قُلْ} ؛ أي: قل يا محمَّد لهؤلاء الذين قالوا هذه المقالة: {إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ} ؛ أي: حواشيكم {وَأَزْوَاجُكُمْ} ؛ أي: زوجاتكم {وَعَشِيرَتُكُمْ} ؛ أي: أهلكم الأدنون الذين تعاشرونهم،

(1) البحر المحيط.

(2)

الشوكاني.

ص: 177

كالأعمام وأبنائهم، وقرأ الجمهور (1):{وَعَشِيرَتُكُمْ} بالإفراد بغير ألف. وقرأ أبو بكر عن عاصم، وأبو رجاء وأبو عبد الرحمن:{وعشائركم} بالألف على الجمع {وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا} ؛ أي: اكتسبتموها {وَتِجَارَةٌ} ؛ أي: أمتعة اشتريتموها للتجارة والربح {تَخْشَوْنَ} كسادها؛ أي: عدم رواجها وربحها بفراقكم لها {وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا} ؛ أي: منازل تحبون الإقامة فيها {أَحَبَّ إِلَيْكُمْ} ؛ أي: أعجب عندكم {مِنَ} طاعة {الله} والهجرة إلى {وَرَسُولِهِ} صلى الله عليه وسلم، بالحبِّ الاختياري والقراء على (2) نصب {أحبَّ}؛ لأنه خبر {كان} وكان الحجاج بن يوسف يقرأ:{أحبُّ} بالرفع ولحنه يحيى بن يعمر، وتلحينه إياه ليس من جهة العربية، وإنما هو لمخالفة إجماع القراء النقلة، وإلا فهو جائز في علم العربية على أن يضمر في {كان} ضمير الشأن. ويلزم ما بعدها بالابتداء والخبر، وتكون الجملة في موضع نصب على أنها خبر {كان} {و} من {جهادٍ في سبيله}؛ أي: في طاعته {فَتَرَبَّصُوا} ؛ أي: فانتظروا عذاب الله، مقيمين بمكة {حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ} سبحانه وتعالى {بِأَمْرِهِ} أي: بقضائه فيكم وهو عقوبته التي تحل بكم عاجلًا أو آجلًا، وهذا أمر تهديد وتخويف، وقال مجاهد ومقاتل: بفتح مكة، وفيه بُعد، فقد روي أن هذه السورة نزلت بعد الفتح، {وَاللَّهُ} سبحانه وتعالى {لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ}؛ أي: لا يرشد القوم الخارجين عن طاعته إلى طريق الضلال، وفي هذا دليلٌ على أنه إذا وقع تعارض بين مصالح الدين ومصالح الدنيا .. وجب على المسلم ترجيح مصالح الدين على مصالح الدنيا، ليبقى الدين سليمًا.

ومعنى الآية (3): قل لهم يا محمَّد: وإن كنتم تفضلون حظوظ الدنيا وشهواتها، من الآباء والأبناء والإخوان والأزواج والعشيرة والأموال، والتجارة على حب الله ورسوله، والجهاد في سبيله الذي وعدتم عليه أنواع السعادة الأبدية في الآخرة .. فانتظروا حتى يأتي أمر الله؛ أي: عقوبته التي تحل بكم عاجلًا أو آجلًا.

(1) البحر المحيط.

(2)

البحر المحيط.

(3)

المراغي.

ص: 178

وقد ذكر سبحانه الأمور الداعية إلى مخالطة الكفار وحصرها في أربعة:

1 -

مخالطة الأقارب، وذكر منهم الآباء والأبناء والإخوان والأزواج، ثم ذكر الباقي بلفظ العشيرة.

2 -

الميل إلى إمساك الأموال المكتسبة.

3 -

الرغبة في تحصيل الأموال وتثميرها بالتجارة.

4 -

الرغبة في الأوطان والدور التي بنيت للسكنى.

وخلاصة ذلك: إن كانت رعاية هذه المصالح الدنيوية أولى عندكم من طاعة الله وطاعة رسوله، ومن المجاهدة في سبيله .. فتربصوا بما تحبون حتى يأتي الله بعقوبة من عنده عاجلة أو آجلة.

وبتفصيل ما تقدم في الآية نجد أنها حوت أمورًا ثمانية من أفضل ما يحب:

1 -

حب الأبناء للآباء وهو غريزيٌّ في النفوس، فالولد بضعة من أبيه يرث بعض صفاته وطبائعه، من جسمية وخلقية، وقد كان العرب يتفاخرون بآبائهم في أسواقهم وفي معاهد الحج، كما قال تعالى حاثًّا على ذكره:{فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا} .

2 -

حب الآباء للأبناء وهو غريزيٌّ أيضًا، وحب الوالد للولد أقوى وأبقى من عكسه، فهو يحرص على بقائه كما يحرص على نفسه، أو أشد، ويحرم نفسه كثيرًا من الطيبات إيثارًا له بها في حاضر أمره ومستقبله، ويكابد الأهوال، ويركب الصعاب، ويقوم بتربيته وتعليمه، إذ هو مناط الآمال وزينة الحياة، كما قال تعالى:{الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} .

3 -

حب الإخوة وهو يلي في المرتبة حب البنوة والأبوة، وهو حب يقتضيه التناصر والتعاون في الكفاح في الحياة والبيوت التي سلمت فطرة أهلها وكرمت أخلاقهم، يحبون إخوتهم كأنفسهم وأولادهم، ويوقرون كبيرهم ويرحمون

ص: 179

صغيرهم، ويكفلون من تركه أبوه صغيرًا فيتربى مع أولادهم كأحدهم.

4 -

حب الزوجة، وبالزوجية يتحد بشران، يتمم وجود كل منهما وجود الآخر، وينتجان بشرًا مثلهما، ومن ثم امتن الله علينا به فقال:{وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً} .

5 -

حب العشيرة، وهو حب عصبية وتعاون وولاية ونصر، في مواطن القتال والنزال، والذود عن الحمى والحريم، وهو يكون على أشده في أهل البداوة ومن على مقربة منهم من أهل الحضر.

6 -

حب الأموال المقترفة؛ أي: المكتسبة، وهو أقوى من حب الأموال الموروثة؛ لأنَّ عناء النفس في جمعها يجعل لها في قلبه منزلة لا تكون لما يجيء من المال عفوًا.

7 -

حب التجارة التي يخشى كسادها في حال الحرب، وقد كان لبعض المسلمين من أهل مكة تجارة يخشون كسادها في ذلك الحين؛ لأن أكثر مستهلكيها كانوا من المشركين، وكانت أسواقها تنصب في موسم الحج، وقد منع منه المشركون بنص الآيات السابقة واللاحقة.

8 -

حب المساكن الطيبة المرضية، وقد كان لبعض المسلمين دور حسنة في مكة، كانوا يتمتعون فيها بالإقامة والسكن، لما فيها من المرافق وأسباب الراحة.

فهذه الثمانية الأنواع من الحب تجعل القتال مكروهًا مبغوضًا لدى النفوس، فوق ماله من بغض بمقتضى ذاته، كما قال تعالى:{كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ} .

أما حبه تعالى: فيجب أن يكون فوق هذه الأنواع لفضله وإحسانه بالإيجاد والإعدام، وتسخير منافع الدنيا للناس، وهو يتفاوت بتفاوت معارف الإنسان في آلاء الله في خلقه، وإدراك ما فيها من الإبداع والإتقان {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} .

ص: 180

وكذلك حب رسوله، يجب أن يكون فوق هذه أيضًا فإنه صلى الله عليه وسلم كان المثل الأعلى في أخلاقه وآدابه، وقد أرسله الله تعالى هدايةً للعالمين إلى يوم الدين.

قوله: {وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} ؛ أي: الخارجين من حدود الدين والشريعة، ومن سلامة الفطرة إلى فساد الطباع، ومن نور العقل إلى ظلمة الجهل والتقليد.

وقد جرت سنته تعالى أن يكون الفاسقون محرومين من الهداية الفطرية التي يهتدي إلى معرفتها الإنسان بالعقل السليم والوجدان الصحيح، ومن ثم هم يؤثرون حب القرابة والمنفعة الطارئة كالمال والتجارة على حب الله ورسوله والجهاد في سبيله.

هذا وقد جاءت أحاديث كثيرة في فضل حب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم:

منها: ما رواه الشيخان من حديث أنس مرفوعًا: "ثلاث من كن فيه .. وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحبَّ إليه مما سواهما، وأن يحب المرءَ لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار".

وعنه أيضًا: "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين".

والوسيلة إلى هذه المعرفة والحب كثرة الذكر والفكر وتدبر القرآن والتزام أحكام الشرع، والذكر الحق: هو ذكر القلب مع حسن النية وصحة القصد، وتأمُّل سنن الله وآياته في الخلق، وأن تذكر حين رؤية كل شيء من صنع الله تعالى وسماع كل صوت من مخلوقات الله أنه يسبح بحمده تعالى، ويدل على قدرته وحكمته ورحمته.

ومن أقام فرائض الله كما أمر وترك معاصيه كما نهى .. فإنه يصل بفضل الله تعالى إلى المقام الذي أشار إليه في الحديث القدسي: "وما تقرب إليّ عبدي بشيء أحب إليَّ مما افترضه عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته .. كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصِر به، ويده التي

ص: 181

يبطش بها، ورجله التي يمشي بها" رواه البخاري.

الإعراب

{أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (13)} .

{أَلَا} حرف تحضيض مضمَّن معنى التوبيخ {تُقَاتِلُونَ قَوْمًا} فعل وفاعل ومفعول، والجملة مستأنفة {نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ} فعل وفاعل ومفعول والجملة في محل النصب صفة {قَوْمًا} {وَهَمُّوا} فعل وفاعل، والجملة في محل النصب معطوفة على جملة {نَكَثُوا} {بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ} جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بـ {هموا} {وَهُمْ} مبتدأ {بَدَءُوكُمْ} فعل وفاعل ومفعول {أَوَّلَ مَرَّةٍ} ظرف، ومضاف إليه متعلق بـ {بدؤوا} وجملة {بدؤوا} في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل النصب حال من واو {هموا} {أَتَخْشَوْنَهُمْ} {الهمزة} للاستفهام التوبيخي مضمن معنى الإنكار {تخشوهم} فعل وفاعل ومفعول، والجملة مستأنفة. {فَاللَّهُ أَحَقُّ}: مبتدأ وخبر و {الفاء} : عاطفة مضمنة معنى التعليل، والجملة الاسمية معطوفة على جملة {أَتَخْشَوْنَهُمْ} على كونها معلَّلة لها {أَنْ تَخْشَوْهُ} ناصب وفعل وفاعل ومفعول، والجملة في تأويل مصدر بدل اشتمال من المبتدأ؛ أي: فخشية الله أحق وأجدر بكم {إن} حرف شرط {كُنْتُمْ} فعل ناقص واسمه في محل الجزم بـ {إِن} {مُؤْمِنِينَ} خبر {كان} وجواب {إنْ} الشرطية معلوم مما قبلها، تقديره: إن كنتم مؤمنين .. فاخشوا الله تعالى. وجملة {إِن} الشرطية مستأنفة.

{قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (14) وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (15)} .

{قَاتِلُوهُمْ} فعل وفاعل ومفعول والجملة مستأنفة {يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ} فعل ومفعول وفاعل مجزوم بالطلب السابق، والجملة جملة جوابية، لا محل لها من

ص: 182

الإعراب {بِأَيْدِيكُمْ} جار ومجرور، متعلق بـ {يُعَذِّبْهُمُ} {وَيُخْزِهِمْ} فعل ومفعول معطوف على {يُعَذِّبْهُمُ} وفاعله ضمير يعود على {اللَّهُ} {وَيَنْصُرْكُمْ} فعل ومفعول معطوف عليه أيضًا وفاعله ضمير يعود على {اللَّهُ} {عَلَيْهِمْ} متعلق بـ {ينصركم} {وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ} فعل ومفعول ومضاف إليه معطوف عليه أيضًا {مُؤْمِنِينَ} صفة {قَوْمٍ} وفاعله ضمير يعود على {اللَّهُ} . {وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ} فعل ومفعول ومضاف إليه معطوف عليه أيضًا، وفاعله ضمير يعود على الله {وَيَتُوبُ اللَّهُ} فعل وفاعل والجملة مستأنفة {عَلَى مَنْ} جار ومجرور متعلق بيتوب {يَشَاءُ} فعل مضارع وفاعله ضمير يعود على {اللَّهُ} والجملة صلة الموصول، والعائد محذوف تقديره: من يشاء التوبة عليه {وَاللَّهُ} مبتدأ {عَلِيمٌ} خبر أول {حَكِيمٌ} خبر ثان والجملة مستأنفة.

{أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (16)} .

{أَمْ} منقطعة بمعنى الهمزة التي للاستفهام الإنكاري، وبل التي للإضراب الانتقالي {حَسِبْتُمْ} فعل وفاعل والجملة مستأنفة {أَنْ تُتْرَكُوا} ناصب وفعل وفاعل، والجملة في تأويل مصدر ساد (1) مسد مفعولي حسب تقديره: بل أظننتم ترككم. {وَلَمَّا} {الواو} حالية {لَمَّا} حرف نفي وجزم {يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ} فعل وفاعل ومفعول مجزوم بـ {لمَّا} والجملة في محل النصب، حال من واو {تُتْرَكُوا} {جَاهَدُوا} فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول {مِنْكُمْ} جار ومجرور حال من واو {جَاهَدُوا} {وَلَمْ يَتَّخِذُوا} جازم وفعل وفاعل معطوف على {جَاهَدُوا} على كونها صلة الموصول، أو في محل النصب حال من واو {جَاهَدُوا} تقديره:{جَاهَدُوا} حال كونهم غير متخذين وليجة {مِنْ دُونِ اللَّهِ} جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بـ {يَتَّخِذُوا} أو في محل المفعول الثاني إن كان الاتخاذ بمعنى التصيير {وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ} معطوفان على الجلالة

(1) إعراب النحاس.

ص: 183

{وَلِيجَةً} مفعول به، أو مفعول أول {وَاللَّهُ} مبتدأ {خَبِيرٌ} خبره {بِمَا} متعلق بـ {خَبِيرٌ} {تَعْمَلُونَ} فعل وفاعل صلة بـ {ما} أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره: بما تعملونه.

{مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ (17)} .

{مَا} نافية {كَانَ} فعل ماض ناقص {لِلْمُشْرِكِينَ} جار ومجرور خبر مقدم لـ {كَانَ} {أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ} ناصب وفعل وفاعل ومفعول ومضاف إليه والجملة الفعلية في تأويل مصدر مرفوع على كونه اسمًا مؤخرًا لـ {كَانَ} تقديره: ما كان عمارة مساجد الله كائنة للمشركين مستحقةً لهم وجملة {كَانَ} مستأنفة {شَاهِدِينَ} حال من واو {يَعْمُرُوا} {عَلَى أَنْفُسِهِمْ} متعلق بـ {شَاهِدِينَ} {بِالْكُفْرِ} جار ومجرور متعلق به أيضًا {أُولَئِكَ} مبتدأ {حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ} فعل وفاعل والجملة الفعلية في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة {وَفِي النَّارِ} {الواو} عاطفة {في النار}: متعلق بـ {خَالِدُونَ} {هُمْ} مبتدأ {خَالِدُونَ} خبره، والجملة الاسمية معطوفة على جملة أولئك.

{إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ} .

{إِنَّمَا} أداة حصر {يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ} فعل ومفعول ومضاف إليه {مَنْ} موصولة في محل الرفع فاعل، والجملة الفعلية مستأنفة {آمَنَ} فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على {مَنْ} والجملة صلة الموصول {بِاللَّهِ} متعلق بـ {آمَنَ} {وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} معطوف على الجلالة {وَأَقَامَ الصَّلَاةَ} فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على {مَنْ} والجملة معطوفة على جملة {آمَنَ} وكذلك جملة {وَآتَى الزَّكَاةَ} معطوفة عليه {وَلَمْ يَخْشَ} جازم وفعل مجزوم وفاعله ضمير يعود على {مَنْ} والجملة معطوفة على جملة {آمَنَ} {إِلَّا} أداة استثناء مفرغ {اللَّهَ} مفعول به.

ص: 184

{فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ} .

{فَعَسَى} {الفاء} : عاطفة مضمنة معنى التعليل أو استئنافية {عَسَى} فعل ماض ناقص من أفعال الرجاء {أُولَئِكَ} اسمها {أَنْ يَكُونُوا} ناصب وفعل ناقص واسمه {مِنَ الْمُهْتَدِينَ} خبره وجملة {يَكُونُوا} مع أن المصدرية في تأويل مصدر منصوب على كونه خبر {عَسَى} ولكنه في تأويل اسم الفاعل، تقديره: عسى أولئك كونهم مهتدين؛ أي: عسى أولئك كائنين من المهتدين، والمعنى: حق كونهم من المهتدين، وجملة {عَسَى} معطوفة على جملة قوله {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ} أو مستأنفة.

{أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (19)} .

{أَجَعَلْتُمْ} {الهمزة} : للاستفهام الإنكاري {جعلتم} فعل وفاعل والجملة مستأنفة {سِقَايَةَ الْحَاجِّ} مفعول أول ومضاف إليه {وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} معطوف عليه {كَمَنْ} جار ومجرور في محل المفعول الثاني، لـ {جعل} ولكنه على تقدير مضاف كما مر في بحث التفسير؛ أي: أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام، كائنين كإيمان من آمن بالله {آمَنَ} فعل ماض وفاعله ضمير يعود على {بِاللَّهِ} متعلق به {وَالْيَوْمِ} معطوف على الجلالة {الْآخِرِ} صفة لـ {اليوم} والجملة الفعلية صلة {من} الموصولة {وَجَاهَدَ} فعل ماض {فِي سَبِيلِ اللَّهِ} متعلق به، وفاعله ضمير يعود على {من} والجملة معطوفة على جملة {آمَنَ} {لَا يَسْتَوُونَ}: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة {عِنْدَ اللَّهِ} متعلق به {وَاللَّهُ} مبتدأ {لَا يَهْدِي الْقَوْمَ} فعل ومفعول {الظَّالِمِينَ} صفة لـ {الْقَوْمَ} وفاعله ضمير يعود على {الله} والجملة الفعلية في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة.

{الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (20)} .

{الَّذِينَ} مبتدأ {آمَنُوا} فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول {وَهَاجَرُوا

ص: 185

وَجَاهَدُوا} معطوفان عليه {فِي سَبِيلِ اللَّهِ} جار ومجرور، ومضاف إليه متعلق بـ {جاهدوا} {بِأَمْوَالِهِمْ} متعلق به أيضًا {وَأَنْفُسِهِمْ} معطوف على {أموالهم} {أَعْظَمُ} خبر المبتدأ {دَرَجَةً} تمييز محول عن المبتدأ، منصوب باسم التفضيل {عِنْدَ اللَّهِ}: ظرف ومضاف إليه متعلق بـ {أَعْظَمُ} والجملة الاسمية مستأنفة {وَأُولَئِكَ} مبتدأ {هُمُ} ضمير فصل {الْفَائِزُونَ} خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على الجملة التي قبلها.

{يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ (21) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (22)} .

{يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ} فعل ومفعول وفاعل والجملة مستأنفة {بِرَحْمَةٍ} متعلق {يُبَشِّرُهُمْ} {مِنْهُ} صفة الرحمة {وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ} معطوفان على رحمة {لَهُمْ} جار ومجرور خبر مقدم {فِيهَا} جار ومجرور حال من {نَعِيمٌ} وهو مبتدأ مؤخر {مُقِيمٌ} صفة له والجملة الاسمية في محل الجر صفة لجنات. {خَالِدِينَ} حال مقدرة من ضمير {لَهُمْ} أو من ضمير {يُبَشِّرُهُمْ} {فِيهَاَ} متعلق بـ {خَالِدِينَ} {أَبَدًا} منصوب على الظرفية، متعلق بـ {خَالِدِينَ} {إِنَّ اللَّهَ}: ناصب واسمه {عِنْدَهُ} ظرف ومضاف إليه خبر مقدم {أَجْرٌ} مبتدأ مؤخر {عَظِيمٌ} صفة له، والجملة من المبتدأ والخبر في محل الرفع خبر {إنَّ} وجملة {إِنَّ} مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها.

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (23)} .

{يَا أَيُّهَا} {يا} حرف نداء {أَيُّ} منادى نكرة مقصودة و {الهاء} حرف تنبيه زائد تعويضًا عما فات أي من الإضافة وجملة النداء مستأنفة {الَّذِينَ} اسم موصول في محل الرفع صفة لـ {أي} {آمَنُوا} فعل وفاعل والجملة صلة الموصول {لَا تَتَّخِذُوا} فعل وفاعل، مجزم بـ {لا} الناهية {آبَاءَكُمْ} مفعول أول، ومضاف إليه {وَإِخْوَانَكُمْ} معطوف عليه {أَوْلِيَاءَ} مفعول ثان، لـ {تَتَّخِذُوا} والجملة الفعلية جواب النداء {إِنِ} حرف شرط {اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ} فعل وفاعل

ص: 186

ومفعول، في محل الجزم بـ {إنِ} الشرطية على كونه فعل شرط لها {على الإيمانِ} متعلق بـ {استحبوا} لتضمينه معنى اختاروا، وجواب {إنِ} الشرطية معلوم مما قبلها، تقديره: إن استحبوا الكفر على الإيمان لا تتخذوهم أولياء، وجملة {إن} الشرطية مستأنفة {وَمَن} {الواو} استئنافية {من} اسم شرط جازم في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط أو جملة الجواب أو هما على الخلاف المذكور في محله {يتولهم} فعل ومفعول، مجزوم بـ {من} الشرطية على كونه فعل شرط لها، وفاعله ضمير يعود على {مَنْ} {منكم} جار ومجرور حال من فاعل {يتولهم} {فَأولئكَ}:{الفاء} رابطة لجواب {من} الشرطية وجوبًا {أولئك} مبتدأ {هُمُ} ضمير فصل {الظالمون} خبر، والجملة الاسمية في محل الجزم بـ {مَنْ} الشرطية على كونها جوابًا لها وجملة {من} الشرطية مستأنفة.

{قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ} .

{قل} فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمَّد {إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ

} إلى آخر الآية، مقول محكي لـ {قُلْ} والجملة الفعلية مستأنفة. وإن شئت قلت {إن} حرف شرط {كَانَ} في محل الجزم بـ {إن} الشرطية {آبَاؤُكُمْ} اسمها {وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ} معطوفات على {آبَاؤُكُمْ} {اقْتَرَفْتُمُوهَا} فعل وفاعل ومفعول، والجملة في محل الرفع صفة لـ {أموال} {وَتِجَارَةٌ}: معطوف عليه أيضًا {تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا} فعل وفاعل ومفعول، والجملة في محل الرفع صفة لـ {تجارة} {أَحَبَّ}: خبر كان {إليكم} : متعلق به {من الله} متعلق به أيضًا {ورسوله} : معطوف على الجلالة {وَجِهَادٍ} : معطوف على الجلالة أيضًا {في سبيله} : متعلق بـ {وَجِهَادٍ} .

{فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} .

{فَتَرَبَّصُوا} {الفاء} : رابطة لجواب {إن} الشرطية {فَتَرَبَّصُوا} فعل وفاعل، والجملة في محل الجزم {إن} الشرطية على كونها جوابًا لها. وجملة {إن}

ص: 187

الشرطية في محل النصب مقول لـ {قُلْ} {حَتَّى} : حرف جر وغاية {يَأْتِيَ اللَّهُ} فعل وفاعل منصوب بـ {أن} مضمرة وجوبًا بعد {حَتَّى} بمعنى: إلى {بِأَمْرِهِ} : جار ومجرور، ومضاف إليه متعلق بـ {يَأْتِيَ} والجملة الفعلية مع {أن} المضمرة في تأويل مصدر مجرور بـ {حَتَّى} بمعنى: إلى، تقديره: إلى إتيان الله {بِأَمْرِهِ} الجار والمجرور متعلق بـ {تربصوا} {وَاللَّهُ} مبتدأ {لَا يَهْدِي الْقَوْمَ} فعل ومفعول {الْفَاسِقِينَ} صفة لـ {الْقَوْمَ} وفاعله ضمير يعود على {اللَّهُ} والجملة الفعلية في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة.

التصريف ومفردات اللغة

{وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ} يقال: هَمَّ بالشيء يهم همًّا - من باب رد - إذا أراده. {أَتَخْشَوْنَهُمْ} أصله أتخشيونهم تحركت الياء وانفتح ما قبلها، قلبت ألفًا فالتقى ساكنان، ثم حذفت الألف لبقاء دالها، فصار تخشون بوزن تفعون {غَيْظَ قُلُوبِهِمْ} وفي "المختار" الغيظ غضب كامن للعجز، تقول: غاظه: من باب باع فهو مغيظٌ، انتهى.

{وَلِيجَةً} وفي "المصباح" ولج الشيء في غيره يلج - من باب وعد - ولوجًا دخل، وأولجته إيلاجًا أدخلته، والوليجة البطانة، اهـ ويراد بها هنا بطانة السوء من المنافقين والمشركين، وفي "السمين" والوليجة فعيلة، من الولوج، وهو الدخول والوليجة من يداخلك في باطن أمورك، وقال أبو عبيدة: كل شيء أدخلته في شيء وليس منه، فهو وليجة، والرجل في القوم وليس منهم يقال له: وليجة ويستعمل بلفظ واحد للمفرد والمثنى والمجموع، وقد يجمع على ولائج وولج، كصحيفة وصحائف وصحف اهـ.

{مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ} المساجد جمع مسجد: وهو في الأصل مكان السجود، ثم صار علمًا على البيت الذي يعبد الله وحده فيه، كما قال:{وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا (18)} وعمارة المسجد، تطلق تارةً على لزومه والإقامة فيه للعبادة، أَو لخدمته بتنظيفه أو ترميمه، أو نحو ذلك، وتطلق أخرى على زيارته للعبادة فيه، ومنها: النسك المخصوص المسمى

ص: 188

بالعمرة، وفي "المصباح": عمرت الدار عمرًا، من باب قتل، بنيتها والاسم العِمارة بالكسر، اهـ وفي "المختار": وعمرت الخراب عمرًا، من باب كتب فهو عامر؛ أي: معمور، اهـ.

{أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} السقاية: الموضع الذي يسقى فيه الماء في المواسم وغيرها، ولكن المراد بها هنا المصدر؛ أي: إسقاء الحجاج، وإعطاء الماء لهم، وسقاية العباس موضع بالمسجد الحرام، يستقي فيه الناس، وهو حجرة كبيرة في جهة الجنوب من بئر زمزم، لا تزال ماثلة إلى الآن، ولكن جعلها السعوديون الآن تحت الأرض، وقد يراد (1) بالسقاية الحرفة، كالحجابة، وهي سدانة البيت، والسقاية والحجابة أفضل مآثر قريش، وقد أقرَّهما الإسلام وفي الحديث "كل مأثرة من مآثر الجاهلية تحت قدمي إلا سقاية الحاج وسدانة البيت" وقد كانت قريش تسقي الزبيب المنبوذ في الماء، وكان يليها العباس بن عبد المطلب في الجاهلية والإسلام وفي "السمين" قوله {سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ} الجمهور على قرائتهما مصدرين، على فعالة بكسر الفاء، كالصيانة والوقاية والتجارة، ولم تقلب الياء لتحصنها بتاء التأنيث، بخلاف رداءة وعباءة لطرو تاء التأنيث فيهما، وحينئذٍ فلا بد من حذف مضاف، إما من الأول، تقديره: أجعلتم أهل سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام، كمن آمن بالله، وإما من الثاني، تقديره: أجعلتم السقاية والعمارة كإيمان من آمن، أو كعمل من آمن، كما مر.

{الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ} و {أَعْظَمُ} (2): اسم تفضيل يجوز أن يبقى هنا على بابه من التفضيل، ويكون ذلك على تقدير: اعتقاد المشركين بأنَّ في سقايتهم وعمارتهم فضيلةً، فخوطبوا على اعتقادهم، أو يكون التقدير: أعظم درجة من الذين آمنوا ولم يهاجروا، ولم يجاهدوا، وقيل: أعظم ليس على بابه، بل هو كقوله: {أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ

(1) المراغي.

(2)

البحر المحيط.

ص: 189

{مُسْتَقَرًّا} وكأنه قيل: عظيمون درجة، و {عِنْدِ اللَّهِ}: بالمكانة لا بالمكان.

{إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ} استحب كذا وأحبه بمعنى واحد فالسين والتاء فيه زائدتان {الظَّالِمُونَ} والظلم: وضع الشيء في غير موضعه اللائق به؛ لأنهم وضعوا المحبة في غير موضعها {وَعَشِيرَتُكُمْ} والعشيرة (1): الجماعة التي ترجع إلى عقد واحد، وعشيرة الرجل ذوو قرابته الأدنون الذين يعاشرونه، ومن شأنهم التعاون والتناصر، وهو اسم جمع، وقرأ أبو بكر وحماد:{عشيراتكم} بجمع السلامة، فقال الأخفش: لا تكاد العرب تجمع عشيرة على عشيرات، وإنما يجمعونها على عشائر جمع تكسير {اقْتَرَفْتُمُوهَا} والاقتراف: الاكتساب، يقال: اقترف إذا اكتسب، وأصله اقتطاع الشيء من مكانه، والتركيب يدور على الدنو، والكاسب يدني الشيء من نفسه ويدخله تحت ملكه، والتجارة: الأمتعة التي يشترونها ليربحوا فيها، وكسادها عدم نفاقها، لفوات وقت بيعها، بالهجرة ومفارقة الأوطان، يقال: كسد الشيء كسادًا وكسودًا إذا بار ولم يكن له نَفاق {وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا} جمع مسكن، وهو المنزل المتخذ سكنًا، والمراد بها هنا: المنازل التي تعجبهم وتميل إليها أنفسهم، ويرون الإقامة فيها أحب إليهم من المهاجرة إلى الله ورسوله والتربص الانتظار و {أَمْرِه} عقوبته عاجلًا أو أجلًا، كما مر {الْفَاسِقِينَ} وفي "التحرير" الفسق هنا: الكفر، ويدل عليه ما قابله من الهداية والكفر ضلال، والضلال: ضد الهداية، وإن كان ذلك في المؤمنين الذين لم يهاجروا، فيكون الفسق: الخروج عن الطاعة، فإنهم لم يمتثلوا أمر الله تعالى ولا أمر رسوله صلى الله عليه وسلم في الهجرة.

البلاغة

وقد تضمنت هذه الآيات من ضروب البلاغة والفصاحة والبيان والبديع أنواعًا:

فمنها: التحضيض المضمن معنى التوبيخ في قوله: {أَلَا تُقَاتِلُونَ} وهو

(1) الشوكاني.

ص: 190

الطلب بحثٍّ وإزعاج، فالمعنى: قاتلوا قومًا

إلخ.

ومنها: ذكر اسم الجلالة مكان الضمير في قوله: {وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} لتربية المهابة وإدخال الروعة في القلب.

ومنها: المجاز المرسل في قوله: {وَهُمْ بَدَءُوكُمْ} ؛ أي: بالقتال؛ لأنه مجاز عن إعانتهم لبني بكر على خزاعة قال أبو السعود: الإعانة على القتال بإعطاء السلاح تسمى قتالًا مجازًا اهـ.

ومنها: الاستفهام الإنكاري في قوله: {أَتَخْشَوْنَهُمْ} وفي قوله {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا} .

ومنها: الالتفات في قوله: {أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ} ؛ لأنه كلام مستأنف، خوطب به المشركون التفاتًا من الغيبة في قوله:{مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ} وفيه أيضًا مجاز الحذف؛ لأنه على تقدير؛ أجعلتم أهل سقاية الحاج كما مر.

ومنها: طباق السلب في قوله: {أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ} وهو الجمع بين فعلين من نوع واحد، أحدهما منفي والآخر مثبت؛ لأن الأول هنا في قوة المنفي لدخول همزة الاستفهام الإنكاري عليه.

ومنها: مقابلة الجمع بالجمع في قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ} ؛ لأن المراد النهي لكل فرد من أفراد المخاطبين عن موالاة فرد من أفراد المشركين، بقضية مقابلة الجمع بالجمع الموجبة لانقسام الآحاد إلى الآحاد، كما في قوله تعالى:{وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ} .

ومنها: مراعاة اللفظ تارةً والمعنى أخرى في قوله: {وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ} فيه مراعاة لفظ (من) وقوله: {فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} فيه مراعاة معناها.

ومنها: المزاوجة في قوله: {قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ

} إلى آخر الآية وهي أن يزواج؛ أي: يقارن بين أمرين فأكثر في الشرط والجزاء.

ص: 191

ومنها: تعريف جزئي الكلام مع الإتيان بضمير الفصل، إفادة للحصر في قوله:{وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ} ؛ أي: هم الفائزون لا غيرهم.

ومنها: القصر في قوله: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ} وفيه أيضًا تخصيص الصلاة والزكاة بالذِّكر، تفخيمًا لشأنهما، وإظهارا لفضلهما.

ومنها: التنكير في قوله: {بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ} للتفخيم والتعظيم؛ أي: برحمة لا يبلغها وصف واصف.

ومنها: الإتيان بصيغة الأمر مرادًا به التهديد والوعيد، في قوله:{فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ} نظير قوله: {اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ} .

ومنها: الاستعارة التصريحية التبعية، في قوله:{لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ} شبه الدوام بالإقامة، فاشتق منه مقيم بمعنى دائم، على طريقة الاستعارة التصريحية.

ومنها: الحذف والزيادة في عدة مواضع.

والله سبحانه وتعالى أعلم

* * *

ص: 192

قال الله سبحانه جلَّ وعلا:

{لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (25) ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (26) ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (27) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (28) قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (29) وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (30) اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (31) يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (32) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (33) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (34) يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ (35)} .

المناسبة

قوله تعالى: {لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ

} الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله سبحانه وتعالى، لمَّا ذكر فيما قبلها أنَّ (1) الخير

(1) المراغي.

ص: 193

والمصلحة للمؤمنين في ترك ولاية أولي القربى من الكافرين، وفي إيثار حب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، والجهاد في سبيله على حب أولى القربى والعشيرة والمال والسكن ونحوها، مما يحب .. أبان فيها أن نصر الله للمؤمنين في المواطن الكثيرة، لم يكن بقوة العصبية، ولا بقوة المال، ولا بما يشترى به من الزاد والعتاد، بل كان بفضل الله عليهم بهذا الرسول، الذي جاءهم بذلك الدين القويم، وإن هزيمتهم وتوليهم يوم حنين، كان ابتلاءً لهم على عجبهم بكثرتهم، ورضاهم عنها، ونصرهم من بعد ذلك كان بعناية خاصة من لدنه، ليتذكروا أن عنايته تعالى للمؤمنين بالقوة المعنوية، لا بالكثرة العددية وما يتعلق بها. وقال أبو حيان (1): مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله سبحانه وتعالى لما قدم قوله: {قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ} واستطرد بعد ذلك بما استطرد ذكرهم تعالى نصره إياهم في مواطن كثيرة. انتهى.

قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ

} الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أنه لما أمر (2) النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر حين أمَّره على الحج سنة تسع من الهجرة أن يبلغ الناس، أنه لا يحج بعد هذا العام مشركٌ، ثم أمر عليًّا أن يتبع أبا بكر، فيقرأ على الناس أول سورة براءة يوم الحج الأكبر وينبذ إليهم عهدهم، وأن الله بريءٌ من المشركين ورسوله .. قال الناس: يا أهل مكة، ستعلمون ما تلقون من الشدة، لانقطاع السبل، وفقد الحمولات، فنزلت هذه الآية لدفع تلك الشبهة، فقال سبحانه:{وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} قال ابن عباس: كان المشركون يجيؤون إلى البيت. ويجيؤون معهم بالطعام، يتجرون فيه، فلما نهوا أن يأتوا البيت .. قال المسلمون: فمن أين لنا الطعام؟ فأنزل الله {وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً

} الآية، قال: فأنزل الله عليهم المطر وكثر خيرهم حين ذهب المشركون عنهم، وأسلم أهل اليمن، وجاءهم الناس من كل فج.

(1) البحر المحيط.

(2)

المراغي.

ص: 194

قوله تعالى: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ

} الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله سبحانه وتعالى لما ذكر أحكام المشركين، في إظهار البراءة من عهودهم، وفي إظهار البراءة منهم في أنفسهم، وفي وجوب مقاتلتهم، وإبعادهم عن المسجد الحرام .. أردف ذلك بحكم قتال أهل الكتاب، وبيان الغاية منه، وفي ذلك توطئةٌ للكلام في غزوة تبوك مع الروم من أهل الكتاب والخروج إليها في زمن العسرة والقيظ - شدة الحر - وما يتعلق بها من فضيحة المنافقين وهتك حجب كفرهم، وتمحيص المؤمنين، وإن كان النبي صلى الله عليه وسلم لم يقاتل فيها الروم، لما سيأتي.

قوله تعالى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ

} الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله سبحانه وتعالى لمَّا ذكر (1) في الآيات السابقة أنهم لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر على الوجه الصحيح .. أردف ذلك بشرح المجمل في هذه الآيات، فنقل عنهم، أنهم أثبتوا لله ابنًا، وهذا بمنزلة الشرك بالله، فإن طرق الشرك مختلفة، وأنهم اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا، يحرمون ويحللون، وأنهم يسعون في إبطال الإسلام وإخفاء الدلائل الدالة على صدق رسوله، وصحة دينه.

قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ

} الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله سبحانه وتعالى لمَّا ذكر في الآيات السالفة أن اليهود والنصارى، اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله، وأنهم ما أمروا إلا ليعبدوا إلهًا واحدًا، فعبدوا غيره من دونه .. أردف ذلك بذكر سيرة جمهرة هؤلاء الرؤساء الدِّينيين في معاملاتهم مع الناس، ليعرف المسلمون حقيقة أحوالهم، والدواعي التي تحملهم على إطفاء نور الله، ببيان أن أكثرهم عباد شهوات وأرباب أهواء، وذوو أطماع وحرص على أموال الناس بالباطل، وأنه ما حملهم على مقاومة الإسلام إلا خوف ضياع تلك اللذات، وفوات تلك

(1) المراغي.

ص: 195

الشهوات، ثم أوعد الباخلين الذين يكنزون الذهب والفضة في صناديقهم ولا ينفقونها في سبل البر والخير بالعذاب الأليم، وفي نار جهنم يوم يحمى على تلك الأموال المكنوزة، فتصير كالنار التهابًا، ثم تكوى بها الجباه والجنوب والظهور، ويقال لهم: هذا جزاء صنيعكم في الدنيا، منعتموه البائس الفقير، لتتمتعوا به، فكان جزاؤكم أن صار وبالًا عليكم، وميسمًا تكتوون به على جنوبكم وظهوركم، فلم تنتفعوا به في دين ولا دنيا.

أسباب النزول

قوله تعالى: {وَيَوْمَ حُنَيْنٍ

} الآية، سبب نزولها: ما أخرجه (1) البيهقي في "الدلائل" عن الربيع بن أنس، أن رجلًا قال يوم حنين: لن نغلب من قلة، وكانوا اثني عشر ألفًا، فشق ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله {وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ} الآية.

قوله تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً

} الآية، سبب نزولها: ما أخرجه ابن أبي حاتم عن ابن عباس، قال: كان المشركون يجيئون إلى البيت ويجيئون معهم بالطعام، يتجرون فيه، فلما نهوا أن يأتوا البيت .. قال المسلمون: من أين لنا الطعام؟ فأنزل الله: {وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} .

وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن سعيد بن جبير، قال: لما نزلت {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا} .. شق ذلك على المسلمين، وقالوا: من يأتينا بالطعام والمتاع؟ فأنزل الله {وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} وأخرج مثله عن عكرمة وعطية العوفي والضحاك وقتادة وغيرهم.

قوله تعالى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ

} الآية، سبب نزولها (2): ما أخرجه ابن أبي حاتم عن ابن عباس، قال: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم سلام بن مشكم ونعمان بن أوفى ومحمد بن دحية وشاس بن قيس ومالك بن الصيف، فقالوا: كيف نتبعك وقد تركت قبلتنا، وأنت لا تزعم أن عزيرًا ابن الله؟ فأنزل الله في ذلك {وَقَالَتِ

(1) لباب النقول.

(2)

لباب النقول.

ص: 196