الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
على العالمين؛ بما خصهم من النبوة والرسالة والخصائص الروحانية والجسمانية، ولذلك قووا على ما لم يقوَ عليه غيرهم.
34
- {ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ} ؛ أي: اصطفى الآلين حالة كونهم ذرية بعضها، متناسلون من بعض في النسب، وقيل: بعضها من بعض من التناصر والتعاضد، وقيل: متجانسين في الدين والتقى والصلاح، فكما أن الأصول أنبياء ورسل، وكذلك الذريةَ بل في بعضها ما يفوق الأصول جميعًا كمحمد صلى الله عليه وسلم. {وَاللَّهُ} سبحانه وتعالى {سَمِيعٌ} لأقوال العباد {عَلِيمٌ} بنياتهم وضمائرهم وأفعالهم، وإنما يصطفي من خلقه من يعلم استقامته قولًا وفعلًا، وقيل: معناه: والله سميع لمقالة اليهود: نحن من ولد إبراهيم ومن آل عمران، فنحن أبناء الله وأحباؤه، وعلى دينه، ولمقالة النصارى: المسيح ابن الله، عليم بعقوبتهم.
35
- واذكر لهم يا محمَّد قصة {إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ} حنة بنت فاقوذ، أم مريم حين شاخت، وكانت يومًا في ظل شجرة، فرأت طائرًا يطعم فرخًا له ويسقيه، فعطفت، واشتاقت للولد من أجل رؤية ذلك الطائر، فدعت ربها أن يرزقها ولدًا، ونذرت أن تهبه لبيت المقدس يخدمه، وكان ما من رجل من أشراف بيت المقدس إلا وله ولد منذور لخدمته، فاستجاب الله دعاءَها، فحملت بمريم، فلما أحسَّت بالحمل .. جددت النذر ثانيًا، فقالت: يا {رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا} ؛ أي: أوجبت على نفسي أن أجعل ما في بطني من الحمل محررًا لك، عتيقًا من أمر الدنيا لطاعتك، ومخلصًا لعبادتك وخادمًا لمن يدرس الكتاب ويعلم في بيت المقدس {فَتَقَبَّلْ مِنِّي}؛ أي: خذ منى ما نذرته لك على وجه الرضا {إِنَّكَ} يا إلهي {أَنْتَ السَّمِيعُ} لتضرعي ودعائي وندائي {الْعَلِيمُ} بما في ضميري وقلبي ونيتي، وكان على أولادهم فرضًا أن يطيعوهم في نذرهم، فتصدقت بولدها على بيت المقدس، فلامها زوجها على ذلك؛ حيث أطلقت في نذرها، ولم تقيد بالذكر، فبقيت في حيرة وكرب إلى أن وضعت ومات زوجها
36
- {فَلَمَّا وَضَعَتْهَا} ؛ أي: ولدت المنذورة التي في بطنها {قَالَتْ} على وجه التحسر والاعتذار {رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا} ؛ أي: ولدت المنذورة التي في بطني حالة كونها {أُنْثَى} قال ابن عباس رضي الله عنهما: إنما قالت هذا؛ لأنه لم يكن يُقبل في النذر إلا الذكور، قال
الله تعالى تعظيمًا لولدها وتجهيلًا لها بقدر ذلك الولد: {وَاللَّهُ} سبحانه وتعالى {أَعْلَمُ} بقدر {بِمَا وَضَعَتْ} ؛ أي عالم بأن الذي ولدته وإن كان أنثى أحسنُ وأفضل من الذكر، وهي غافلة عن ذلك، فلذلك تحسرت، وكانت مريم أجمل نساء زمانها وأكملهن، وهذا المعنى على قراءة من قرأ بسكون التاء، وهي قراءة الجمهور، فيكون من كلام الله تعالى على جهة التعظيم لما وضعته، والتفخيم لشأنه والتجليل لها؛ حيث وقع منها التحسر والتحزن، مع أن هذه الأنثى التي وضعتها سيجعلها الله وابنها آية للعالمين، وعبرة للمعتبرين، ويخصها بما لم يخص به أحدًا.
وقرأ أبو بكر شعبة وابن عامر ويعقوب: {وضعتُ} - بضم التاء - فيكون من جملة كلامها، ويكون متصلًا بما قبله، وفيه معنى التسليم لله، والخضوع والتنزيه له من أن يخفى عليه شيء، فإنها خافت من قولها: إني وضعتها أنثى أن يظن بذلك القول أنها تخبر الله تعالى.
وقرأ ابن عباس رضي الله عنهما في رواية شاذة: {بما وضعتِ} بكسر التاء على أنه خطاب من الله تعالى لها؛ أي: إنك لا تعلمين قدر هذا الموهوب، وما علم الله فيه من الأمور التي تتقاصر عنها الأفهام، وتتضافر عندها العقول من العجائب والآيات. {وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى}؛ أي: وليس الذكر الذي طلبت كالأنثى التي وضعت، فإنَّ غاية ما أرادتْ من كونه ذكرًا أن يكون نذرًا خادمًا للكنيسة، وأمر هذه الأنثى عظيم وشأنها فخيم، وهذه الجملة معترضة بين المعطوف الذي هو قوله:{وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ} وبين المعطوف عليه الذي هو قوله: {رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا} مبيِّنة لما في الجملة الأولى - أعني قوله: {وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ} - من تعظيم الموضوع ورفع شأنه وعلو منزلته، وفي الكلام تقديم وتأخير، والأصل: وليس الأنثى كالذكر، والمراد منه تفضيل هذه الأنثى على الذكر، كأنها قالت: كان الذكر مطلوبي لخدمة البيت، وهذه الأنثى هي موهبة لله تعالى، وكانت مريم من أجمل النساء وأفضلهن في وقتها كما مر آنفًا، واللام في الذكر والأنثى للعهد.
هذا على قراءة الجمهور وعلى قراءة ابن عباس، وأما على قراءة أبي بكر
وابن عامر فيكون قوله: {وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى} من جملة كلامها، ومن تمام تحسرها وتحزنها؛ أي: ليس الذكر الذي أردت أن يكون خادمًا صالحًا للنذر، كالأنثى التي لا تصلح للنذر، والمراد منه: تفضيل الذكر على الأنثى؛ لأن الذكر يصلح لخدمة الكنيسة، ولا تصلح الأنثى لذلك؛ لضعفها وما يعرض لها من الحيض والنفاس؛ ولأنها عورة ولا يجوز لها الحضور مع الرجال، وكأنها أعذرت إلى ربها من وجودها لها على خلاف ما قصدت، وقوله:{وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ} معطوف على قوله: {إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى} ومقصودها من هذا: الإخبار بالتسمية للتقرب إلى الله سبحانه وتعالى، وأن يكون فعلها مطابقًا لمعنى اسمها، فإن معنى مريم: خادم الرب بلغتهم، فهي وإن كانت غير صالحة لخدمة الكنيسة، فذلك لا يمنع أن تكون من العابدات، وكأنها أرادت بهذه التسمية أن تطلب من الله تعالى أن يعصمها من آفات الدين والدنيا؛ لأن المعنى: وإني سميت هذه البنت المولودة لي عابدة الرب.
{وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا} أي: وإني يا إلهي أجيرها وأحفظها وأولادها بحفظك وعصمتك {مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} ؛ أي: من ضرر إبليس اللعين المطرود عن رحمتك، ووسوسته، وهذه الجملة معطوفة على جملة قوله:{رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا} {وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا} .
روى الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ما من مولود يولد من بني آدم إلا نخسه الشيطان حين يولد، فيستهل صارخًا من نخسه إياه، إلا مريم وابنها"، ثم يقول أبو هريرة: اقرؤوا إنْ شئتم: {وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} .
وروى البخاري عنه رضي الله عنه أيضًا قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كل ابن آدم يطعن الشيطان في جنبيه بإصبعيه حين يولد، غير عيسى ابن مريم، ذهب ليطعن، فطعن في الحجاب".
والمراد: أن الشيطان يطمع في إغواء كل مولود بحيث يتأثر منه إلا مريم