الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
والحال أنهم ما أمروا على لسان موسى وعيسى، ومن اتبعهما فيما جاء به من عند الله إلا أن يعبدوا ويطيعوا في الدين إلهًا واحدًا، بما شرعه لهم، وهو ربهم ورب كل شيء ومليكه، ثم علل الأمر بعبادة إله واحد فقال:{لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ} وهذه الجملة صفة لـ {إِلَهًا} ؛ أي: لا معبود بحق في الوجود غيره تعالى في حكم الشرع ولا في نظر العقل، وإنما اتخذ المشركون آلهة من دونه بالرأي والهوى، جهلًا بصفات الألوهية، إذ ظنوا أن لبعض المخلوقات سلطانًا غيبيًّا، وقدرة على الضر والنفع، من غير طريق الأسباب المسخرة للخلق مثل ما لله، إما بالذات، وإما بالوساطة والشفاعة لديه.
{سُبْحَانَهُ} ؛ أي: تنزَّه وتمجَّد اللَّه له تعالى {عَمَّا يُشْرِكُونَ} ؛ أي: عن شركهم في ألوهيته بدعاء غيره معه أو من دونه، وفي ربوبيته بطاعة الرؤساء في التشريع الديني بدون إذنه.
32
- {يُرِيدُونَ} ؛ أي: يريد رؤساء اليهود والنصارى {أَنْ يُطْفِئُوا} ويخمدوا {نُورَ اللَّهِ} ؛ أي: دين الله الذي هو دين الإسلام {بِأَفْوَاهِهِمْ} ؛ أي: بتكذيبهم وألسنتهم يعني (1) يريد هؤلاء إبطال دين الله الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، بتكذيبهم إياه، وقيل المراد من النور: الدلائل الدالة على صحة نبوته صلى الله عليه وسلم، وهي أمور:
أحدها: المعجزات الباهرات الخارقة للعادة التي ظهرت على يد النبي صلى الله عليه وسلم، الدالة على صدقه.
وثانيها: القرآن العظيم الذي نزل عليه من عند الله فهو معجزة له باقية على الأبد دالة على صدقه.
وثالثها: أن دينه الذي أمر به، وهو دين الإسلام، ليس فيه شيء سوى تعظيم الله، والثناء عليه، والانقياد لأمره، ونهيه واتباع طاعته، والأمر بعبادته والتبري من كل معبود سواه، فهذه أمور نيرة، ودلائل واضحة، في صحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، فمن أراد إبطال ذلك بكذب وتزوير .. فقد خاب سعيه وبطل عمله.
(1) الخازن.
وهذه الجملة تمثيل (1) لحالهم في محاولة إبطال دين الحق ونبوة نبي الصدق، بحال من يريد أن ينفخ في نور عظيم، قد أنارت به الدنيا، وانقشعت به الظلمة، ليطفئه ويذهب أضواءه، ثم إن الله سبحانه وتعالى وعد نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم بمزيد النصر، وإعلاء الكلمة، وإظهار الدين بقوله:{وَيَأْبَى اللَّهُ} سبحانه وتعالى ويمتنع، ولا يريد كل شيء {إِلَّا أَنْ يُتِمَّ} ويظهر {نُورَهُ} ويعلي كلمته، ويتم الحق، الذي بعث به رسوله محمدًا صلى الله عليه وسلم.
وخلاصة ما سلف (2): أنهم يريدون أن يطفؤوا نور الله الذي شرعه لهداية عباده، وركنه الركين، وأساسه المتين: توحيد الربوبية والألهية، فتحولوا عنه إلى الشرك والوثنية، والله لا يريد إلا أن يتم هذا النور الذي هو كنور القمر، فيجعله بدرًا كاملًا يعم نوره الأرض كلها.
وجواب لو في قوله: {وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} محذوف (3) تقديره: ولو كره الكافرون تمام نوره .. لأتمه ولم يبال بكراهتهم، وجملة لو معطوفة على (4) مقدر، تقديره: ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو لم يكره الكافرون ذلك، وحتى لو كرهوا، كما سيأتي في مبحث الإعراب إن شاء الله تعالى.
والمعنى (5): ويأبى الله إلا أن يتم نوره، ولو كره الكافرون بعد تمامه، كما كانوا يكرهونه من قبل، حين بدء ظهوره، فهم يكيدون له ويفترون عليه، ويطعنون فيه وفيمن جاء به، ويحاولون إخفاءه، أما اليهود .. فكانوا في أول الإسلام أشد الناس عداوةً لأهله، فهم في ذلك كمشركي العرب سواء.
ولما عجزوا عن إطفاء نوره بمساعدة المشركين على النبي صلى الله عليه وسلم، قصدوا إطفاء نوره ببث البدع فيه، وتفريق كلمة أهله، كما فعل عبد الله بن سبأ من ابتداع التشيع لعليٍّ كرم الله وجهه والغلو في ذلك وإلقاء الشقاق بين المسلمين، ثم في
(1) الشوكاني.
(2)
المراغي.
(3)
المراح.
(4)
الشوكاني.
(5)
المراغي.