الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أشرف الفواكه وأحسنها، ولما فيهما من الغذاء والتفكه. {تَجْرِي} وتطرد {مِنْ تَحْتِهَا}؛ أي: من تحت أشجارها ومساكنها {الْأَنْهَارُ} والسواقي، فإن جري الأنهار فيها من تمام حسنها، وسبب لزيادة ثمرها {لَهُ}؛ أي: لذلك الأحد {فِيهَا} ؛ أي: في تلك الجنة {مِنْ كُلِّ} أنواع {الثَّمَرَاتِ} والفواكه؛ لأن ذلك من تمام كمال البستان وحسنه {و} الحال أنه قد {أصابه} ؛ أي: أصاب ذلك الأحد {الْكِبَرُ} ، أي: كبر المن، فلا يقدر على الكسب {و} الحال أن {له ذرية ضعفاء} ، وقرىء شذوذًا ضعاف، وكلاهما جمع ضعيف كظريف وظرفاء وظراف؛ أي: أولاد صغار لا يقدرون على الكسب بسبب الضعف والصغر. {فَأَصَابَهَا} ؛ أي: أصاب تلك الجنة {إِعْصَارٌ} ؛ أي: ريح شديدة مرتفعة إلى السماء، تستدير في الأرض كأنها عمود، لها صوت شديد {فِيهِ}؛ أي: في ذلك الأعصار {نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ} تلك الجنة بذلك الإعصار، ففقدها أحوج ما كان إليها عند كبر السن، وكثرة العيال، وطفولة الأولاد، فبقي هو وأولاده عجزة متحيرين، لا يقدرون على حيلة، كذلك يبطل الله عمل المرائي والمنافق؛ حيث لا توبة لهما، ولا إقالة من ذنوبهما.
والمقصود من هذا المثل: بيان أنه يحصل في قلب هذا الإنسان من الغم والحسرة والحيرة ما لا يعلمه إلا الله، فكذلك من أتى بالأعمال الحسنة، إلا أنه لا يقصد بها وجه الله، بل يقرن بها أمورًا تخرجها عن كونها موجبة للثواب، فحين يقدم يوم القيامة، وهو حينئذٍ في غاية الحاجة ونهاية العجز عن الاكتساب .. عظمت حسرته، وتناهت حيرته. {كَذَلِكَ}؛ أي: كما بين الله تعالى لكم أمر النفقةِ المقبولة وغير المقبولة {يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ} ؛ أي: الدلائل في سائر أمور الدين {لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ} ؛ أي: لكي تتفكروا في أمثال
267
- القرآن، وتفهموها وتنزلوها على المعاني المرادة منها، وتتعظوا بها. {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} بما جاء به محمَّد صلى الله عليه وآله وسلم {أَنْفِقُوا}؛ أي: زكوا {مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ} ؛ أي: من جياد وخيار ما جمعتم من الذهب والفضة وعروض التجارة والمواشي. وقيل من حلالات ما كسبتم بالتجارة والصناعة. وفيه: دليل على إباحة الكسب وأنه ينقسم إلى: طيب وخبيث. {وَمِمَّا أَخْرَجْنَا
لَكُمْ}؛ أي: ومن طيبات ما أخرجنا لكم {مِنَ الْأَرْضِ} من الحبوب والثمار والمعادن والركاز، فحذف المضاف، لدلالة ما قبله عليه. {وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ}؛ أي: ولا تقصدوا الرديء من أموالكم للإنفاق منه. وقراءة الجمهور بفتح حرف المضارعة وتخفيف الياء، وقرأ البزّي عن ابن كثير بتشديد التاء لدى وصلها بما قبلها. وقرأ ابن مسعود شذوذًا:{ولا تأمموا} ، وهي لغة من أَمَمت؛ أي: قصدت. وقرأ أبو مسلم بن خباب شذوذًا أيضًا بضم الفوقية وكسر الميم، وحكى أبو عمرو: أن ابن مسعود شذوذًا أيضًا قرأ {تُئِمموا} بهمزة بعد المضمومة.
وفي الآية (1): الأمر بإنفاق الطيب، والنهي عن إنفاق الخبيث. وقد ذهب جماعة من السلف: إلى أن الآية في الصدقة المفروضة، وذهب آخرون: إلى أنها تعم صدقة الفرض والتطوع، وهو الظاهر. وتقديم الظرف في قوله:{مِنْهُ تُنْفِقُونَ} يفيد التخصيص؛ أي: لا تخصوا الخبيث بالإنفاق، والجملة في محل نصب حال؛ أي؛ لا تقصدوا المال الخبيث مخصصين الإنفاقَ به، قاصرين له عليه. {وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ}؛ أي: والحال أنكم لا تأخذونه في معاملتكم في وقت من الأوقات. وقيل معناه: ولستم بأخذيه لو وجد تمره يباع في السوق.
وقيل: إن قوله: {مِنْهُ تُنْفِقُونَ} على تقدير (2) الاستفهام الإنكاري، و {مِنْهُ}: متعلق بالفعل بعده، والمعنى: أمن الخبيث تنفقون في الزكاة، والحال أنكم لستم قابلي الخبيث إذا كان لكم حق على صاحبكم. {إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ}؛ أي: إلا بأن تساهلوا في الخبيث، وتتركوا بعض حقكم، كذلك لا يقبل الله الرديء منكم. وفي هذا دلالة على أن الفقراء شركاء رب المال، والشريك لا يأخذ الرديء من الجيد إلا بالتساهل.
وقال البراء (3) وابن عباس والضحاك وغيرهم: معنى هذا الكلام: ولستم
(1) الشوكاني.
(2)
مراح.
(3)
البحر المحيط.