المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

وإماتة، ولا أحد أظلم ممن يدعي ذلك، فأخبر الله تعالى: - تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن - جـ ٤

[محمد الأمين الهرري]

الفصل: وإماتة، ولا أحد أظلم ممن يدعي ذلك، فأخبر الله تعالى:

وإماتة، ولا أحد أظلم ممن يدعي ذلك، فأخبر الله تعالى: أن من كان بهذه الصفة من الظلم، لا يهديه الله إلى اتباع الحق، ومثل هذا محتوم عليه عدم الهداية، مختوم له بالكفر.

قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى

} مناسبة (1) هذه الآية لما قبلها في غاية الظهور؛ إذ كلاهما أتى بها دلالة على البعث المنسوب إلى الله تعالى في قول إبراهيم لنمروذ: {رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ} لكن المار على القرية أراه الله ذلك في نفسه، وفي حماره وإبراهيم عليه السلام أراه ذلك في غيره وقُدِّمت آية المار على آية إبراهيم عليه السلام، وإنْ كان إبراهيم عليه السلام مقدَّمًا في الزمان على المار؛ لأنه تعجب من الإحياء بعد الموت وإنْ كان تعجب اعتبار فأشبهَ الإنكار، وإنْ لم يكن إنكارًا .. فكان أقرب إلى قصة النمروذ وإبراهيم عليه السلام. وأما إن كان المار كافرًا: فظهرت المناسبة أقوى ظهور، وأما قصة لُبَّة - أي شدة سؤاله - إبراهيم عليه السلام فهي سؤال لإرائه كيفية الإحياء؛ ليشاهد عيانًا ما كان يعلمه بالقلب، وأخبر به نمروذ.

التفسير وأوجه القراءة

‌258

- {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ} ؛ أي: هل (2) انتهى إليك يا محمَّد خبر الذي خاصم إبراهيم في ربه وجادله؛ لأن {أَلَمْ تَرَ} كلمة يوقف بها المخاطب على تعجب منها، فالهمزة لإنكار النفي، ولتقرير المنفي، أي: هل انتهى إليك يا محمَّد خبر هذا الطاغوت كيف تصدَّى لإضلال الناس، وإخراجهم من النور إلى الظلمات الذي حاج، وخاصم إبراهيم عليه السلام في معارضة ربوبية ربه؟ والهاء في {رَبِّهِ} يرجع إلى {إِبْرَاهِيمَ} ، أو إلى {الَّذِي حَاجَّ} فهو ربهما. وقرأ علي بن أبي طالب شذوذًا:{ألم تَرْ} بسكون الراء، وهو من إجراء

(1) البحر المحيط.

(2)

الخازن.

ص: 35

الوصل مجرى الوقف، وهذا استشهاد (1) على ما ذُكر من أن الكفرة أولياؤهم الطاغوت، وتقرير له؛ كما أن ما بعده وهو قوله:{أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ} استشهاد على ولاية الله للمؤمنين، وتقرير لها. وإنما بدأ بهذا؛ لرعاية الاقتران بينه وبين مدلوله، ولأن فيما بعده تعدد، أو تفصيلًا. والذي حاج إبراهيم عليه السلام هو: نمروذ بن كوش بن كنعان بن سام بن نوح عليه السلام، وهو أول من وضع التاج على رأسه، وتجبر في الأرض، وادَّعى الربوبية، ملك زمانه، وصاحب النار والعوضة، وكان ابن زنا، وهو أول من صَلَب، وقطع الأيدي والأرجل. {أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ}؛ أي: طغى، وادَّعى الربوبية، فحاج إبراهيم عليه السلام؛ لأنْ أعطاه الله الملك؛ أي: إنَّ إِيتَاءَ المُلْك له حَمَلَه على البطر، وأورثه الكِبْر والعتو، فحاج لذلك. وقال الزمخشري (2): فإن قلتَ: كيف جاز أن يؤتي الله المُلْك الكافرَ؟

قلتُ: فيه قولان: آتاه ما غلب به وتسلط، من المال والخدم والاتباع، وأما التغليب والتسليط: فلا، وقيل: مَلَّكه امتحانًا لعباده. انتهى.

وقال مجاهد (3): مَلَك الأرض أربعة؛ مؤمنان وكافران، فأما المؤمنان: فسليمان بن داود، وذو القرنين. وأما الكافران: فنُمروذ، وبختنصرُ. واختلفوا في وقت هذه المحاجة.

فقيل: لما كَسَر إبراهيم الأصنام سجنه نمروذ، ثم أخرجه ليحرقه فقال له: مَنْ ربك الذي تدعونا إليه؟ قال إبراهيم: الذي يحيي ويميت. وقيل: كان هذا بعد إلقائه في النار، وخروجه منها سالمًا. وذلك أن الناس قحطوا على عهد نمروذ، وكان الناس يمتارون من عنده، فكان إذا أتاه الرجل في طلب الطعام .. سأله: مَن ربك؟ فإن قال: أنت، باع منه الطعام. فأتاه إبراهيم، فقال له: مَنْ

(1) الجمل.

(2)

البحر المحيط.

(3)

الخازن.

ص: 36

ربك؟ فقال له إبراهيم: ربي الذي يحيي ويميت؛ كما ذكره تعالى بقوله: {إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ} بفتح ياء ربي. وقرأ حمزة بسكونها، وقرىء شذوذًا بحذفا. و {إِذْ} ظرف لـ {حَاجَّ}؛ أي: ربي هو الذي يخلق الحياة والموت في الأجساد، وفيه إشارة إلى أنه هو الذي أوجد الكافر، ويحيه ويميته؛ كأنه قال: ربي الذي يحيي ويميت، هو متصرف فيك وفي أشباهك، بما لا تقدر عليه أنت ولا أشباهك، من هذين الوصفين العظيمين المشاهدين للعالم، اللذين لا ينفع فيهما حيل الحكماء، ولا طب الأطباء، وفيه إشارة أيضًا إلى المبدأ والمعاد. واختار إبراهيم من آيات الله الإحياء والإماتة؛ لأنهما أبدع آيات الله، وأشدها وأدلها على تمكُّن القدرة. {قَالَ} نمروذ اللعين {أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ} قرَأَ جمهورُ القُرَّاء (1):{أَنَا أُحْيِي} بطرح الألفِ التي بعد النون من {أَنَا} في الوصل، وأثبتها نافع وابن أبي أويس. أراد (2) إبراهيم عليه السلام أن الله هو الذي يخلق الحياة والموت في الأجساد، وأراد الكافر أنه يقدر أن يعفو عن القتل، فيكون ذلك إحياءً، وعلى أن يقتل، فيكون ذلك إماتة. فكان هذا جوابًا أحمق، لا يصح نصبه في مقابلة حجة إبراهيم؛ لأنه أراد غير ما أراده الكافر. فلو قال له: ربُّهُ الذي يخلق الحياة والموت في الأجساد، فهل تقدر على ذلك؟ لبهت الذي كفر بادئ بدء، وفي أول وهلة، ولكنه انتقل معه إلى حجة أخرى تنفيسًا لخناقه وإرسالًا لعنان المناظرة. {قَالَ إِبْرَاهِيمُ} له ائتني ببيان ذلك، فدعا نمروذ برجلين من السِّجْنِ، فقتل أحدهما، وترك الآخر، قال: هذا بيان ذلك. قال إبراهيم: {فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ} ، أي: يطلعها كل يوم من المشرق {فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ} ؛ أي: فأطلعْها ولو يومًا واحدًا من المغرب إنْ كنت صادقًا فيما تدعيه من الربوبية، قال له ذلك؛ لكون هذه الحجة لا تجري فيها المغالطة، ولا يتيسر للكافر أن يخرج عنها بمخرج مكابرة ومشاغبة. وكانوا أهل تنجيم (3). وحركة الكواكب من المغرب إلى المشرق معلومة لهم. والحركة

(1) الشوكاني.

(2)

الشوكاني.

(3)

نسفي.

ص: 37