الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أناخ بكم الشرف الجون، الفتن كأمثال الليل المظلم"، الشرف بضمتين جمع شارف، وهي الناقة الكبيرة السن، والجون السود.
83
- ثم بين ما يجب أن يعاملوا به في الدنيا قبل الآخرة، مما يقتضي تركهم الفرح، والغبطة في دنياهم بالتمتع بأحكام الإِسلام فقال:{فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ} سبحانه وتعالى يا محمَّد، من غزوة تبوك، وردَّك من سفرك هذا، والفاء لتفريع ما بعدها على ما قبلها {إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُم}؛ أي: إلى طائفة من المنافقين المتخلفين عنك في المدينة، وإنما قال إلى طائفة منهم؛ لأن جميع من أقام بالمدينة لم يكونوا منافقين، بل كان فيهم غيرهم من المؤمنين، الذين لهم أعذار صحيحة، وفيهم من المؤمنين من لا عذر له، ثم عفا عنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتاب الله عليهم، كالثلاثة الذين خلفوا، وسيأتي بيان ذلك، وقيل: إنما قال: إلى طائفة؛ لأن منهم من تاب عن النفاق، وندم على التخلف.
{فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ} معك إلى غزوة أخرى بعد غزوة تبوك؛ أي: ليخرجوا معك في غزوة أو غيرها، مما تخرج لأجله {فَقُلْ} لهم يا محمَّد إخراجًا لهم عن ديوان الغزاة، وإبعادًا لمحلهم عن محفل صحبتك {لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا} في سفر من الأسفار، ولن يكون لكم أبدًا شرف الصحبة بالخروج معي للجهاد في سبيل الله تعالى، ما دمت ودمتم {وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا} من الأعداء لا بالخروج والسفر إليهم ولا بغير ذلك، كأن يهاجم المؤمنون في عقر دارهم، كما حدث يوم وقعة الأحزاب.
وقرىء (1): {معي} في الموضعين بفتح الياء، وقرىء: بسكونها فيهما، ثم بين سبب النهي عن صحبتهم فقال:{إِنَّكُمْ} أيها المتخلفون {رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ} عن الغزو {أَوَّلَ مَرَّةٍ} وهي غزوة تبوك {فَاقْعُدُوا} عن الجهاد {الْخَالِفِينَ} ؛ أي: مع النساء والصبيان والرجال العاجزين، كالمرضى والزمنى، الذين لا يكلفون القيام بشرف الجهاد دفاعًا عن الحق، وإعلاءً لكلمة الله تعالى، وجملة
(1) الشوكاني.
قوله: {إنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ} للتعليل؛ والفاء في قوله: {فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ} لتفريع ما بعدها على ما قبلها.
والمعنى (1): لن تخرجوا معي أبدًا، ولن تقاتلوا عدوًّا؛ لأنكم رضيتم لأنفسكم بخزي العقود والتخلف أول مرة دعيتم فيها إلى الخروج، إذ طلب إليكم أن تنفروا، فلم تنفروا، وعصيتم الله ورسوله، فاقعدوا أبدًا مع الذين تخلفوا عن النفر، من الأشرار المفسدين، الذين خرجوا عن سبيل المهتدين، وربما كان المراد بالمخالفين الصبيان والعجزة والنساء، كما مرَّ آنفًا.
والخالفين (2) جمع خالف، كأنهم خلفوا الخارجين، والمراد بهم: من تخلَّف عن الخروج، وقيل: المعنى: فاقعدوا مع الفاسدين من قولهم: فلان خالف أهل بيته، إذا كان فاسدًا فيهم، من قولك: خلف اللبن، إذا فسد بطول المكث في السقاء، ذكر معناه الأصمعيُّ، وقرأ (3) مالك بن دينار وعكرمة مع {الْخَالِفِينَ} ، وهو مقصورٌ من الخالفين.
وفي الآية (4): دليلٌ على أن الرجل إذا ظهر منه مكروه، وخداع وبدعة .. يجب الانقطاع عنه، وترك مصاحبته؛ لأن الله سبحانه وتعالى منع المنافقين من الخروج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الجهاد، وهو مشعر بإظهار نفاقهم، وذمهم وطردهم، وإبعادهم لما علم من مكرهم وخداعهم إذا خرجوا إلى الغزوات.
الإعراب
{يَا أَيُّهَا} {يَا} حرف نداء {أَيُّ} منادى نكرة مقصودة، و {الهاء} حرف تنبيه زائد، تعويضًا عمَّا فات {أَيُّ} من الإضافة {النَّبِيُّ} صفة لـ {أَيُّ} وجملة
(1) المراغي.
(2)
الشوكاني.
(3)
البحر المحيط.
(4)
الخازن.
النداء مستأنفة {جَاهِدِ الْكُفَّار} فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على محمَّد، والجملة جواب للنداء، لا محل لها من الإعراب، {وَالْمُنَافِقِينَ} معطوف على {الْكُفَّار} {وَاغْلُظْ} فعل أمر {عَلَيْهِمْ} متعلق به، وفاعله ضمير يعود على محمَّد، والجملة معطوفة على جملة {جَاهِدِ} {وَمَآواهُم} مبتدأ، ومضاف إليه {جَهَنَّمُ} خبره، والجملة مستأنفة، مسوقة لبيان مآل أمرهم بعد بيان عاجله، كما ذكره أبو السعود. {وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} فعل وفاعل، والجملة خبر عن المخصوص بالذم المحذوف وجوبًا تقديره: وبئس المصير هي.
{يَحْلِفُونَ} فعل وفاعل {بِاللَّه} متعلق به، والجملة مستأنفة مسوقة لبيان ما صدر عنهم، من الجرائم الموجبة للأمر بجهادهم، والغلظة عليهم، كما ذكره أبو السعود {مَا} نافية {قَالُوا} فعل وفاعل، والجملة في محل النصب مقول لقول محذوف، تقديره: يحلفون بقولهم: والله ما قالوا {وَلَقَدْ} {الواو} استئنافية {اللام} موطئة لقسم محذوف {قَد} حرف تحقيق {قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ} فعل وفاعل ومفعول، والجملة جواب القسم، لا محل لها من الإعراب، وجملة القسم المحذوف مستأنفة مسوقة لبيان حالهم. {وَكَفَرُوا}: فعل وفاعل {بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ} متعلق به، والجملة معطوفة على جملة {قَالُوا} {وَهَمُّوا} فعل وفاعل معطوف على قالوا أيضًا {بِمَا} جار ومجرور متعلق به {لَمْ يَنَالُوا} جازم وفعل وفاعل والجملة صلة و {ما}: أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره: بما لم ينالوه.
{وَمَا} {الواو} : استئنافية {ما} نافية {نَقَمُوا} فعل وفاعل، والجملة مستأنفة {إِلَّا} أداة استثناء مفرغ {أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ} ناصب وفعل ومفعول وفاعل {وَرَسُولُهُ} معطوفة على لفظ الجلالة {مِنْ فَضْلِهِ} متعلق به، والجملة في تأويل مصدر منصوب على المفعولية لـ {نَقَمُوا} تقديره: وما نقموا إلا إغناء الله ورسوله
إياهم من فضله {فَإِنْ} : {الفاء} فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفت حالهم المذكور، وأردت بيان عاقبة أمرهم .. فأقول لك {إِنْ}: حرف شرط {يَتُوبُوا} فعل وفعل مجزوم بـ {أن} على كونه فعل شرط لها {يَكُ} : فعل مضارع مجزوم بـ {إن} على كونه جوابًا لها، وعلامة جزمه سكون النون المحذوفة للتخفيف، واسمها ضمير مستتر فيه، يعود على التوب المفهوم مما قبله، تقديره: هو {خَيْرًا} : خبرها منصوب {لَهُمْ} : متعلق بخيرًا، وجملة {إن} الشرطية في محل النصب، مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة.
{وَإِنْ} {الواو} : عاطفة {إن} : حرف شرط {يَتَوَلَّوْا} : فعل وفاعل مجزوم بـ {إِنْ} : على كونه فعل شرط لها {يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ} فعل ومفعول وفاعل مجزوم بـ {إن} الشرطية على كونه جواب شرط لها، وجملة {إن}: الشرطية في محل النصب معطوفة على جملة قوله: {فَإِنْ يَتُوبُوا} على كونها مقولًا لجواب إذا المقدرة {عَذَابًا} : منصوب على المفعولية المطلقة، أو مفعول ثان {أَلِيمًا}: صفة له {فِي الدُّنْيَا} : متعلق بـ {عَذَابًا} {وَالْآخِرَةِ} : معطوف عليه {وَمَا} : {الواو} حالية {ما} : نافية {لَهُم} جار ومجرور، خبر مقدم لـ {ما} {فِي الْأَرْضِ} حال من الضمير المستكن في الخبر {مِنْ وَلِيٍّ}: اسم {ما} مؤخر {مِنْ} : زائدة {وَلَا نَصِيرٍ} معطوف عليه، والتقدير: وما ولي ولا نصير كائنًا هو لهم، حالة كونه في الأرض، وجملة {ما} في محل النصب، حال من هاء {يُعَذِّبْهُمُ} والتقدير: يعذبهم الله عذابًا أليمًا، حالة كونهم عادمي ولي ونصير في الأرض.
{وَمِنْهُمْ} {الواو} : استئنافية، أو عاطفة، كما تقدم نظيرها {منهم}: جار
ومجرور خبر مقدم {مَنْ} اسم موصول في محل الرفع مبتدأ مؤخر، والجملة مستأنفة، أو معطوفة {عَاهَدَ اللَّهَ} فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على {مَنْ} والجملة صلة الموصول، وفيه معنى القسم؛ لأنه بمعنى أقسم بالله. وقال في قسمه {لَئِنْ}: و {اللام} موطئة للقسم {إن} حرف شرط {آتَانَا} : فعل ومفعول أول في محل الجزم بـ {إن} على كونه فعل شرط لها، والمفعول الثاني محذوف، تقديره: مالًا {مِنْ فَضْلِهِ} : متعلق به وفاعله ضمير يعود على {اللَّهَ} وجواب {إن} الشرطية، محذوف لدلالة جواب القسم عليه تقديره: إن آتانا من فضله، نتصدق، ونكون من الصالحين، وجملة {إن} الشرطية في محل النصب، مقول لـ {قال} المقدر، كما مر آنفًا {لَنَصَّدَّقَنَّ} {اللام} موطئة للقسم، وكررت لتدل على أنَّ ما بعدها جواب القسم، لا جواب الشرط {نَصَّدَّقَنَّ}: فعل مضارع في محل الرفع لتجرده عن الناصب والجازم، مبني على الفتح، لاتصاله بنون التوكيد، وفاعله ضمير يعود على {المنافقين} والجملة جواب القسم. لا جواب الشرط، وقد اجتمع هنا قسم وشرط، فالمذكور وهو قوله: لنصدقن
…
إلخ، جواب القسم وجواب الشرط محذوف كما قدرناه آنفًا على حد قول ابن مالك:
وَاحْذِفْ لَدَى اجْتِمَاعِ شَرْطٍ وَقَسَمْ
…
جَوَابَ مَا أَخَّرْتَ فَهْوَ مُلْتَزَم
وفي الكرخي قوله: {وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ} فيه معنى القسم: فلذلك أجيب بقوله: {لَنَصَّدَّقَنَّ} وحذف جواب الشرط لدلالة هذا الجواب عليه، و {اللام}: للتوطئة، ولا يمتنع الجمع بين القسم واللام الموطئة له اهـ. {وَلَنَكُونَنّ}:{الواو} عاطفة و {اللام} موطئة للقسم {نكونن} فعل مضارع ناقص: في محل الرفع مبني على الفتح، واسمها ضمير يعود على {المنافقين} {مِنَ الصَّالِحِينَ}: خبرها، والجملة معطوفة على {لَنَصَّدَّقَنَّ} على كونها جواب القسم.
{فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ} .
{فَلَمَّا} {الفاء} فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفت قسمهم هذا، وأردت بيان عاقبته .. فأقول لك {لما}: حرف
شرط غير جازم {آتَاهُمْ} فعل ومفعول أول، وفاعله ضمير يعود على {الله} {مِنْ فَضْلِهِ} متعلق به، والمفعول الثاني محذوف تقديره: فلمَّا آتاهم مالًا من فضله، والجملة الفعلية فعل شرط لـ {لمَّا} لا محلَّ لها من الإعراب {بَخِلُوا} فعل وفاعل {به} متعلق به، والجملة جواب {لِمَا} لا محل لها من الإعراب {وَتَوَلَّوْا} فعل وفاعل معطوف على {بَخِلُوا} {وَهُمْ مُعْرِضُونَ} مبتدأ وخبر، الجملة في محل النصب حال من فاعل {تولوا} وجملة {لما} من فعل شرطها وجوابها مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة.
{فَأَعْقَبَهُمْ} {الفاء} حرف عطف وتفريع {أعقبهم نفاقًا} فعل ومفعولان، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة معطوفة على جملة {بخلوا} {فِي قُلُوبِهِمْ} جار ومجرور صفة لـ {نِفَاقًا} . {إِلَى يَوْمِ} جار ومجرور، متعلق بـ {أعقبهم} أو صفة ثانية لـ {نِفَاقًا}؛ أي: نفاقًا مستمرًا إلى يوم يلقون {يَلْقَوْنَهُ} فعل وفاعل، ومفعول: والجملة في محل الجر مضاف إليه لـ {يَوْمِ} {بِمَا} {الباء} : حرف جر وسبب {مَا} مصدرية {أَخْلَفُوا اللَّهَ} : فعل وفاعل ومفعول أول {مَا} موصولة أو موصوفة في حل النصب مفعول ثان لـ {أخْلَفُوا} {وَعَدُوهُ} فعل وفاعل ومفعول، صلة لـ {مَا} أو صفة لها، وجملة {أَخْلَفُوا} صلة {مَا} المصدرية {مَا} مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بالباء، تقديره: بسبب إخلافهم الله فيما وعدوه {وَبِمَا} {الواو} : عاطفة {الباء} : حرف جر و {مَا} : مصدرية {كَانُوا} فعل ناقص واسمه، وجملة {يَكْذِبُونَ}: خبرها، وجملة {كان} صلة {مَا} المصدرية {مَا} مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بالباء، تقديره: وبتكذيبهم الله ورسوله، الجار والمجرور معطوف على الجار والمجرور في قوله: بما أخلفوا الله.
{أَلَمْ} {الهمزة} : للاستفهام التوبيخي المضمَّن معنى الإنكار {لم} حرف
جزم {يَعْلَمُوا} : فعل وفاعل مجزوم بـ {لم} والجملة جملة إنشائية، لا محل لها من الإعراب {أَنَّ اللَّهَ}: ناصب واسمه {يَعْلَمُ سِرَّهُمْ} فعل ومفعول به؛ لأنه علم بمعنى عرف {وَنَجْوَاهُمْ} معطوف عليه، وفاعله ضمير يعود على {اللَّهَ} وجملة يعلم في محل الرفع خبر {أَنَّ} وجملة {أَنَّ} في تأويل مصدر منصوب على المفعولية لعلم؛ لأنه بمعنى عرف تقديره: ألم يعلموا علم الله سبحانه وتعالى سرهم ونجواهم {وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ} ناصب واسمه، وخبره والجملة معطوفة علي جملة {أَنَّ} الأولى، تقديره: وكون الله تعالى علام الغيوب.
{الَّذِينَ} : مبتدأ {يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ} : فعل وفاعل ومفعول، والجملة صلة الموصول {مِنَ اَلمُؤمِنِينَ} حال من الضمير في المطوعين {فِي الصَّدَقَاتِ} متعلق بـ {يَلْمِزُونَ} {وَالَّذِينَ} في محل النصب، معطوف على {الْمُطَّوِّعِينَ} {لَا يَجِدُونَ} فعل وفاعل صلة الموصول {إِلَّا} أداة استثناء مفرغ {جُهْدَهُمْ} مفعول به، ومضاف إليه {فَيَسْخَرُونَ} فعل وفاعل {مِنْهُمْ} متعلق به، والجملة معطوفة على جملة {يَلْمِزُونَ} على كونها صلة الموصول {سَخِرَ اللَّهُ} فعل وفاعل {مِنْهُمْ} متعلق به، والجملة في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة {وَلَهُمْ} خبر مقدم {عَذَابٌ} مبتدأ مؤخر {أَلِيمٌ} صفة له، والجملة الاسمية في محل الرفع، معطوفة على جملة {سَخِرَ اللَّهُ} على كونها خبر المبتدأ.
{اسْتَغْفِرْ} فعل أمر {لَهُمْ} متعلق به، وفاعله ضمير يعود على محمَّد، والجملة مستأنفة {أَوْ} حرف عطف {لَا} ناهية {تَسْتَغْفِرْ} فعل مضارع مجزوم بـ {لَا} الناهية، وفاعله ضمير يعود على محمَّد، والجملة معطوفة على جملة {اسْتَغْفِرْ} {لَهُمْ} متعلق به {إن} حرف شرط {تَسْتَغْفِرْ}: فعل مضارع مجزوم
بـ {إن} وفاعله ضمير يعود على محمد {لَهُمْ} متعلق به {سَبْعِينَ} : منصوب على المصدرية؛ لأنه صفة لمصدر محذوف، تقديره: استغفارًا سبعين {مَرَّةً} منصوب على التمييز {فَلَن} {الفاء} : رابطة لجواب {إِنْ} الشرطية وجوبًا {لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ} فعل وفاعل، منصوب بـ {لَنْ} {لَهُمْ}: متعلق به، والجملة الفعلية في محل الجزم بـ {إن} الشرطية على كونها جوابًا لها، وجملة {إن} الشرطية مستأنفة {ذَلِكَ} مبتدأ {بِأَنَّهُمْ} {الباء} حرف جر وسبب {أن} حرف نصب و {الهاء} اسمها {كَفَرُوا} فعل وفاعل {بِاللَّهِ} متعلق به {وَرَسُولِهِ}: معطوف على الجلالة وجملة {كَفَرُوا} في محل الرفع خبر {أن} وجملة {أن} في تأويل مصدر مجرور بالباء، تقديره: بسبب كفرهم باللهِ {وَرَسُولِهِ} الجار والمجرور خبر المبتدأ، تقديره: ذلك كائنٌ بسبب كفرهم بالله ورسوله، والجملة الاسمية مستأنفة {وَاللَّهُ} مبتدأ، وجملة {لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ}: خبره، والجملة الاسمية مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها.
{فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ} فعل وفاعل، والجملة مستأنفة {بِمَقْعَدِهِمْ}: متعلق به {خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ} ظرف بمعنى بعد، ومضاف إليه متعلق بـ {مَقْعَدِهِمْ} وقد تقدم لك في مبحث التفسير، ما يجري فيه، من أوجه الإعراب، استعجالًا للفائدة {وكَرِهُوا}: فعل وفاعل، معطوف على {فَرِحَ} {أنْ يُجَاهِدُوا}: فعل وفاعل، منصوب بـ {أَنْ} المصدرية {بِأَمْوَالِهِمْ}: متعلق به {وَأَنْفُسِهِمْ} : معطوف عليه {فِي سَبِيلِ اللَّهِ} : متعلق به أيضًا، والجملة الفعلية في تأويل مصدر، منصوب على المفعولية، تقديره: وكرهوا مجاهدتهم في سبيل الله، بأموالهم وأنفسهم.
{وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ} .
{وَقَالُوا} : فعل وفاعل، معطوف على {كَرِهُوا} {لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ} مقول محكي، وإن شئت قلت:{لَا} : ناهية جازمة، {تَنْفِرُوا}: فعل وفاعل، مجزوم بـ {لَا} الناهية {فِي الْحَرّ}: متعلق به، والجملة في محل النصب، مقول {قَالُوا}
{قُلْ} فعل أمر، وفاعله ضمير، يعود على محمَّد، والجملة مستأنفة {نَارُ جَهَنَّم} مبتدأ ومضاف إليه {أَشَدُّ} خبره {حَرًّا} تمييز محول عن المبتدأ، منصوب باسم التفضيل، والجملة الاسمية في محل النصب، مقول {قُلْ} {لَو} حرف شرط {كَانُوا} فعل ناقص، واسمه، وجملة {يَفْقَهُونَ} خبرها، وجملة {كَانُوا} فعل شرط لِـ {لَوْ} وجوابها محذوف، تقديره: لو كانوا يفقهون شدة حرارتها .. ما تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجملة {لَوْ} الشرطية معترضة بين جمل المقول، وفي "أبي السعود" قوله:{لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ} اعتراضٌ تذييليٌّ من جهته تعالى، غير داخل تحت القول المأمور به، مؤكِّدٌ لمضمونه اهـ.
{فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} .
{فَلْيَضْحَكُوا} {الفاء} : حرف عطف وتفريغ و {اللام} : لام الأمر، مبنية على السكون، لاتصالها بالفاء {يضحكوا} فعل وفاعل، مجزوم بلام الأمر {قَلِيلًا} منصوب على المصدرية؛ لأنه صفة لمصدر محذوف، تقديره ضحكًا قليلًا، والجملة في محل النصب، معطوفة على جملة قوله:{نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا} على كونها مَقُولًا لـ {قُلْ} {ولْيَبْكُوا كَثِيرًا} فعل وفاعل ومفعول مطلق، مجزوم بـ {لام} الأمر معطوف على {فَلْيَضْحَكُوا} {جَزَاءً}: مفعول لأجله؛ أي: بسبب الأمر بقلة الضحك وكثرة البكاء، جزاؤهم بعملهم، أو منصوب على المصدرية، بفعل مقدر، تقديره: يجزون، ذلك جزاء {بِمَا} {الباء} حرف جر وسبب {ما} موصولة، أو موصوفة في محل الجر بالباء، الجار والمجرور صفة لـ {جَزَاءً} أو متعلق به، لتعديته به {كَانُوا} فعل ناقص واسمه، وجملة {يَكْسِبُون} خبره وجملة {كَانُ} صلة لـ {مَا} أو صفة لها.
{فَإِنْ} {الفاء} لتفريع ما بعدها على ما قبلها؛ أي: على ما سرد من أمرهم، كذا قالوا، أو {الفاء} فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شوط مقدر، تقديره: إذا عرفت حالهم المذكور فيما سبق، وأردت بيان شأنك فيهم
…
فأقول لك {إن} حرف شرط {رَجَعَكَ اللَّهُ} فعل ومفعول وفاعل في محل الجزم بـ {إن} على كونه فعل شرط لها، {إِلَى طَائِفَةٍ} متعلق به {مِنْهُمْ} صفة لـ {طَائِفَة} {فَاسْتَأْذَنُوكَ} {الفاء}: عاطفة {اسْتَأْذَنُوكَ} فعل وفاعل ومفعول، معطوف على {رَجَعَكَ} {لِلْخُرُوجِ} متعلق به {فَقُلْ}:{الفاء} : رابطة لجواب {إِنْ} الشرطية وجوبًا {قُلْ} فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمَّد، والجملة في محل الجزم بـ {إن} الشرطية، على كونها جوابًا لها، وجملة {إن} الشرطية في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذ المقدرة مستأنفة استئنافًا بيانيًّا {لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أبدًا}: إلى آخر الآية، مقول محكي لـ {قُلْ} وإن شئت قلت:{لَنْ تَخْرُجُوا} فعل وفاعل منصوب بـ {لَنْ} {مَعِيَ} متعلق به {أَبَدًا} منصوب على الظرفية متعلق به - والجملة في محل النصب، مقول {قُلْ} {وَلَنْ} {الواو} عاطفة {لَنْ تُقَاتِلُوا}: فعل وفاعل منصوب بـ {لَنْ} معطوف على {لَنْ تَخْرُجُوا} {مَعِيَ} متعلق به {عَدُوًّا} مفعول به {إِنَّكُمْ} ناصب واسمه {رَضِيتُمْ} فعل وفاعل {بِالْقُعُودِ} متعلق به {أوَّلَ مرَّةٍ} ظرف متعلق {بِالقُعُودِ} والجملة الفعلية في محل الرفع خبر {إنّ} وجملة {إن} في محل النصب مقول {قل} مسوقة لتعليل ما قبلها {فَاقْعُدُوا} {الفاء} حرف عطف وتفريع {اقْعُدُوا} فعل وفاعل {مَعَ الْخَالِفِينَ} ظرف ومضاف إليه، متعلق بـ {اقْعُدُوا} أو حال من فاعل {اقْعُدُوا} والجملة في محل الرفع، معطوفة مفرعة على جملة {رَضِيتُم} والله أعلم.
التصريف ومفردات اللغة
{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ} جاهد، من باب فاعل الرباعي فيه معنى المشاركة. يقال: جاهد يجاهد جهادًا ومجاهدة، والجهاد والمجاهدة: استفراغ الجهد والوسع في مدافعة العدو، وهو ثلاثة أضرب: مجاهدة العدو الظاهر، مجاهدة الشيطان، مجاهدة النفس والهوى، ويشير إلى هذه كلها قوله تعالى:{وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ} ، {وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} وقال صلى الله عليه وسلم "جاهدوا أهواءكم كما تجاهدون أعداءكم"، وقال: "جاهدوا الكفار
بأيديكم وألسنتكم" والجهاد باللسان، إقامة الحجة والبرهان، كما مر والجهاد باليد: الجهاد بالسيف، وبكل الوسائل الحربية {وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ} من الغلظة، وهي الخشونة، والشدة في المعاملة، وهي ضد اللين {وَمَا نَقَمُوا} نقم منه الشيء إذا أنكره وعابه عليه، من باب ضرب {لَنَصَّدَّقَنَّ} فيه إدغام التاء في الأصل في الصاد، أصله لنتصدقن من باب تفعل الخماسي، فقلبت التاء صادًا، فأدغمت الصاد في الصاد، فصار لنصَّدَّقن بتشديد الصاد، والدال.
{فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا} يقال: أعقبت فلانًا ندامةً، إذا صيرت عاقبة أمره نادمة وحسرة وخسارة.
{الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ} وفي "المصباح" لمزه لمزًا من باب ضرب إذا عابه، وقرأ بها السبعة ومن باب قتل لغة، وأصله الإشارة بالعين ونحوها، كما مر المطَّوِّعين بتشديد الطاء والواو، جمع المطوع بمعنى: المتبرع بغير ما وجب عليه، فأصله المتطوعين؛ لأنه اسم فاعل من تطوع الخماسي، فقلبت التاء طاء، وأدغمت الطاء في الطاء، فصار المطوعين بتشديد الطاء {فِي الصَّدَقَاتِ} جمع الصدقة، {إِلَّا جُهْدَهُمْ} والجهد: بالضم والفتح، الطاقة وهي: أقصى ما يستطيعه الإنسان، وقال القرطبي: الجهد الشيء اليسير الذي يعيش به المقل {فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ} ؛ أي: يستهزئون منهم، احتقارًا وفي "المصباح" سخرت منه سخرًا، من باب تعب، هزئت به، والسِّخريُّ، بالكسر اسم منه، والسُّخريُّ بالضم، لغة فيه، والسخرة وزان غرفة ما سخرت من خادم أو جارية أو دابة، بلا أجرٍ ولا ثمنٍ، والسخري بالضم، بمعناه، وسخرته في العمل، بالتثقيل استعملته مجانًّا وسخر الله الإبل، ذللها وسهلها اهـ وفيه أيضًا هزئت به أهزأ. مهموز من باب تعب، وفي لغة من باب نفع، سخرت منه اهـ {فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ} جمع مخلف، اسم مفعول من خلف، كما مر، والفاعل الكسل؛ أي: الذين خلفهم، وأقعدهم الكسل، والفرح: الشعور بارتياح النفس وسرورها.
{بِمَقْعَدِهِمْ} ؛ أي: بقعودهم. يقال: قعد قعودًا ومقعدًا، إذا جلس وأقعده غيره، ذكر معناه الجوهري، {خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ} والخلاف والمخالفة بمعنى،
ويستعمل خلافه بمعنى بعده، يقال: جلست خلاف فلان، وخلفه؛ أي: بعده، ومنه {وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا} .
{فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ} ؛ أي: ردك (1) الله، خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم بعدم جمعهم معه في مشاهد الخير بعد ذلك، ويؤخذ من ذلك: أن أهل الفسوق والعصيان لا يرافقون ولا يشاورون.
ورجع: إما لازم، فبابه جلس، ومصدره الرجوع، وإما متعد، وبابه قطع، ومصدره المرجع، كالرد، كما في "المختار" وفي "الكرخي" ومعنى الرجع تصيير الشيء إلى المكان الذي كان فيه، يقال: رجعته رجعا كقولك رددته ردًّا. اهـ.
{أَوَّلَ مَرَّةٍ} وهي (2) الخرجة إلى غزوة تبوك، ومرة مصدر، كأنه قيل أول خرجه دعيتم إليها، لأنها لم تكن أول خرجه خرجها الرسول صلى الله عليه وسلم للغزاة، فلا بد من تقييدها، إذ الأولية تقتضي السبق، وقيل: التقدير: أول خرجه خرجها الرسول لغزوة الروم بنفسه، وقيل: أول مرة قبل الاستئذان.
{فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ} ؛ أي: أقيموا وليس أمرًا بالقعود الذي هو نظير الجلوس، وإنما المراد منعهم من الخروج معه، قال أبو عبيدة: الخالف، الذي خلف بعد خارج، فقعد في رحله، وهو الذي يستخلف عن القوم، وقيل: المخالفين، المخالفين، من قولهم: عبد خالف؛ أي: مخالف لمولاه، وقيل: الأخساء الأدنياء، من قولهم: فلان خالفة قومه، لأخسِّم وأرذلهم.
ودلت هذه الآية على توقي صحبة من يظهر منه مكرٌ وخداع وكيد، وقطع العلاقة معه، والاحتراز منه، وقال قتادة: ذكر لنا أنهم كانوا اثثي عشر رجلًا.
البلاغة
وقد تضمنت هذه الآية أنواعًا من البلاغة والفصاحة والبيان والبديع:
فمنهما: تأكيد المدح بما يشبه الذم في قوله: {وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ
(1) الصاوي.
(2)
البحر المحيط.
وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِه} كأنه قال: ليس له صفة تكره وتعاب إلا أنه ترتب على قدومه إليهم هجرته عندهم إغناء الله إياهم بعد شدة الحاجة، وهذه ليست صفة ذم، فحينئذٍ ليست له صفة تُذم أصلًا، وهو من باب قول النابغة:
وَلَا عَيْبَ فِيْهِمْ غير أنَّ سيُوْفَهُمْ
…
بِهنَّ فُلُوْلٌ مِنْ قِرَاعِ الْكَتَائِبِ
ومن باب قول الآخر:
مَا نَقَمُوْا مِنْ بَنِيْ أُمَيَّةَ إِلَّا
…
أَنَّهُمْ يَحْلَمُوْنَ إِنْ غَضِبُوْا
وَأنَّهُمْ سَادَةُ الْمُلُوْكِ وَلَا
…
يَصْلُحُ إِلَّا عَلَيْهِمُ الْعَرَبُ
وفي "البحر" قوله: {وَمَا نَقَمُوا} الجملة كلام أجري مجرى التهكم به، كما تقول: ما لي عندك ذنب، إلا أني أحسنت إليك، فإن فعلهم يدل على أنهم كانوا لِئامًا.
ومنها: اللف (1) والنشر المرتب في قوله: {فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا} فقوله: {بَخِلُوا بِهِ} راجع لقوله: {لَنَصَّدَّقَنَّ} وقوله: {وَتَوَلَّوْا} راجع لقوله: {وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ} .
ومنها: المقابلة في قوله: {فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ} وفي قوله: {فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا} وهي من المحسنات البديعية.
ومنها: جناس الاشتقاق بين يعلم وعلام في قوله: {أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ} .
ومنها: أن التنوين في قوله: {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} للتهويل والتفخيم.
ومنها: طباق السلب في قوله: {اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ} .
ومنها: المقابلة (2) المعنوية بين قوله: {فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ} ، وقوله:{وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا} لأن الفرح من ثمرات المحبة.
(1) الفتوحات.
(2)
البحر المحيط.
ومنها: الجناس المغاير في قوله: {يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا} .
ومنها: التكرار في قوله: {لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ} وقوله: {فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ} .
ومنها: الاستعارة التصريحية التبعية في قوله: {يَلْمِزُونَ} ؛ لأن اللمز حقيقة في الإشارة بالعين ونحوها، ثم استعير للتعييب والتغيير.
ومنها: الجناس المماثل في قوله: {فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ} وفيه أيضًا من المحسنات البديعية المشاكلة.
ومنها: الاعتراض التذييلي في قوله: {لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ} ؛ لأنه كلام معترض من جهته تعالى، غير داخل تحت القول المأمور به، مؤكدٌ لمضمونه، كما في "أبي السعود".
ومنها: التعريض (1) بالمؤمنين بتحملهم المشاق العظيمة، في قوله:{وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ} ؛ أي: كرهوا أن يجاهدوا كالمؤمنين الذين بذلوا أموالهم وأنفسهم في الجهاد في سبيل الله، وآثروا ذلك على الدعة والخفض، وكره ذلك المنافقون.
ومنها: الزيادة والحذف في عدَّة مواضع.
والله سبحانه وتعالى أعلم
* * *
(1) البحر المحيط.
قال الله سبحانه جلَّ وعلا:
المناسبة
قوله تعالى: {وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا
…
} مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله سبحانه وتعالى لما (1) أمر رسوله فيما سبق، بإهانة المنافقين، وإذلالهم بمنعهم من الخروج معه إلى الغزوات .. أردف ذلك بذكر إهانة أخرى لهم، وهي منع الرسول أن يصلي على من مات منهم بعد إعلامه بحقيقة أمرهم، وفي مقدمتهم زعيمهم الأكبر عبد الله بن أبي والاثنا عشر الذين أرادوا اغتيال الرسول صلى الله عليه وسلم.
قوله: {وَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ
…
} الآية، مناسبة
(1) المراغي.
هذه الآية لما قبلها: أن الله سبحانه وتعالى لما بيَّن أنَّ المنافقين عملوا الحيل، والتمسوا المعاذير للتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والقعود عن الغزو .. أردف ذلك بأن أبان أنه إذا أنزلت سورة فيها أمر بالإيمان والجهاد مع الرسول صلى الله عليه وسلم .. استأذن أولو الثروة والقدرة منهم في التخلف عن الغزو، وقالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: دعنا نكن مع الضعفاء والزَّمنى العاجزين عن القتال.
قوله تعالى: {لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى
…
} الآيات، مناسبة هذه الآيات لمَّا قبلها: أنَّ أنه سبحانه تعالى لمَّا ذكر فيما سبق المعذورين، والذين كذبوا الله ورسوله، وذكر وعيدهم على سوء صنيعهم. أردف ذلك بذكر أصنافٍ ثلاثةٍ، أعذارها مقبولةٌ، ثم أردف هذا بذكر شر الأعذار، وهو استئذان الأغنياء.
أسباب النزول
قوله تعالى: {وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا
…
} سبب نزوله: ما روي عن ابن عمر، قال لما توفي عبد الله بن أبي بن سلول .. جاء ابنه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسأله أن يعطيه قميصه يكفن فيه إياه فأعطاه، ثم سأله أن يصلي عليه، فقام ليصلي، فقام عمر بن الخطاب، فأخذ بثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: يا رسول الله، أتصلي عليه، وقد نهاك ربك، أن تصلي على المنافقين؟ قال: "إنما قد خيرني الله، فقال:{اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً} . فقال عمر: إنه منافق فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله:{وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ} فترك الصلاة عليهم، وروي ذلك من حديث عمر وأنس وجابر وغيرهم.
قوله تعالى: {لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ
…
} الآية؛ سبب نزولها: ما أخرجه ابن أبي حاتم عن زيد بن ثابت قال: كنت أكتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فكنت أكتب براءة، فإني لواضع القلم على أذني، إذا أمرنا بالقتال، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر ما ينزل عليه، إذ جاءه أعمى، فقال: كيف بي يا رسول الله، وأنا أعمى؟ فنزلت {لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ
…
} الآية، وأخرج عن طريق العوفي عن ابن عباس، قال: