الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
من هنا كانت البداية
لقد نشأتُ في بيئة تمازج فيها السنة والشيعة وغلب عليها التسامح الطائفي.
فوالدي رحمه الله من أهل السنة وكذلك والدتي، لكن البيت الذي نشأتْ فيه والدتي منذ الصغر كانت له طبيعته الخاصة ذات الأثر الواضح في علاقة أسرتي السنية مع الشيعة.
فمربية والدتي كانت شيعية وكذا إخوان والدتي من الرضاعة، وقد كانت والدتي تُجلها كثيراً وتبرّها حتى بعد وفاتها من خلال علاقتها الوثيقة بعائلة تلك المربية، نشاركهم أفراحهم وأحزانهم ويشاركونا، ونمد إليهم يد المساعدة إن وجدنا إلى ذلك سبيلاً.
هذا بخلاف الصداقات التي جمعت والدتي بالكثير من الشيعيات، أقربهنّ إليها امرأة من عرب إيران (1)، طيبة المعشر، بسيطة الفكر والثقافة، قضت معظم حياتها في الكويت ولا زالت.
وكنتيجة طبيعية لهذا الارتباط الوثيق بالشيعة آنذاك، كانت أمي تصطحبني صغيراً في بعض الأحيان إلى الحسينية حيث يُقرأ العزاء وتوزع أطباق الطعام أيام المحرم.
لا زلت أتذكر يوم أن اصطحبتني مرة في فترة النهار إلى إحدى الحسينيات.
قدور في باحة المكان ونساء يغرفن الطعام
…
حينها طلبتْ مني والدتي أن أجلس في غرفة مقابلة للباحة حتى تنتهي من الحديث مع الملاّيه (2)، لم أكن أعلم ولا زلت لا أعلم ماذا كانت تريد منها.
(1) من منطقة عبادان الإيرانية تحديداً.
(2)
امرأة تقوم مقام الشيخ أو الملا في الحسينيات النسائية من نعي وإلقاء دروس وغيرها.
لكني أتذكر أني قد جلست على كرسي بجانبه صندوق كبير، وحلّقت ببصري هنا وهناك فكان مما لفت نظري آنذاك وانطبع في ذاكرتي أقراص من طين كانت موضوعة في الصندوق.
لم يُترك لي المجال طويلاً للتخمين أو العبث فيها كسائر الأطفال، إذ سمعت نداء والدتي:(هيا يا محمد، لنذهب).
حين خرجنا سألتها عن المكان الذي كنا فيه، ما هو؟ وما الذي يفعله النساء في الباحة؟
فأخبرتني أنّ البيت الذي كنا فيه يسمى "حسينية" وهو بيت متعدد الأغراض، يُقرأ فيه عزاء عاشوراء وتقدم فيه الولائم ويُستخدم لمناسبات أخرى.
سألتها عن الأقراص التي رأيتها في الصندوق، ما هي؟
فأخبرتني أنها "تربة حسينية" وهي تربة مأخوذة من قبر الإمام الحسين بالعراق، يضع عليها الشيعة جباههم في سجدتي الصلاة. فسألتها بكل تلقائية: ولماذا هم شيعة ونحن سنة؟!
فكانت إجابتها أكثر تلقائية وأكثر عجباً إذ قالت: لأنهم لا يحبون الصحابة، فهم يسبون عائشة ولا يحبون أبا بكر وعمر، ونحن نحب الصحابة ولا نرضى بسبهم، ولأنهم في عاشوراء يلطمون ويبكون ويلبسون السواد ونحن لا نعتقد مثل هذه الأمور بل نراها خطأ ولأنهم لا يصلون مثل صلاتنا بل يسدلون أيديهم في الصلاة ويسجدون على التربة الحسينية.
فسألتها: ولماذا يفعلون ذلك؟ وقد كنت كأي طفل قد تعلمت في المدرسة شيئاً من السيرة النبوية، وأنّ عائشة هي زوج رسول الله وأنّ أبا بكر هو صاحبه في الغار وفي الهجرة، وتعلمت شيئاً عن قصة إسلام عمر وفضله، فبالنسبة لطفل قد تعلم هذا كله لا يُمكن له أن يتصور مسلماً يشتم هذه الشخصيات، فتعجبت جداً من كلامها، لكن سني آنذاك كان كافياً لصرفي عن الاهتمام بمثل هذه الأمور رغم كونها قد انطبعت في ذهني منذ ذلك الزمن.
مضت السنون تلو السنون لأجد نفسي مرة أخرى وجهاً لوجه مع الخلاف السني الشيعي.
ففي الجامعة، تعرفتُ على أحد السادة الموسوية أثناء دراستي لإحدى مقررات اللغة الإنجليزية (1)، كان يكبرني نحو عشر سنوات، وقد حرصتُ منذ بداية تعرفي عليه أن لا أفتح معه موضوع الخلاف السني الشيعي لحساسية مثل هذه المواضيع بالنسبة للناس بصورة عامة، لكن زميلاً لنا كان مشاكساً للغاية، لم يعتد أن يترك أحداً من الناس في حاله فاجأنا بسؤال مضحك وجريء في الوقت ذاته يسأل فيه السيد: لماذا أنت شيعي؟!
سؤال عفوي غريب قذفنا به زميلنا فوجدنا أنفسنا بعده مباشرة قد دخلنا في نقاش مذهبي ما كنا نتصور أننا سنخوضه.
فقد استهل (السيد) كلامه بالإشارة إلى كونه قد درس في إيران لعدة سنوات ولهذا فهو ملمٌ بالخلاف السني الشيعي بشكل كبير ولديه الاستعداد لمناقشة أي مسألة.
كنت في الحقيقة أكثر من اهتم بكلامه فقد مسّ شيئاً في نفسي تجاهلته منذ سنوات، أما بقية زملائنا فكانوا إلى العبث والإثارة أكثر منهم إلى الجد والحزم.
ولذلك لما ذكر الموسوي من جملة كلامه (حديث الكساء) طالبته بالمصدر وحملت المسألة محل الجد، ورجعت إلى المصدر الذي عزا إليه وهو "رياض الصالحين" للإمام النووي لأتأكد من صحة الحديث، لأنّ الموضوع بالنسبة لي دين، لا مجال للتهريج أو العبث فيه.
(1) كان ذلك سنة 1992م في كلية العلوم بجامعة الكويت.
ورغم أنّ نقاشنا المذهبي انقطع بعد هذه الدقائق المعدودة التي تكلمنا بها وكان للسيد نصيب الأسد فيها بحكم اطلاعه على الخلاف السني والشيعي أكثر منا إلا أنّ نفسي باتت متشوقة لمعرفة أبعاد هذا الموضوع أكثر من أي وقت مضى.
وكأنّ الله تعالى أراد لي أن أدخل هذا المعترك بقوة، فما زالت التساؤلات والمواقف تجرني جراً حتى جاء اليوم الذي أهدتني فيه إحدى الشيعيات كتاباً اسمه "ثم اهتديت" لمحمد التيجاني السماوي، أرسلته لي عن طريق صديقة والدتي الإيرانية، سائلة المولى عز وجل أن يهديني ويرشدني إلى الحق!
ولا أخفيك حديثاً إذا ما قلت بأنّ الكتاب كان قوياً بالنسبة لي لأول وهلة، إذ لم أكن قد قرأت أو تعلمت قبل قراءتي لهذا الكتاب شيئاً عن تاريخ الفتنة أو حادثة السقيفة أو بعض أحاديث فضائل الإمام علي التي يستدل بها الشيعة الإثنى عشرية على إمامته رضي الله عنه.
لكني أفقت من هذا الاستغراب على جُملة من الصدمات التي لا يمكن السكوت حيالها فالكتاب يطال كبار الصحابة ورموز الإسلام ويشهد عليهم بالردة والإحداث في الدين هكذا وبكل بساطة ودون حياء من الله ولا من الناس!
إنّ من حق التيجاني أن يعتقد أنّ عبد القادر الجيلاني هو سيد الأولياء وأنّ الكعبة تطوف بخيامه كما كان يعتقد ذلك أيام تصوفه (1) أو يرى العذر لليهود والنصارى في عنادهم للحق ويجّرم بالمقابل أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم كما اعتقد ذلك بعد هدايته المزعومة (2)، فله ربٌ يحاسبه ويجازيه على ما اعتقد.
(1) ثم اهتديت ص34] حواره مع منعم [
(2)
المصدر نفسه ص80
لكن المجاهرة بتكفير الصحابة والتشكيك في نزاهتهم وبهذه الصورة المخزية ونشر ذلك في كتب تروّج بين الناس مورثة بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة من شأنه أن يستوقفنا قليلاً عند هذه الشخصية التي تتناول هؤلاء الصحابة، لنتساءل: من هي وإلى ماذا تصبو؟
لقد حدّثنا التيجاني عن شهرته التي تعدّت الحارة إلى المدينة بأسرها أيام طفولته! (1) حتى أصبح لاحقاً أعلم من أهل زمانه بل أعلم من مفتي الجمهورية التونسية نفسه! (2)
لكنه لم يقنع بهذا كله فزعم أن لم يكن أحد يجاريه حتى شيوخ الأزهر الذين كانوا – على حد زعمه- يحضرون جلساته ودروسه ومحاضراته ويعجبون مما يحفظ من أحاديث وآيات وما يملكه من حجج دامغة لدرجة أنّ الغرور قد ركبه وباعترافه (3).
ثم تتفاجئ به بعد ذلك بصفحات قليلة يصرّح بعجزه التام عن محاورة صبي من صبية النجف قائلاً: (وعجبت لهذا الصبي الذكي الذي يحفظ ما يقول مثل ما يحفظ أحدنا سورة من القرآن، وقد أدهشني أكثر عندما كان يسرد علي بعض المصادر التاريخية التي يحفظ عدد أجزائها وأبوابها، وقد استرسل معي في الحديث وكأنه أستاذ يعلم تلميذه، وشعرت بالضعف أمامه، وتمنيت لو أني خرجت مع صديقي ولم أبق مع الصبيان)(4) في إشارة منه إلى أنّ صبية النجف أكثر علماً من علماء الأزهر ومن مفتي الجمهورية التونسية!
(1) ثم اهتديت ص10
(2)
المصدر نفسه ص219
(3)
المصدر نفسه ص24
(4)
المصدر نفسه ص54
لكن التيجاني الذي أظهر نفسه بصورة ذاك المحاور الذي لا يُشق له غبار مع فطاحل علماء أهل السنة يفاجئك بمفاجآت أخرى لا تقل عن سابقتها.
فقد اعترف ذلك العالم الجهبذ بعد ذلك بصفحات بأنه لم يقتنِ دواوين السنة المشهورة التي لا يخلو منها بيت أصغر طالب علم إلا بعد زيارته المكوكية التي أفحم بها شيوخ الأزهر وتأثر فيها بصبيان النجف ثم بالكبار ثم عودته إلى وطنه ليتلقى بعد ذلك بعض الكتب الشيعية التي تناقش الخلاف السني الشيعي حيث يقول بالنص: (وفوجئت عند دخولي إلى منزلي بكثرة الكتب التي وصلت قبلي وعرفت مصدرها
…
فرحت كثيراً ونظمت الكتب في بيت خاص سميته بالمكتبة (1)، واسترحت أياماً، وتسلمت جدول أوقات العمل بمناسبة بداية السنة الدراسية الجديدة فكان عملي ثلاثة أيام متوالية من التدريس وأربعة أيام متوالية من الراحة في الأسبوع. وبدأت أقرأ الكتب فقرأت كتاب عقائد الإمامية، وأصل الشيعة وأصولها وارتاح ضميري لتلك العقائد وتلك الأفكار التي يرتئيها الشيعة، ثم قرأت كتاب المراجعات للسيد شرف الدين الموسوي) إلى أن قال:(وازدادت دهشتي وحيرتي عندما رأيت العالم الشيعي ينقلها من صحيح البخاري وصحيح مسلم، وقلت في نفسي: (إن وجدت هذا في صحيح البخاري فسيكون لي رأي). وسافرت إلى العاصمة ومنها اشتريت صحيح البخاري وصحيح مسلم ومسند الإمام أحمد وصحيح الترمذي وموطأ الإمام مالك وغيرها من الكتب الأخرى المشهورة) (2).
(1) وكأنه أول من ابتكر المكتبات في البيوت ثم وضع لها هذا الإسم الذي لم يُسبق إليه! فتأمل هذا الجهل المركّب وتفكّر في دعواه إفحام علماء مصر وتونس تجد الإجابة واضحة جلية.
(2)
المصدر نفسه ص86 - 88
فإذا كان التيجاني لم يقتنِ دواوين السنة المشهورة إلا في هذا الوقت المتأخر فبأي علم كان يُفحم شيوخ الأزهر، وأي أحاديث تلك التي كان يحفظها ويحاجج بها دون أن يقتنِ كتاباً من كُتبها، اللهم إلا أن تكون الأحاديث التي كنا نحفظها في المدارس؟!
إنّ رجلاً يصرّح بنفسه بتحسّره على الأموال التي تُغدق على ضريح الإمام علي في النجف وتمنيه لو أنّ له نصيباً منها (1) لا يرتجى من ورائه حرصاً على الحقيقة، فللمال بريق ساطع يُذهب بأبصار الطامعين.
إنه لمن العجيب أن يأتي شخص مثل التيجاني بهذا المستوى العلمي والعقلي معاً ليثير الشبهات على الصحابة ويؤصل للأمة طريقاً مظلماً يعني بكل اختصار قلب كل الانتصارات والفتوحات والمشاهد الإيمانية والنصوص الإلهية إلى صورة قاتمة لا تمت بصلة للوحي ولا للواقع ولا العقل.
إيهٍ أيها التيجاني، لقد حمّلتني حِمْلاً عظيماً كنت أتحاشاه، وأورثتني همّاً كنت أخشاه، وكيف تقرُّ لي عينٌ وأنا أرى السهام تتقاذف من أوصل إليّ الإسلام؟! وكيف لنفسي أن تهنأ وعِرضُ محمدٍ صلى الله عليه وآله وسلم يُنال ويُقذف؟!
لقد أدركت أنّ من الواجب عليّ أن أقف وقفة مشرّفة أمام الله تعالى وأمام نفسي وأمام الأمة الإسلامية، فأنذر نفسي للحقيقة المجرّدة التي لا تعرف الزيف، باذلاً كل ما في الوسع والطاقة لانتشال الحقيقة منك ومن أمثالك من المتاجرين بها أو المأجورين.
(1) قال في ص50 وهو يتحدث عن زيارته للنجف (خرجت وراءه] أي وراء صاحبه العراقي منعم [مدهوشاً وكأنني تمنيت أن يعطوني منها نصيباً)!