المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ هديه صلى الله عليه وسلم في الجنائز أكمل الهدي - حاشية الروض المربع لابن قاسم - جـ ٣

[عبد الرحمن بن قاسم]

فهرس الكتاب

- ‌كتاب الجنائز

- ‌ هديه صلى الله عليه وسلم في الجنائز أكمل الهدي

- ‌ لا يؤخذ من الميت شيء

- ‌فصل في الكفن

- ‌ تكفن المرأة في خمسة أثواب

- ‌إذا اجتمعت جنائز: قدم إلى الإمام أفضلهم

- ‌ المطلوب في صفتها ستة أشياء

- ‌فصلفي حمل الميت ودفنه

- ‌كره جلوس تابعها حتى توضع)

- ‌اللحد أفضل من الشق)

- ‌كره لمصاب تغيير حاله

-

- ‌كتاب الزكاة

- ‌باب زكاة بهيمة الأنعام

- ‌فصل في زكاة البقر

- ‌فصل في زكاة الغنم

- ‌الضأن والمعز سواء، والسوم شرط

- ‌لا أثر لخلطة من ليس من أهل الزكاة

- ‌باب زكاة الحبوب والثمار

- ‌إذا اشتد الحب، وبدا صلاح الثمر وجبت الزكاة)

- ‌ الزكاة، إنما تتكرر في الأموال النامية

- ‌يباح للنساء من الذهب والفضة ما جرت عادتهن بلبسه

- ‌باب زكاة العروض

- ‌باب زكاة الفطر

- ‌لا يعتبر لوجوبها ملك نصاب

- ‌باب إخراج الزكاة

- ‌الغنى في باب الزكاةنوعان

- ‌أهل الزكاة قسمان

- ‌ الذي عليه الدين لا يعطيه، ليستوفي دينه

- ‌من أَراد الصدقة بماله كله

-

- ‌كتاب الصيام

- ‌(يجب صوم رمضان برؤية هلاله)

- ‌الأصل أن الله علق الحكم بالهلال والشهر

- ‌إن اشتبهت الأَشهر، على نحو مأْسور، تحرى وصام

- ‌أسباب الفطر أربعة

- ‌ الصوم الشرعي الإمساك مع النية

- ‌باب ما يكره ويستحب في الصوموحكم القضاء

- ‌لا يقضى عنه ما وجب بأَصل الشرع، من صلاة وصوم

- ‌يكره الصمت إلى الليل

-

- ‌كتاب المناسك

- ‌من كملت له الشروط وجب عليه السعي (على الفور)

- ‌يحج النائب من حيث وجبا

- ‌باب المواقيت

- ‌ليس للإحرام صلاة تخصه

- ‌ ابتداء التلبية عقب إحرامه

الفصل: ‌ هديه صلى الله عليه وسلم في الجنائز أكمل الهدي

بسم الله الرحمن الرحيم

‌كتاب الجنائز

(1)

بفتح الجيم جمع جنازة بالكسر (2) والفتح لغة (3) اسم للميت أو للنعش عليه ميت (4) .

(1) أي صفة عيادة المريض وتلقينه، وتغسيل الميت وتكفينه، والصلاة عليه ودفنه، وغير ذلك.

قال ابن القيم: وكان‌

‌ هديه صلى الله عليه وسلم في الجنائز أكمل الهدي

، مخالفًا لهدي سائر الأمم، مشتملاً على إقامة العبودية لله تعالى على أكمل الأحوال، وعلى الإحسان للميت، ومعاملته بما ينفعه في قبره، ويوم معاده، من عبادة وتلقين، وتطهير، وتجهيز إلى الله تعالى على أحسن أحواله وأفضلها، فيقفون صفوفًا على جنازته، يحمدون الله ويثنون عليه، ويصلون على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، ويسألون له المغفرة والرحمة والتجاوز، ثم على قبره يسألون له التثبيت، ثم الزيادة إلى قبره والدعاء له، كما يتعاهد الحي صاحبه في الدنيا، ثم الإحسان إلى أهله وأقاربه وغير ذلك.

(2)

والجنائز بالفتح لا غير، قاله النووي والحافظ وغيرهما.

(3)

حكاه ابن قتيبة وجماعة والكسر أفصح.

(4)

ويقال: بالفتح للميت، وبالكسر للنعش عليه ميت، بدل عكسه، حكاه صاحب المطالع، وقيل هما لغتان فيهما، ولفظ القاموس: الجنازة الميت ويفتح، أو بالكسر الميت، وبالفتح السرير، أو عكسه، أو بالكسر السرير مع الميت.

ص: 3

فإن لم يكن عليه ميت فلا يقال نعش، ولا جنازة، بل سرير، قاله الجوهري (1) واشتقاقه من جَنَزَ إذا ستر (2) وذكره ها لأّن أهم ما يفعل بالميت الصلاة (3) ويسن الإكثار من ذكر الموت (4) والاستعداد له (5) .

(1) ولفظه: والنعش سرير الميت، سمي بذلك لارتفاعه، فإذا لم يكن عليه ميت، فهو سرير. وقال: الجنازة الميت على السرير، فإذا لم يكن ميت فهو سرير ونعش عن الأصمعي، وقال الأزهري: لا يسمى جنازة حتى يشد الميت عليه مكفنًا.

(2)

وبابه ضرب، قاله ابن فارس وغيره، وفي القاموس: جنزه يجنزه ستره وجمعه. قال النووي: والمضارع يجتز بكسر النون، وقيل لمناسبة موجودة، لأنه إما ساتر أو مستور، فكان معناه لغة الستر.

(3)

عليه لما فيها من فائدة الشفاعة له، والدعاء له بالنجاة من العذاب، لا سيما عذاب القبر الذي سيدفن فيه، وإلا فحقه أن يذكر بين الوصايا والفرائض، وأفرده وأخره لمغايرتها لمطلق الصلاة نظرًا لتلك المغايرة، فإنها ليست صلاة من كل وجه، ولتعلقها بآخر ما يعرض للحي وهو الموت.

(4)

باتفاق أهل العلم، لأنه أدعى إلى امتثال الأوامر، واجتناب النواهي، والموت مفارقة الروح والجسد، وقد مات يموت ويمات بفتح الياء وتخفيف الميم، فهو ميت، وميت بالإسكان، وليس الموت بإفناء وإعدام، وإنما هو انتقال، وتغير حال، وفناء للجسد دون الروح، إلا ما استثنى من عجب الذنب.

(5)

أي التأهب وأخذ العدة، بالمبادرة إلى التوبة من المعاصي، والخروج من المظالم، لأنه شرط لصحة التوبة، بل أهم شروطها، لمن كان عنده مظلمة لأحد من نفس أو مال أو عرض، وبالجملة فيسن مبادرته إلى الإقبال على الخير، ومجانبة الشر، لئلا يفجأه الموت المفوت له، فيلاحظ الجوف من الله، والعرض والسؤال مما يقع له بعد الموت، ونقل عن أحمد أنه استحسن استعداد الكفن، لحل أو لعبادة فيه، لما فيه من أثر الطاعة، وقال الشيخ: لا يستحب للرجل أن يحفر قبره قبل أن يموت، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفعل ذلك هو ولا أصحابه، والعبد لا يدري أين يموت، وإذا كان مقصود الرجل الاستعداد للموت، فهذا إنما يكون بالعمل الصالح.

ص: 4

لقوله عليه الصلاة والسلام: «أكثروا من ذكر هاذم اللذات» هو بالذال المعجمة (1) .

(1) رواه الخمسة بأسانيد صحيحة، وصححه ابن حبان والحاكم وغيرهما، وهاذم اللذات هو الموت، فيسن الإكثار من ذكره، والاستعداد له، والتوبة قبل نزوله، والهذم القاطع، وتمام الحديث «فيما ذكر في كثير إلا قلله، ولا في قليل إلا كثره» أي ما ذكر في قليل الرزق إلا استكثره الإنسان، لاستقلال ما بقي من عمره، وما ذكر في كثير إلا قلله، لأن كثير الدنيا إذا عَلمّ انقطاعَهُ بالموت قلّل ما عنده، وللترمذي وغيره عن ابن مسعود مرفوعًا «استحيوا من الله حق الحياء» قالوا: إنا نستحي يا نبي الله والحمد لله؛ قال «ليس كذلك، ولكن من استحيا من الله حق الحياء فليحفظ الرأس وما وعى، وليحفظ البطن وما حوى، وليذكر الموت والبلى، ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا، ومن فعل ذلك فقد استحيا من الله حق الحياء» ولابن ماجه عن أنس مرفوعًا: أنه أبصر جماعة يحفرون قبرًا، فبكى حتى بل الثرى بدموعه، وقال «لمثل هذا فاستعدوا» وإسنادهما حسن، وفي الصحيح «كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل» وروي عنه «الكيس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت» وسئل: أي الناس أكيس وأحزم؟ قال «أكثرهم للموت ذكرًا، وأحسنهم لما بعده استعدادً، أولئك الأكياس، ذهبوا بشرف، الدنيا والآخرة» رواه ابن ماجه وغيره.

ص: 5

ويكره الأنين (1) .

(1) ما لم يغلبه لأنه يترجم عن الشكوى، بل عليه أن يستحضر ما وعد الله الصابرين، وفإنه قال {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} ويجب الصبر إجماعًا، فإن الثواب في الصائب معلق على الصبر عليها، والصبر حبس النفس عن الجزع، وحبس اللسان عن التشكي، والجوارح عن لطم الخدود وشق الجيوب ونحو ذلك، والصبر الجميل صبر بلا شكوى إلى المخلوق، والشكوى إلى الله لا تنافي الصبر، بل مطلوبة شرعًا مندوب إليها اتفاقًا، وأما الرضا فمنزلة فوق الصبر، فإنه يوجب رضي الله عز وجل، ومن شكى إلى الناس وهو في شكواه راض بقضاء الله، لم يكن ذلك جزعا، لقوله لجبرائيل «أجدني مغمومًا، أجدني مكروبًا» وقوله «بل أنا وارأساه» وقال له ابن مسعود: إنك لتوعك وعكًا شديدًا. قال «أجل كما يوعك رجلان منكم» متفق عليه، وقول أيوب {مَسَّنِيَ الضُّرُّ} ونحو ذلك مما يدل على إباحة إظهار مثل هذا القول عندما يلحق الإنسان من المصائب، ولا يكون ذلك شكوى.

وفي الصحيحين عن ابن مسعود: إذا كان الشكر قبل الشكوى فليس بشاك، فإذا حمد الله تعالى، ثم أخبر بعلته، لم يكن شكوى منه، إلا أن أخبر بها تبرمًا وتسخطً، لا للاعتبار والتسلية، كقول خباب: ما لقي أحد ما لقيت. وكقول أبي هريرة عن جوعه وربطه الحجر، وإذا كانت المصيبة مما يمكن كتمانها فكتمانها من أعمال الله الخفية، وذكر الشيخ أن عمل القلب من التوكل وغيره واجب باتفاق الأئمة، ويحسن ظنه بالله، فصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال «لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن ظنه بالله» أي أن يغفر له ويرحمه، ويتدبر ما ورد من الآيات والأحاديث من كرم الله وعفوه ورحمته، وما وعد به أهل توحيده، وما يبدلهم من الرحمة يوم القيامة، وفي الصحيح «أنا عند ظن عبدي بي» زاد أحمد «إن ظن بي خيرًا فله، وإن ظن بي شرًا فله» وقال «أنا عند ظن عبدي بي، فليظن بي خيرًا» .

وفي الصحيحين «من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن ذكره لقاء الله كره الله لقاءه» فتأكد أن على العبد أن يحسن ظنه عند إحساسه بلقاء الله، لئلا يكره لقاء الله، ويسن لمن عنده تحسين ظنه، وتطعيمه في رحمه ربه، ويذكر له الآيات والأحاديث في الرجاء، وينشطه لذلك، وقيل بوجوبه إذا رأى منه أمارات اليأس والقنوط، لئلا يموت على ذلك فيهلك، فهو من النصيحة الواجبة، ويغلب الرجاء لقوله:{وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ} وأما في الصحة فيغلب الخوف، ليحمله على العمل، ونص أحمد: يكون خوفه ورجاءه واحدًا، فأيهما غلب على صاحبه هلك. قال الشيخ: هذا العدل، لأن من غلب عليه الخوف أوقعه في نوع من اليأس، ومن غلب عليه الرجاء أوقعه في نوع من الأمن من مكر الله، والرجاء بحسب رحمة الله يجب ترجحيه وأما الخوف فيكون بالنظر إلى تفريط العبد، ومن أقبح القبائح أن يكون آخر عهده من الدنيا التفريط.

ص: 6

وتمنى الموت (1) .

(1) أي ويكره تمني الموت لضر نزل به من مرض، أو ضيق دنيا أو غير ذلك، لحديث «لا يتمنين أحدكم الموت، ولا يدع به من قبله أن يأتيه، إذا مات أحدكم انقطع عمله، وإنه لا يزيد المؤمن عمره إلا خيرًا» رواه مسلم، ولأحمد وغيره «وإن من السعادة أن يطول عمر العبد، حتى يرزقه الله الإنابة» وعن بعض السلف: إن كان من أهل الجنة فالبقاء خير له، وإن كان من أهل النار فما يعجله إليها. وعن أنس «لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به، فإن كان لا بد فاعلاً فليقل اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرًا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرًا لي» متفق عليه، ولهما «لا يتمنن أحدكم الموت، إما محسنًا فلعله يزداد، وإما مسيئًا فلعله أن يستعتب» ولما في التمني المطلق من الاعتراض ومراغمة القدر، وفي هذه الصورة ونحوها نوع تفويض وتسليم للقضاء، والمرض كفارة له، وموعظة في المستقبل.

وأما تمني الموت لضرر في الدين، أو وقوع في فتنة ونحوها فلا يكره، بل

يستحب، للحديث المشهور «وإذا أردت بقوم فتنة فاقبضني إليك غير مفتون» صححه الترمذي وغيره، ولقوله {وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ} وقال عن مريم {يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا} ولعل المراد أيضًا مع عدم الضرر، لحديث عمار «اللهم بعلمك الغيب؛ وقدرتك على الخلق، أحيني إذا كانت الحياة خيرًا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرًا لي» الحديث رواه أحمد وغيره بسند جيد، ومراد الأصحاب غير تمني الشهادة، فإنه مستحب، لا سيما عند حضور أسبابها، لما ثبت في الصحيح وغيره عنه صلى الله عليه وسلم «من تمنى الشهادة خالصًا من قلبه، أعطاه الله منازل الشهداء» وفيه عن عمر قال: «اللهم ارزقني شهادة في سبيلك، واجعل موتي في بلد رسولك» .

ص: 7

ويباح التداوي بمباح (1) وتركه أفضل (2) ويحرم بمحرم مأكول وغيره (3) .

(1) إجماعًا، ولا يجب عند جمهور العلماء، ولو ظن نفعه، واختار القاضي وابن عقيل وابن الجوزي وغيرهم فعله، وفاقًا لأكثر الشافعية، وعند الحنفية أنه مؤكد، حتى يدانى به الوجوب، ومذهب مالك أن التداوي وتركه سواء.

(2)

هذا المشهور في المذهب، لخبر السبعين ألفًا يدخلون الجنة، ولأنه أقرب إلى التوكل، وجاءت الأحاديث بإثبات الأسباب والمسببات، والأمر بالتداوي، وأنه لا ينافي التوكل، كما لا ينافيه دفع ألم الجوع والعطش، قال الشيخ: ينبغي أن يعلق الرجاء بالله لا بمخلوق، ولا بقوة العبد ولا عمله، فإن تعليق الرجاء بغير الله شرك، وإن كان الله جعل لها أسبابًا، فالسبب لا يستقل بنفسه، بل لا بد له من معاون، ولهذا قيل: الالتفات إلى الأسباب شرك في التوحيد ومحو الأسباب أن تكون أسبابًا نقص في العقل، والقدح في الأسباب بالكلية قدح في الشرع.

(3)

وهو مذهب جماهير العلماء، لما في الصحيح عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال:«إن الله لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليها» ورواه ابن حبان وغيره مرفوعًا، ولأبي داود وغيره عن أبي هريرة مرفوعًا «إن الله أنزل الدواء وأنزل الداء، وجعل لكل داء دواء، ولا تداووا بحرام» ولأحمد والترمذي وغيرهما عنه: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الدواء بالخبيث. وفي صحيح مسلم وغيره في الخمر «إنه ليس بدواء ولكنه داء» فهي أم الخبائث، وحسم الشارع عن قربانها، حتى في تناولها على وجه التداوي.

ويحرم التداوي بـ «سم» ، لقوله {وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} وفي بعض ألفاظ حديث النهي عن الدواء بالخبيث: يعني السم. فإن كان الداء مسمومًا، وغلبت منه السلامة، ورجي نفعه أبيح، لدفع ما هو أعظم منه، كغيره من الأدوية، وكذا نبات فيه سمية إن غلبت السلامة مع استعماله، ويدخل فيما تقدم ترياق فيه لحوم حيات، أو خمر أو ضفدع، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن قتل الضفدع لذلك، وكتب عمر إلى خالد بن الوليد، وكان قد بلغه أنه يتدلك بالخمر، فقال: إن الله قد حرم ظاهر الخمر وباطنها، وقد حرم مس الخمر، كما حرم شربها، فلا تمسوها أجسادكم، فإنها نجسة.

وقال شيخ الإسلام في التداوي بالتلطخ به ثم يغسله بعد ذلك: الصحيح أنه يجوز للحاجة، كما يجوز استنجاء الرجل بيده، وإزالة النجاسة بيده، وكلبس الحرير للتداوي به، لا ما أبيح للضرورة، كالمطاعم الخبيثة، فلا يجوز التداوي بها. وذكر الدليل والتعليل في غير موضع، وجوز هو وغيره الاكتحال بميل الذهب والفضة للحاجة.

ولا بأس بالحمية، وهي منع المريض من تناول ما يضره، وتحرم التميمة، وهي عوذ أو خرز أو خيوط ونحوها يتعلقها، لقوله «من تعلق تميمة فلا أتم الله له» ، وفي رواية «من تعلق تميمة فقد ِأشرك» وذلك لما فيها من تعلق القلب على غير الله، في جلب نفع، أو دفع ضر، فكان شركًا من هذه الحيثية، ولا بأس بكتب قرآن ذكر في إناء ثم يسقى فيه مريض وحامل لعسر الولد.

ص: 8

............................................................

ص: 9

من صوت ملهاة وغيره (1) ويجوز ببول إبل فقط، قاله في المبدع (2) ويكره أن يستطب مسلم ذميًا، لغير ضرورة (3) وأن يأخذ منه دواءً لم يبين له مفرداته المباحة (4) .

(1) الملهاة بكسر الميم آلة اللهو، كالعود والطنبور والطبل ونحو ذلك، وغير صوت الملهاة كسماع الغناء المحرم، وأما السماع الطيب فهو طيب الأنفس، وراحة القلوب، وغذاء الأرواح، ومن أجل الطب الروحاني، وسبب السرور، ويقوى أفعال القوى، ويدفع أمراضًا ويخصب أبدانًا، ويلائم أصحاب العلل، وأنفعه سماع كتاب الله وأحاديث رسوله صلى الله عليه وسلم، مما ثبت عنه في الرقائق، وأبيات موزونة في الزهد، وقال ابن القيم وغيره: وكل طبيب لا يداوي العليل بتفقد قلبه، وصلاحه وتقوية أرواحه وقواه بالصدقة، وفعل الخير والإحسان، والإقبال على الله والدار الآخرة، فليس بطبيب، ومن أعظم العلاج فهو الخير والإحسان، والذكر والدعاء، والتضرع إلى الله، والتوبة، وتأثيره أعظم من الأدوية، لكن بحسب استعداد النفس وقبولها.

(2)

أي ويجوز التداوي ببول إبل فقط، لا غيره مما أكل لحمه، ونقل جماعة: يجوز ببول ما أكل لحمه، قياسًا على الإبل، وتقدم أمره العرنين أن يشربوا من أبوالها وألبانها.

(3)

أي يكره أن يستوصف مسلم ذميًا أو يطلب منه مداواته، ولا يأمنه وقد خونه الله، إلا لضرورة نزلت به، أما إذا كان بحال ضرورة فلا كراهة، فإن الضرورة تبيح المحظور.

(4)

من أي جنس من أجناس الأدوية المركبة، وذلك لئلا يجعل في نحو معاجين يكون منها نحو خمر.

ص: 10

و (تسن عيادة المريض)(1) .

(1) أي زيادة وافتقاده، من العود وهو الرجع، حكاه النووي وغيره إجماعًا لما في الصحيحين وغيرهما «خمس تجب للمسلم على أخيه» وذكر عيادة المريض، وفي لفظ «حق المسلم على المسلم» وفي الصحيح «عودوا المريض» وغير ذلك من الأحاديث، وقال شيخ الإسلام: الذي يقتضيه النص وجوب عيادة المريض، كرد السلام، وأوجبها أبو الفرج وغيره، ولعل المراد مرة، أو على الكفاية، اختاره الشيخ، والسنة تدل على أنها واجبة أو مندوبة مؤكدة، شبيهة بالواجب الذي لا ينبغي تركه، أو في حق بعض دون بعض.

وورد في فضلها آثار كثيرة: منها ما رواه مسلم وغيره «إن المسلم إذا عاد أخاه المسلم، لم يزل في مخرفة الجنة» أي يخترف من ثمارها «حتى يرجع» وورد عن نحو عشرة من الصحابة مرفوعًا «من عاد مريضًا خاض في الرحمة حتى يجلس، فإذا جلس غمرته» وللترمذي أنه قال «من عاد مريضًا نادى مناد من السماء طبت وطاب ممشاك وتبوأت من الجنة منزلاً» ويسن أكثر من مرة إجماعًا، لقصة سعد، ومن كل مرض، ولو من وجع ضرس، أو رمد، أو دمل ونحوه، وكان عليه الصلاة والسلام يعود من الرمد، وغيره، رواه أبو داود وغيره، ولو عدوًا، ومن لا يعرفه، وكذا ذمي قريب، أو جار ونحوهما، ومن يرجى إسلامه.

ونص أحمد: لا يعاد المبتدع. وعنه الداعية فقط، وفي النوادر: تحرم عيادة المبتدع، ومن جهر بالمعصية، ومن فعل بحيث يعلم جيرانه ولو في داره فمعلن، والمستتر من لا يعلم به غالبًا، إما لبعده أو نحوه، غير من حضره، واعتبر الشيخ المصلحة في ذلك، وقال في عيادة النصراني: لا بأس بها، فإنه قد يكون في ذلك مصلحة، لتأليفه على الإسلام، اهـ. وعاد النبي صلى الله عليه وسلم غلامًا له يهوديًا فأسلم، وعاد عمه وهو مشرك، ولا تكره عيادة رجل لامرأة غير محرم، لقصة أبي بكر مع أم أيمن وغيرها، إلا مع خوف الفتنة.

ص: 11

والسؤال عن حاله، للأَخبار (1) ويغب بها (2) وتكون بكرة وعشيًا (3) .

(1) نحو: كيف حالك؟، وكيف تجدك؟. وكان عليه الصلاة والسلام يدنو من المريض، ويجلس عند رأسه، ويسأله عن حاله، ويقول «كيف تجدك؟» ويسأل عما يشتهيه، ويخبره المريض بما يجده، بلا شكوى، الحديث بشر بن الحارث، ولما بلغ أحمد قال: أجد كذا، أجد كذا.

(2)

أي بالعيادة وروي «أغبوا في عيادة المريض، وأربعوا» يقول: عد يومًا ودع يومًا، أو دع يومين وعد اليوم الثالث، أي لا تعودنَّ في كل يوم، لما يجده من ثقل العواد.

وصوب في الإنصاف اختلافه باختلاف حال الناس، وقطع به ابن عبد القوي وغيره فنحو القريب والصديق ممن يستأنس به المريض، أو يشق عليه عدم رؤيته كل يوم، يسن لهم المواصلة، ما لم يفهموا أو يعلموا كراهية، ومراد الأصحاب في الجملة.

شعرًا:

لا تضجرن عليلاً في مسائله

إن العيادة يوم بين يومين

بل سله عن حاله وادع الإله له

واجلس بقدر فواق بين حلبين

من زار غبًا أخًا دامت مودته

وكان ذاك صلاحًا للخليلين

(3)

أي في أول النهار أو آخره، فالواو هنا بمعنى «أو» قال أحمد عن وسط النهار: ليس هو موضع عيادة. وفي رمضان ليلاً، لأنه أرفق بالعائد، وقال ابن القيم وغيره: لم يخص صلى الله عليه وسلم يومًا من الأيام، ولا وقتًا من الأوقات بعيادة، بل شرع لأمته ذلك ليلاً ونهارًا، وفي سائر الأوقات. اهـ. وتكون العيادة من أول المرض لخبر «إذا مرض فعده» ولا يطليل الجلوس عنده في الجملة، بل يختف باختلاف الزائر، أو يعمل بالقرائن، وظاهر الحال.

ص: 12

ويأخذه بيده، ويقول: لا بأس طهور إن شاء الله تعالى. لفعله عليه السلام (1) وينفس له في أَجله، لخبر رواه ابن ماجه عن أبي سعيد (2) فإن ذلك لا يرد شيئًا (3) ويدعو له بما ورد (4) .

(1) رواه البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: كان إذا دخل على من يعوده قال «لا بأس طهور إن شاء الله» وربما قال «كفارة وطهور» .

(2)

ولفظه «إذا دخلتم على المريض فنفسوا له في أجله» ورواه الترمذي وغيره، فيهون عليه مما هو فيه.

(3)

أي من القضاء والقدر، ولا بأس عليكم بتنفيسكم، وإنما هو تطييب لنفسه، وإدخال للسرور عليه، وتخفيف لما يجده من الكرب، وقيل لهارون وهو عليل: هون عليك، وطيب نفسك، فإن الصحة لا تمنع من الفناء، والعلة لا تمنع من البقاء. فقال: والله لقد طيبت نفسي، وروحت قلبي.

(4)

فإنه صلى الله عليه وسلم يدعو للمريض ثلاثًا، كما قال لسعد «اللهم اشف سعدًا، اللهم اشف سعدًا، اللهم اشف سعدًا» رواه مسلم، وكان أحيانًا يضع يده على جبهة المريض، ثم يمسح صدره وبطنه، ويقول «اللهم اشفه» وكان يمسح بيده اليمنى على المريض ويقول «أذهب الباس رب الناس، واشف أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقمًا» أخرجاه، ولأحمد وأبي داود وغيرهما «ما من مسلم يعود مريضًا لم يحضر أجله فيقول سبع مرات: أسأل الله الكريم، رب العرش العظيم، أن يشفيك. إلا عوفي» وعن أبي سعيد أن جبرائيل عاد النبي صلى الله عليه وسلم فقال «بسم الله أرقيك، من كل شيء يؤذيك، من شر كل شر أو عين حاسد، الله يشفيك، باسم الله أرقيك» رواه مسلم.

وكان صلى الله عليه وسلم يرقي من به قرحة، أو جرح أو شكوى، فيضع سبابته بالأرض ثم يرفعها، ويقول «بسم الله بتربة أرضنا، بريقة بعضنا، يشفى

سقيمنا، بإذن ربنا» أخرجاه، ويستحب أن يقرأ عنده فاتحة الكتاب، وسورة الإخلاص والمعوذتين، لما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان ينفث على نفسه بها، وقال لعثمان بن أبي العاص «ضع يدك على الذي يألم من جسدك، وقل: باسم الله، ثلاثًا، وقل سبع مرات: أعوذ بعزة الله وقدرته، من شر ما أجد وأحاذر» وكان صلى الله عليه وسلم إذا أيس من المريض قال: «إنا لله وإنا إليه راجعون» .

ص: 13

(و) يسن (تذكيره التوبة) لأنها واجبة على كل حال (1) وهو أحوج إليها من غيره (2) .

(1) من كل ذنب، وفي كل وقت، فقد يأتي الموت بغتة، ومن تمام نعمة الله على عبده توفيقه للتوبة النصوح، والاستغفار بين يدي ربه، ليلقاه طاهرًا مطهرًا من كل ذنب، فيقدم عليه مسرورًا راضيًا مرضيًا عنه، وتتأكد في حق المريض، والتوبة الندم، والإقلاع عن الذنب، والعزيمة على أن لا يعود، والتوبة من ظلم الناس برد أموالهم، وتحللهم من أعراضهم، وإلا فالأمر إلى الله، ولا بد للمظلوم من الانتصاف يوم القيامة، ومن لم يتمكن فليكثر من فعل الخير ليرجح ميزان الحسنات، ومن تاب توبة عامة كانت مقتضية لغفران الذنوب كلها، وإن لم يستحضر أعيان الذنوب، إلا أن يكون بعض الذنوب لو استحضره لم يتب عنه، لقوة إرادته إياه، أو لاعتقاده أنه حسن.

(2)

لنزول مقدمات الموت به، قال صلى الله عليه وسلم «إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر» أي تبلغ روحه إلى حلقه، فإن قرب الموت لا يمنع من قبولها، بل المانع مشاهدة الأهوال التي يحصل العلم عندها على سبيل الاضطرار، فلا تقبل توبة اليائس، بجامع عدم الاختيار، وخروج النفس من البدن، وينبغي له أن يحرص

على تحسين خلقه، والاشتغال بنفسه، وما يعود عليه، وأن يجتنب المخاصمة، والمنازعة في أمور الدنيا، وأن يستحضر في ذهنه أن هذا آخر أوقاته في دار العمل، فيختمها بخير، ويستحل أهله وجيرانه، ومن بينه وبينه معاملة، ويوصي أهله بالصبر عليه، والدعاء له، ويجتهد في ختم عمره بأكمل الأحوال.

ص: 14

(والوصية)(1) لقوله عليه السلام «ما حق امرئٍ مسلم له شيءٌ يوصي به، يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده» متفق عليه عن ابن عمر (2) .

(1) أي ويسن أن يذكر المريض الوصية، ويرغبه فيها، ولو كان مرضه غير مخوف، لأن ذلك مطلوب حتى من الصحيح، وذهب بعض أهل العلم إلى وجوب الوصية، والجمهور على استحبابها، وهذا في المتبرع بها، وأما الوصية بأداء الديون ورد الأمانات فواجب عليه.

(2)

وفي رواية «ليلة» وفي رواية «ثلاثًا» أي ليس الحزم والاحتياط والمعروف شرعًا لامرئ إلا ذلك، و «ما» نافية، وجملة «له شيء» صفة «امرئ» وجملة «يوصي به» صفة لشيء، وجملة «يبيت ليلتين» خبر، وجملة «ووصيته» الخ، حال، والمعنى لا ينبغي له أن يمضي عليه زمان وإن كان قليلاً، في حال من الأحوال، إلا أن يبيت بهذه الحال، وهي أن تكون وصيته مكتوبة عنده، وذكر الليلتين تأكيد لا تحديد، فلا ينبغي أن يمضي عليه زمان وإن كان قليلاً إلا ووصيته مكتوبة عنده، لأنه لا يدري متى يدركه الموت، قال الشيخ: وقد روي «من مات ولم يوص لا يستطيع الكلام» ويعتمد على الله عز وجل فيمن يحب من بنيه وغيرهم، ويراه أهلاً، ويوصي بقضاء ديونه، وتفرقة وصيته، ونحو غسله، والصلاة عليه، وعلى غير بالغ رشيد من أولاده للأرجح في نظره، أمانة، وعدالة، وإصلاحًا، من قريب أو أجنبي، لأنه المصلحة، وقال الوزير وغيره: اتفقوا على استحباب الوصية لمن له أو عليه ما يفتقر إلى الإيصاء به، من أمانة وضيعة وغير ذلك مع الصحة، وعلى تأكدها مع المرض.

ص: 15

(وإذا نُزل به) أي نزل به ملك الموت لقبض روحه (1)(سن تعاهد) أرفق أهله وأتقاهم لربه بـ (بل حلقه بماءٍ أو شراب (2) وندي شفتيه) بقطنة (3) لأن ذلك يطفئُ ما نزل به من الشدة (4) ويسهل عليه النطق بالشهادة (5)(ولقنه لا إله إلا الله)(6) .

(1) وأيس من حياته، وظهر عليه علامات الموت، وخروج الروح، والروح هنا في النفس الناطقة المستعدة للبيان، وفهم الخطاب، ولا تفني بفناء الجسد.

(2)

أي تعاهد ورعاية ألطف أهله، من والد وولد وقريب، وأتقاهم وأحناهم، وأعرفهم بمداراة المريض، فيجرع الماء أو الشراب ندبًا، بل وجوبًا إن ظهرت أمارة تدل على احتياجه له، كأن يهش إذا فعل به ذلك، لأن العطش يغلب حينئذ، لشدة النزع، وأجمع العلماء على وجوب الحضور عنده، لتذكيره وتأنيسه، وتغميضه والقيام بحقوقه، ويستحب لأهل المريض ومن يخدمه الرفقُ به، واحتمال الصبر على ما يشق من أمره، وكذا من قرب موته بسبب حد أو قصاص أو نحوهما، لقوله عليه الصلاة والسلام لولي التي زنت «أحسن إليها فإذا وضعت فأتني بها» .

(3)

أي بل شفتيه عند نشافهما بقطنة.

(4)

أي لأن تعاهد بل حلقه وشفتيه يبرد ما نل به من شدة النزع، قال في الإنصاف: بلا نزاع.

(5)

لأن تعاهده بذلك يسهل عليه التلفظ بلا إله إلا الله.

(6)

أي ويسن إجماعًا لقنه، بفتح فسكون، يعني أي تذكيره عند الاحتضار بكلمة الإخلاص ليموت عليها فتنفعه بحصول ما وعده الله عليها، ولأن تلك الحالة يتعرض فيها الشيطان لإفساد اعتقاد الإنسان، فيحتاج إلى مذكر له ومنبه على التوحيد، ولفعله صلى الله عليه وسلم، والمراد ختم كلامه بلا إله إلا الله،

فإنه ليس مسلم يقولها عند الموت إلا أنجاه الله من النار، وروي من حديث عطاء عن أبيه عن جده «من لقن عند الموت لا إله إلا الله. دخل الجنة» ، واقتصر عليها لأنه يلزم من قولها الاعتراف بأن محمدًا رسول الله.

ص: 16

لقوله عليه السلام «لقنوا موتاكم لا إله إلا الله» رواه مسلم عن أبي سعيد (1)(مرة، ولم يزد على ثلاث) لئلا يضجره (2) .

(1) ورواه أحمد وأهل السنن، ولمسلم عن أبي هريرة بمثل حديث أبي سعيد، وصرح المناوي وغيره بتواتره، والتلقين سنة مأثورة لهذا الخبر وغيره، عمل بها المسلمون، وأجمعوا عليها، وعلى جميع القيام بحقوقه، وعن معاذ مرفوعًا «من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة» رواه أحمد وغيره، ولمسلم «من مات وهو يعلم أن لا إله إلا الله دخل الجنة» وله أيضًا:«ما من عبد قال: لا إله إلا الله؛ ثم مات على ذلك، إلا دخل الجنة» وروى غيره نحو ذلك من طرق كثيرة، وروى سعيد عن معاذ بن جبل مرفوعًا «من كان آخر قوله عند الموت: أشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له. هدمت ما كان قبلها من الخطايا والذنوب، فلقنوها موتاكم» فقيل: فكيف هي للأحياء؟ قال «أهدم وأهدم» واستفاض من غير وجه في الصحيحين وغيرهما، أن قول لا إله إلا الله من موجبات دخول الجنة، من غير تقييد بحال الموت، فبالأولى أن توجب ذلك إذا كان في وقت لا تعقبه معصية، وقوله «موتاكم» أي من قرب منه الموت، سماه ميتًا باعتبار ما يؤول إليه، كقوله «من قتل له قتيل» .

(2)

ولا يقال له: قل، بل يتشهده عنده، ولا يكثر التكرار، وكره أهل العلم الإكثار عليه، والموالاة، لئلا يضجره، فيقول: لا أقول. أو يتكلم بغيرها مما لا يليق، لضيق حاله، وشدة كربه، أو يكره ذلك بقلبه، وقال ابن المبارك مع ورعه لمن أكثر عليه: إذا قلت مرة فأنا على ذلك ما لم أتكلم. والجمهور على تلقينه مرة، وذكره في الفروع اتفاقًا.

ص: 17

(إلا أن يتكلم بعده فيعيد تلقينه) ليكون آخر كلامه لا إله إلا الله (1) ويكون (برفق) أي بلطف ومداراة (2) لأنه مطلوب في كل موضع، فهنا أولى (3)(ويقرأُ عنده) سورة (يس)(4) لقوله عليه السلام «اقرؤا على موتاكم سورة يس» رواه أبو داود (5) .

(1) وتقدم «أن من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة» وكذا إن لم يجب أعاد تلقينه، ليكون آخر كلامه الشهادة، وفي قصة وفاة أبي طالب: فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرضها عليه.

(2)

لئلا ينفر، ذكره النووي وغيره إجماعًا.

(3)

أي اللطف والمداراة لما نزل به، ويسره برفق، لأنه مشغول بما هو فيه، فربما حصل له التأذي به إذا كان بعنف، وينبغي أن لا يلقنه من يتهمه، لكونه وارثًا، أو عدوًا أو حاسدًا ونحوهم، واستحب الشيخ وغيره تطهير ثيابه قبل موته.

(4)

بسكون النون على الحكاية، واستحب شيخ الإسلام وغيره قراءتها عند المحتضر.

(5)

ورواه ابن ماجه، وصححه ابن حبان، وقال: أراد من حضرته المنية، لا أن الميت يقرأ عليه كذلك. وذكر ابن القيم رواية «عند موتاكم» أي من حضره الموت منهم، لأن الميت لا يقرأ عليه، وقال الشيخ: القراءة على الميت بعد موته بدعة، بخلاف القراءة على المحتضر، فإنها تستحب بـ (يس) وقيل: الحكمة في قراءتها اشتمالها على أحوال القيامة وأهوالها، وتغير الدنيا وزوالها، ونعيم الجنة وعذاب جهنم، فيتذكر بقراءتها تلك الأحوال الموجبة للثبات، قال الشيخ: وعرض الأديان عند الموت، ليس عامًا لكل أحد، ولا منفيًا عن كل أحد، بل من الناس من تعرض عليه الأديان، ومنهم من لا تعرض عليه، وذلك كله من فتنة المحيا، والشطيان أحرص ما يكون على إغواء بني آدم وقت الموت.

ص: 18

ولأَنه يسهل خروج الروح (1) ويقرأُ عنده أيضًا الفاتحة (2)(ويوجهه إلى القبلة)(3) لقوله عليه السلام عن البيت الحرام «قبلتكم أَحياءً وأَمواتًا» رواه أبو داود (4) وعلى جنبه الأّيمن أَفضل إن كان المكان واسعًا (5) وإلا فعلى ظهره مستلقيًا، ورجلاه إلى القبلة (6) .

(1) أي لأن قراءة (يس) عند المحتضر يسهل عليه خروج الروح، لما فيها من ذكر تغير الدنيا، وزوالها وغير ذلك.

(2)

لفضلها، و {تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ} لفضلها أيضًا، وورد أنها المنجية من عذاب القبر. وقال أحمد: يقرأ عند الميت إذا حضر، ليخفف عنه بالقرآن.

(3)

قبل النزول به وتيقن موته، لأنه الذي عليه الناس، خلفًا عن سلف، وقال بعضهم: لا يوجه قبل النزول به، وتيقن موته، وبعد تيقن الموت يوجه إجماعًا.

(4)

ولحديث أبي قتادة أخرجه البيهقي وغيره، وأوضح منه قصة البراء بن معرور في إيصائه أن يوجه إلى القبلة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أصاب السنة» رواه الحاكم والبيهقي وغيرهما، وروي عن حذيفة أنه أمر أصحابه عند موته أن يوجهوه إلى القبلة، وكذا روي عن فاطمة وغيرها.

(5)

أي لتوجيهه على جنبه، للأدلة على توسد اليمين عند النوم، فإنه ينبغي أن يكون المحتضر كذلك، وهو مذهب الجمهور مالك وأبي حنيفة ووجه للشافعية.

(6)

أي وإن لم يكن المكان واسعًا لتوجيهه على جنبه، بل ضاق عن ذلك، فعلى ظهره مستلقيًا، ورجلاه إلى القبلة، كوضعه على مغتسله، وعنه: يوجه مستلقيًا على قفاه، سواء كان المكان واسعًا أو ضيقًا، اختاره أكثر أصحاب الأئمة وغيرهم، لأنه أيسر لخروج الروح، ولتغميضه، وشد لحييه، وأمنع من تقويس أعضائه، قال الموفق وغيره: ويحتمل أن يجعل على ظهر بكل حال.

ص: 19

ويرفع رأسه قليلاً، ليصير وجهه إلى القبلة (1)(فإذا مات سن تغميضه)(2) لأّنه عليه السلام أَغمض أَبا سلمة، وقال «إن الملائكة يؤمنون على ما تقولون» رواه مسلم (3) ويقول: بسم الله، وعلى وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم (4) ويغمض ذات محرم وتغمضه (5) وكره من حائض وجنب (6) .

(1) دون السماء، قاله جماعة، ولعله ما لم يشق.

(2)

إجماعًا، للخبر، لا قبله، فذكر أبو داود أن أبا ميسرة غمض جعفرًا المعلّم في حالة الموت فرآه في منامه يقول: أعظم ما كان علي تغميضك لي قبل الموت، ومات الإنسان يموت ويمات، فهو مَيَّت ومَيْت، إذا فارقت روحه جسده.

(3)

أول الحديث «إن الروح إذا قبض تبعه البصر، فلا تقولوا إلا خيرًا» أي فلا يتكلم من حضره إلا بخير، ولأحمد عن شداد مرفوعًا «إذا حضرتم الميت فأغمضوا البصر، فإن البصر يتبع الروح، وقولوا خيرًا، فإنه يؤمن على ما قال أهل الميت» ولأنها إذا لم تغمض بقيت مفتوحة، فيقبح منظره، ويساء به الظن، ويقال: أغمض عينيه وغمضها، لغتان، وفي قصة أبي سلمة قال صلى الله عليه وسلم «اللهم اغفر لأبي سلمة، وارفع درجته في المهديين، واخلفه في عقبه في الغابرين، واغفر لنا وله يا رب العالمين، وأفسح له في قبره، ونور له فيه» فينبغي أن يقال مثل ذلك.

(4)

يعني حال تغميضه، نص عليه، لما رواه البيهقي وغيره، عن بكر بن عبد الله المزني، ولفظه: وعلى ملة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

(5)

كأمه وأخته وأم زوجته، وأخته من رضاع، وكأبيها وأخيها، وظاهره لا يباح لغير محرم، ولعله إن أدى إلى لمسه، أو نظر ما لا يجوز، ممن لعورته حكم.

(6)

أي كره تغميض الميت من حائض أو جنب، نص عليه، وكره أن يقرباه

لعدم دخول الملائكة البيت الذي فيه جنب، وقيس الحائض على الجنب بجامع العذر.

ص: 20

وأن يقرباه (1) ويغمض الأنثى مثلها أو صبي (2)(وشد لحييه) لئلا يدخله الهوام (3)(وتليين مفاصله) ليسهل تغسيله (4) فيرد ذراعيه إلى عضديه، ثم يردهما إلى جنبيه ثم يردهما (5) ويرد ساقيه إلى فخذيه، وهما إلى بطنه، ثم يردهما، ويكون ذلك عقب موته، قبل قسوتها (6) فإن شق ذلك تركه (7) .

(1) لتحضره الملائكة، وحكى ابن المنذر الإجماع جوازه، ولكن الأولى أن يكون المتولي والحاضر طاهرًا، لأنه أكمل وأحسن.

(2)

أي يغمض الأنثى أنثى مثلها، أو صبي لم يبلغ الحلم.

(3)

أي ويسن إذا مات شد لحييه، بعصابة ونحوها، تجمع لحييه ويربطها فوق رأسه، وعن عمر لما حضرته الوفاة قال لابنه عبد الله: إذا رأيت روحي بلغت لهاتي، فضع كفك اليمنى على جبهتي، واليسرى تحت ذقني. ولئلا يبقى ذقنه مفتوحًا، ويتشوه خلقه، وتدخله الهام، أو الماء وقت غسله.

(4)

أي وينبغي تليين مفاصل أعضاء يديه ورجليه، جمع مفصل، ويكون عقب موته، قبل قسوتها، لبقاء الحرارة في البدن عقب الموت، فإنها إذا ألينت المفاصل حينئذ لانت، فسهل تغسيله، ولا يمكن تليينها بعد برودته.

(5)

ويرد أصابع يديه إلى كفيه ثم يبسطهما.

(6)

وبرودة أعضائه، فلا تلين عند الغسل.

(7)

أي فإن شق تليين مفاصله على ما تقدم، تركه، للأمر بالرفق به

ص: 21

(وخلع ثيابه) لئلا يحمي جسده فيسرع إليه الفساد (1)(وستره بثوب)(2) لما روت عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم حين توفي سجي ببرد حبرة، متفق عليه (3) وينبغي أن يعطف فاضل الثوب عند رأْسه ورجليه، لئلا يرتفع بالريح (4)(ووضع حديدة) أو نحوها (على بطنه)(5) .

(1) ويتغير بدنه بسببها، وربما خرجت منه نجاسة فلوثتها، واحترامًا له، وصونًا له عن الهوام.

(2)

أي ويسن ستر وجهه وسائر بدنه بثوب، إجماعًا.

(3)

وكانت وفاته صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين، لثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول، سنة عشر من هجرته صلوات الله وسلامه عليه، ودفن ليلة الأربعاء صلى الله عليه وسلم تسليمًا كثيرًا، و «سجي» بضم السين وشد الجيم المكسورة، أي غطي جميع بدنه، قال الجوهري: سجيت الميت تسجية، إذا مددت عليه ثوبًا. وحكمته صيانته من الانكشاف، وستر عورته المتغيرة عن الأعين، والتسجية بعد نزع ثيابه التي توفي فيها، والبرد أكسية معروفة، أو ثوب مخطط، والحبرة بكسر الحاء وفتح الباء، ثوب فيه أعلام، أي مخطط ومحسن.

(4)

وعلل الشافعية بأن لا ينكشف.

(5)

أي ويسن وضع حديدة كمرآة وسيف وسكين ونحوها، كقطع طين على بطنه، فوق ثوبه المسجي به، وهو مستلق على ظهره، وقال ابن عقيل وغيره: هذا لا يتصور إلا وهو على ظهره، فيجعل تحت رأسه شيء عال، ليحصل مستقبلاً بوجهه القبلة، وقدموا الحديد لأنه أبلغ في دفع النفخ.

ص: 22

لقول أنس: ضعوا على بطنه شيئًا من حديد، لئلا ينتفخ بطنه (1)(ووضعه على سرير غسله) لأنه يبعد عن الهوام (2)(متوجهًا) إلى القبلة، على جنبه الأيمن (3)(منحدرًا نحو رجليه) أي أن يكون رأسه أعلى من رجليه، لينصب عنه الماء وما يخرج منه (4) (وإسراع تجهيزه إن مات غير فجأَة) (5) لقوله عليه السلام:«لا ينبغي لجيفة مسلم أن تحبس بين ظهراني أهله» رواه أبو داود (6) .

(1) فيقبح منظره، رواه البيهقي وغيره، ولفظه: أنه مات مولى لأنس، عند مغيب الشمس، فقال أنس: ضعوا على بطنه حديدًا. وقدر بعضهم ما يوضع على بطنه بقدر عشرين درهمًا، ويصان عنه مصحف، وكتب حديث وفقه ونحوهما.

(2)

ويرتفع عن نداوة الأرض، لئلا يتغير بنداوتها، أو يحمي على فراش، فيتغير، فإن كانت الأرض صلبة، جاز جعله عليها، لزوال العلة وهو سرعة تغيره.

(3)

لما تقدم، وتقدم أنه يوضع على ظهره مستلقيًا.

(4)

أي من الميت، لئلا ينفجر بعد، ويستحب أن يلي ذلك منه أرفق الناس به بأرفق ما يقدر عليه.

(5)

أي يسن إسراع في تجهيزه، من غسل وتكفين وصلاة ودفن إجماعًا، فإن مات فجأة انتظر به من غدوة إلى الليل، نص عليه، وقال القاضي: يومين أو ثلاثة، ما لم يخف فساده، والفجاءة بضم الفاء والمد وكتمرة: الموت بغتة، من غير تقدم سبب من مرض وغيره، وتيقن موته أو من غير مرض ولا نزع ونحوه.

(6)

وعن علي نحوه، رواه أحمد وغيره، ويشهد له أيضًا أحاديث الإسراع بالجنازة، ولأنه أحفظ له، وأصون من التغير، قال أحمد: كرامة الميت تعجيله،

وأول الحديث «ما أراه إلا قد حدث فيه الموت، فإذا مات فآذنوني، حتى أصلي عليه، وعجلوا به، فإنه لا ينبغي» الخ.

ص: 23

ولا بأْس أن ينتظر به من يحضره، من وليه أو غيره، إن كان قريبًا، ولم يخش عليه، أو يشق على الحاضرين (1) فإن مات فجأَة (2) أَو شك في موته انتظر به حتى يعلم موته، بانخساف صدغيه (3) وميل أنفه، وانفصال كفيه (4) .

(1) نص عليه، لما يؤمل من الدعاء له إذا صلي عليه، ويباح إعلام الناس بموت قريبهم، للمبادرة لتهيئته، وشهود جنازته، والصلاة عليه وغير ذلك، بخلاف نعي الجاهلية، وهو النداء بموت الشخص، وذكر مآثره ومفاخره، قال ابن العربي وغيره: يؤخذ من مجموع الأحاديث في النعي ثلاث حالات، إعلام الأقارب والأصحاب وأهل الصلاح، فسنة، ودعوة الحفل للمفاخرة فتكره، والإعلام بنوع آخر كالنياحة ونحو ذلك فتحرم اهـ. ونعي النبي صلى الله عليه وسلم النجاشي في اليوم الذي مات فيه، ونعى الأمراء، «ونعى الميت» أخبر بموته، والنعي ليس ممنوعًا كله، وإنما نهي عما كان أهل الجاهلية يصنعونه، يرسلون من يعلن بخبر موت الميت، على أبواب الدور والأسواق.

(2)

أي بغتة بسبب صعقة أو هدم أو حرق، أو خوف من حرب أو سبع أو ترد من جبل، أو في بئر أو نحو ذلك، وكذا المطعون والمبطون، ونحوهم، انتظر به حتى يتيقن موته، بالعلامات الدالة عليه، لئلا يكون مغنى عليه، أو انطبق حلقه، أو غلب المرار عليه، أو غير ذلك.

(3)

وغيبوبة سواد عينيه في البالغين، وهو أقواها، والصدغ ما بين لحظ العين إلى أصل الأذن، مثل قفل.

(4)

أي انخلاعهما من ذراعيه، بأن تسترخي عصبة اليد، فتبقى كأنها منفصلة في جلدتها عن عظم الزند.

ص: 24

واسترخاء رجليه (1)(وإنفاذ وصيته) لما فيه من تعجيل الأَجر (2)(ويجب) الإسراع (في قضاءِ دينه)(3) .

(1) أي لينها واسترسالها، بعد خروج الروح لصلابتها قبله، وكذا امتداد جلدة وجهه، وجلدة خصيتيه لانشمارهما بالموت، وأوضح علامات موته تغير رائحته، ولا ريب أن هذه العلامات دالة على موته يقينًا، ووجه تأخير من مات فجأة، أوشك في موته احتمال أن يكون عرض له سكتة ونحوها، وقد يفيق بعد يوم أو يومين أو ثلاثة، وقد يعرف موت غير الفجأة بهذه العلامات أيضًا وغيرها، وموت الفجأة أشق، وفيه أثر، ولأحمد، قال: أكره موت الفوات، ولعله لما فيه من خوف حرمان الوصية، وفوات الاستعداد للمعاد، بالتوبة وغيرها من الأعمال الصالحة، وعن عائشة وابن مسعود: موت الفجأة راحة للمؤمن، وأسف على الفاجر. وذكر المدائني: أن الخليل وجماعة من الأنبياء ماتوا فجأة، قال: وهو موت الصالحين، وهو تخفيف على المؤمنين، وقد يقال: إنه لطف ورفق بأهل الاستعداد للموت، وغضب ممن له تعلقات يحتاج إلى إيصاء وتوبة، وفي الخبر «المحروم من حرم وصيته» فينبغي لولده أن يستدرك من أعمال البر ما أمكنه، مما يقبل النيابة.

وينبغي أن لا يترك الميت في بيت وحده، قال الآجري فيمن مات عشية: يكره تركه في بيت وحده، بل يبيت معه أهله. وقال النخعي: كانوا لا يتركونه في بيت وحده، يقولون: يتلاعب به الشيطان.

(2)

وقدمها تعالى على الدين حثًا على إخراجها لم أشبهت الميراث، في كونها بلا عوض، وكان في إخراجها مشقة على الوارث، ولذلك جيء بكلمة «أو» التي تقتضي التسوية، فاستويا في الاهتمام، وعدم التضييع، وإن كان الدين مقدمًا عليها.

(3)

وما فيه إبراء ذمته، قبل الصلاة عليه، لتركه عليه الصلاة والسلام الصلاة على من عليه دين، وقوله «صلوا على صاحبكم» فإن تعذر قضاء دينه في الحال استحب لوارثه أو غيره أن يتكفل عنه، لئلا يحبس على دينه.

ص: 25

سواءٌ كان لله تعالى أو لآدمي (1) لما روى الشافعي وأحمد والترمذي وحسنه عن أبي هريرة مرفوعًا: «نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه» (2) ولا بأس بتقبيله والنظر إليه، ولو بعد

تكفينه (3) .

(1) أي سواء كان الدين على الميت لله تعالى، من زكاة أو حج أو نذر طاعة أو كفارة ونحو ذلك، أو كان لآدمي، كرد أمانة وغصب وعارية وغير ذلك، وسواء أوصى بذلك أو لم يوص به، ويقدم على الوصية اتفاقًا، وإنما قدم ذكرها في القرآن لمشقة إخراجها على الوارث، فقدمت حثًا على الإخراج، لا تقديمًا لها على قضاء الدين، كما هو معروف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم واستمر عمل المسلمين عليه.

(2)

أي مطالبه بما عليه، ومحبوسة عن مقامها، حتى يقضى عنه، والنفس لها ثلاث معان (أحدها) بدنه، (الثاني) الدم في جسد الحيوان، (الثالث) الروح الذي إذا فارق البدن لم يكن بعده حياة، وهو المراد بالنفس في هذا الحديث. ولأحمد عن سمرة «إن صاحبكم محتبس على باب الجنة في دين عليه» أي حتى يقضي عنه وارثه ونحوه، ففيه الحث على إسراع قضائه، ولحديث: قضى النبي صلى الله عليه وسلم بالدين قبل الوصية. وهو مقيد بمن له مال يقضى منه دينه، ومن لا مال له ومات عازمًا على القضاء فقد ورد أحاديث تدل على أن الله يقضي عنه بل محبته لقضائه موجبة لقضاء الله عنه، وأن يقضي عنه من بيت مال المسلمين.

(3)

ممن يباح له ذلك في حال الحياة، نص عليه، لحديث عائشة قالت: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل عثمان بن مظعون، وهو ميت، حتى رأيت الدموع تسيل. وقال جابر: لما قتل أبي جعلت أكشف الثوب عن وجهه، وأبكي، والنبي صلى الله عليه وسلم لا ينهاني. قال الشارح وغيره: والحديثان صحيحان. ولتقبيل أبي بكر للنبي صلى الله عليه وسلم ولم ينكر، فكان إجماعًا.

ص: 26

فصل (1)

(غسل الميت) المسلم (2)(وتكفينه) فرض كفاية (3) لقول النبي صلى الله عليه وسلم في الذي وقصته راحلته «اغسلوه بماءٍ وسدر، وكفنوه في ثوبيه» متفق عليه عن ابن عباس (4)(والصلاة عليه) فرض كفاية (5) .

(1) في غسل الميت وما يتعلق به.

(2)

مرة، أو ييمم لعذر من عدم الماء، أو عجز عن استعماله لخوف نحو تقطع أو تهرّ، فرض كفاية إجماعًا، على من علم به وأمكنه، وخالف بعض المالكية، ورد ابن العربي وغيره على من لم يقل به، وقد توارد به القول والعمل، وغُسَّلَ الطاهرُ فكيف بمن سواه، وهو حق لله تعالى، فلو أوصى بعدمه لم يسقط، وإن لم يعلم به إلا واحد تعين عليه، وكذا جار بقربه.

(3)

بإجماع المسلمين على كل من أمكنه، على ما تقدم في تغسيله، وقد تواتر به القول والعمل، كما قاله ابن العربي وغيره.

(4)

وأول الحديث: بينما رجل واقف مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرفة، إذا وقع عن راحلته فأوقصته، أي ألقته عن ظهرها، والوقص كسر العنق، فقال «اغسلوه» الخ، وأجمعوا على وجب تغسيله بالماء مع القدرة، وعلى استحباب جعل سدر في الماء، وعلى وجوب التكفين، كما هو نص الخبر وغيره، و «ثوبيه» إزاره ورداؤه.

(5)

بإجماع المسلمين.

ص: 27

لقوله عليه السلام: «صلوا على من قال لا إله إلا الله» رواه الخلال والدارقطني، وضعفه ابن الجوزي (1) (ودفنه فرض كفاية) (2) لقوله تعالى {ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ} قال ابن عباس: معناه أكرمه بدفنه (3) وحمله أيضًا فرض كفاية (4) وإتباعه سنة (5) وكره الإمام للغاسل أخذ أجرة على عمله إلا أن يكون محتاجًا، فيعطى من بيت المال (6) .

(1) وله طرق لا تخلو من مقال، وهو عند أبي نعيم وغيره، ومن قال: لا إله إلا الله. عالمًا بمعناها، عاملاً بمقتضاها، فهو مسلم، وهو إجماع، ويصلي عليه، ولو أصاب شيئًا من المعاصي دون الشرك، ويأتي.

(2)

إجماعًا، وتقدم معنى فرض الكفاية أنه من فعله من فيه كفاية سقط الحرج عن الباقين، وإن تركوه كلهم أثموا كلهم.

(3)

ولم يجعله ملقى للسباع والطيور، وهذا مكرمة لبني آدم، دون سائر الحيوانات. وقال تعالى {أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ كِفَاتًا * أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا} وقد أرشد الله قابيل إلى دفن أخيه هابيل {فَبَعَثَ اللهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ} فكانت سنة في سائر بني آدم، ويذكر أن الغراب وكثيرًا من السباع إذا أحس بالموت غيب جثته، في مكان لا يطلع عليه غالبًا. ولأن في ترك جثة ابن آدم أذى للناس، وهتكًا لحرمته، فوجب دفنه، قال الموفق وغيره: لا نعلم فيه خلافًا.

(4)

إجماعًا، لأنه وسيلة لدفنه، والوسائل لها حكم الغايات.

(5)

ويأتي الندب إليه.

(6)

لأنه لمصالح المسلمين، وهذا منها، والظاهر ما يختص أن يكون فاعله من أهل القربة كما يأتي في الإجارة. والغسل ليس مختصًا، لصحة الغسل من الكافر، إذا حصل مسلم ينوبه.

ص: 28

فإن تعذر أعطي بقدر عمله، قاله في المبدع (1) والأفضل أن يختار لتغسيله ثقة، عارف بأحكامه (2)(وأولى الناس بغسله وصيه) العدل (3) لأن أبا بكر أوصى أن تغسله امرأته أسماء (4) وأوصى أنس أن يغسله محمد بن سيرين (5)(ثم أبوه) لاختصاصه بالحنو والشفقة (6) .

(1) وقال في الإقناع: يكره أخذ أجرة على شيء من ذلك، يعني الغسل والتكفين والحمل والدفن، ويأتي في الإجارة أن كل عمل يختص أن يكون فاعله من أهل القربة، لا يجوز أخذ الأجرة عليه، وأما الصلاة عليه فيحرم أخذ الأجرة عليها، قولاً واحدًا.

(2)

ونقل حنبل: لا ينبغي إلا ذلك. وأوجبه أبو المعالي.

(3)

قال الخلوتي: يتجه ولو ظاهرًا، وظاهره ولو كان أنثى. اهـ. وكذا غير الوصي لعدم الفرق.

(4)

أخرجه مالك في الموطأ، ولا نزاع في جوازه، حكاه أحمد وابن المنذر وابن عبد البر وغيرهم، ويشهد له قول عائشة: لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما غسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا نساؤه. رواه أحمد وغيره. وأسماء هي بنت عميس الخثعمية، أسلمت قديمًا بمكة، وهاجرت مع جعفر، ثم تزوجها بعده أبو بكر، ثم علي رضي الله عنهم.

(5)

الأنصاري الثقة العابد، كبير القدر المتوفي سنة عشر ومائة، ولأنه حق للميت، فقد فيه وصيه على غيره، كباقي حقوقه.

(6)

أي لاختصاص الأب بالعطف والشفقة عليه، «وأشفق على الشيء» خاف عليه ووجل.

ص: 29

(ثم جده) وإن علا، لمشاركته الأب في المعنى (1)(ثم الأقرب فالأقرب من عصباته)(2) فيقدم الابن، ثم ابنه وإن نزل (3) ثم الأخ لأبوين، ثم الأخ لأب، على ترتيب الميراث (4)(ثم ذووا أرحامه) كالميراث (5) ثم الأجانب (6) وأجنبي أولى من زوجة وأمة (7) وأجنبية أولى من زوج وسيد (8) .

(1) وجاء اسمه به في الكتاب والسنة.

(2)

لقوله عليه الصلاة والسلام «ليلة أقربكم، إن كان يعلم» رواه أحمد وغيره.

(3)

لقربه، ولما يأتي أن من البر أن يصلي عليه، فالتغسيل كذلك، وهو أحنى العصبة.

(4)

فيقدم عم لأبوين، ثم لأب وهكذا، ثم المعتق ثم عصبته الأقرب فالأقرب.

(5)

فالأخ لأم، والجد لها، والعم لها، وابن الأخت ونحوهم.

(6)

ويقدم الأصدقاء منهم، ثم غيرهم الأدين، لقوله عليه الصلاة والسلام «ليلة أقربكم إن كان يعلم، فإن لم يكن يعلم فمن ترون عنده حظًا من ورع وأمانة» رواه أحمد، ويقدم الجار على أجنبي وفاقًا، لا على صديق.

(7)

للخروج من الخلاف في تغسيلهما الزوج والسيد، لكن قال النووي وغيره: إنما هي رواية عن أحمد، فإن ثبتت فمحجوج بالإجماع. اهـ. وأكثر الأصحاب لم يذكروا هذه الرواية عنه رحمهم الله، منهم القاضي والشريف، وأبو الخطاب والشيرازي وغيرهم.

(8)

خروجًا من الخلاف في منعه غسلها، وبعض الأصحاب لم يذكر خلافًا، قياسًا له عليها، ولأحمد وغيره عن عائشة: أنه صلى الله عليه وسلم قال «ما ضرك لو مت قبلي فغسلتك، وكفنتك، ثم صليت عليك ودفنتك» .

ص: 30

زوج أولى من سيد (1) وزوجة أولى من أم ولد (2)(و) الأولى (ب) ـغسل (أنثى وصيتها) العدل (3)(ثم القربى فالقربى من نسائها)(4) فتقدم أمها وإن علت (5) ثم بنتها وإن نزلت (6) ثم القربى كالميراث (7) وعمتها وخالتها سواء (8) وكذا بنت أخيها وبنت أختها، لاستوائهما في القرب والمحرمية (9)(ولكل) واحد (من الزوجين) إن لم تكن الزوجة ذمية (غسل صاحبه)(10)

(1) يعني إذا ماتت رقيقة مزوجة، فزوجها أولى بغسلها من سيدها، لإباحة استمتاعه بها، إلى حين موتها، بخلاف سيدها.

(2)

أي إذا مات رجل له زوجة وأم ولد، فزوجته أولى بغسله من أم ولده، لبقاء علقة الزوجية من الإعداد والإحداد.

(3)

ولو ظاهرًا، كما تقدم في الرجال.

(4)

لما رواه البيهقي وغيره، عن أم سليم مرفوعًا «وليس غسلها أولى الناس بها، وإلا فامرأة ورعة» .

(5)

كأم أمها وهكذا.

(6)

وبنت ابنها وإن نزل.

(7)

فيقدم منهن من يقدم بالإرث.

(8)

لاستوائهما في الميراث.

(9)

ثم الأجنبيات كما في الرجال.

(10)

فتغسل المرأة زوجها، حكاه أحمد وابن المنذر وجماعة إجماعاً، وحكاه الوزير اتفاقًا، ويغسل زوجته، وفاقًا لمالك والشافعي وجمهور العلماء، وخالف أبو حنيفة، لزوال الزوجية، والمعتمد القياس على غسلها له، واحترز عن الذمية، لأنها ليست أهلاً لغسله.

ص: 31

لما تقدم عن أبي بكر، وروى ابن المنذر أن عليًا غسل فاطمة (1) ولأن آثار النكاح من عدة الوفاة والإرث باقية، فكذا الغسل (2) ويشمل ما قبل الدخول (3) وأنها تغسله وإن لم تكن في عدة، كما لو ولدت عقب موته (4) والمطلقة الرجعية إذا أُبيحت له (5)(وكذا سيدمع سريته) أي أمته المباحة له، ولو أم ولد (6) .

(1) واشتهر، ولم يقع من سائر الصحابة إنكار على علي وأسماء، فكان إجماعًا، وغسل أبو موسى زوجته، رواه أحمد، وأوصى جابر وعبد الرحمن ابن الأسود امرأتيهما أن تغسلاهما، رواهما سعيد، ولأحمد عن عائشة: لو استقبلت

من أمري ما استدبرت ما غسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا نساؤه. وتقدم.

(2)

أي يصير باقيًا، كبقاء آثار النكاح.

(3)

أي يشمل كلام الماتن لو مات أحد الزوجين قبل الدخول، لثبوت المحرمية بالعقد.

(4)

أي ولم تتزوج.

(5)

أي والمطلقة الرجعية تغسل زوجها، إن قلنا مباحة، أي لم تلزمها عدة من غيره، وإلا فلا، جزم به في المغني، وأما إذا وطئت بشبهة فلا.

(6)

ومدبرة ومكاتبة، ذكره جماعة، وفاقًا لجمهور العلماء، مالك والشافعي وغيرهما، وسواء شرط وطء المكاتبة أو لا، لأنه يلزمه كفنها، ومؤونة تجهيزها، قال في الفروع: ومتى جاز، نَظَرَ كل منهما غير العورة. اهـ. ولا يجوز أن يغسل الرجل أمه وابنته، وغيرهما من محارمه، وفاقًا لأبي حنيفة، وقال الموفق وغيره: هو قول أكثر أهل العلم، وأجازه مالك والشافعي عند الضرورة، وقالوا: إنه كالرجل بالنسبة إليه في العورة والخلوة، واستعظمه أحمد وغيره، ولم يعجبهم وذلك أنها محرمة حال الحياة، فكذا بعد الموت، والسرية قال الجوهري: هي الأمة التي بوأتها بيتًا، منسوبة إلى السر وهو الجماع أو الإخفاء، لأن الإنسان كثيرًا ما يسرها ويسترها عن امرأته، وضمت سينه لأن الأبنية قد تغير في النسبة خاصة، وسمي الجماع سرًا لأنه يكون في السر، وليس لآثم بقتل حق في غسل مقتول.

ص: 32

(ولرجل وامرأة غُسْل من له دون سبع سنين فقط) ذكرًا كان أو أنثى (1) لأنه لا عورة له (2) ولأن إبراهيم ابن النبي صلى الله عليه وسلم غسله النساء (3) فتغسله مجردًا، من غير سترة، وتمس عورته، وتنظر إليها (4)(وإن مات رجل بين نسوة) ليس فيهن زوجة ولا أمة مباحة له يمم (5) .

(1) قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه أن المرأة تغسل الصبي الصغير، فتغسله مجردًا، من غير سترة، وتمس عورته، وتنظر إليها، وكذا قال مالك: سبع سنين. ومذهب الشافعية ما لم يبلغا حدًا يشتهيان فيه.

(2)

أي في الحياة، فكذا بعد الموت.

(3)

ذكر ابن المنذر أنها مرضعته، فدل على جوازه، وذكر ابن كثير أن عليًا هو الذي غسله، ورواه أحمد وغيره.

(4)

لأن عورته لا حكم لها في حياته، فكذا بعد وفاته، وليس لرجل غسل ابنة سبع فأكثر، ولو محرمًا، ولا لامرأة غسل ابن سبع فأكثر ولو محرمًا، غير ما تقدم.

(5)

وفاقًا بحائل، فإن كان فيهن صغيرة تطيق الغسل علموها وباشرت غسله، نص عليه، وقال المجد: لا أعلم فيه خلافًا.

ص: 33

(أو عكسه) بأن ماتت امرأة بين رجال، ليس فيهم زوج ولا سيد لها (يممت (1) كخنثى مشكل) لم تحضره أمة له فييمم (2) لأنه لا يحصل بالغُسل من غير مَسّ تنظيف، ولا إزالة نجاسة، بل ربما كثرت (3) وعلم منه أنه لا مدخل للرجال في غُسْل الأقارب من النساء، ولا بالعكس (4)(ويحرم أن يغسل مسلم كافرًا)(5) وأن يحمله، أو يكفنه، أو يتبع جنازته، كالصلاة عليه (6) .

(1) وفاقًا بحائل، ويحرم بدونه لغير محرم، فإن كان فيهم صبي لا شهوة له علموه الغسل وباشره، نص عليه وفاقًا، وفي الهداية: لا أعلم فيه خلافًا. وتأمل ما يأتي من عدم اشتراط مباشرة الغاسل، وما في النكاح من جواز لم ونظر من يلي خدمة مريض ولو أنثى في وضوء واستنجاء إلى آخره، وروي عن الأوزاعي: يغسل في ثوب، ويلف الغاسل خرقة.

(2)

وفاقًا، فإن كان معهم صغير أو صغيرة باشر الغُسْل اتفاقًا.

(3)

وفيه نظر، لأنه لو حضر من يصلح لغسل الميت، ونوى وترك تحت ميزاب ونحوه أجرأ، حيث عممه.

(4)

أي ولا مدخل النساء في غُسْل الأقارب من الرجال.

(5)

وفاقًا لمالك، سواء كان قريبًا لهم أو لا، لأنه لا يصلي عليه، ولا يدعو له، فلم يكن له غُسله، ولأن غسله تعظيم وتطهير، أشبه الصلاة عليه.

(6)

أي يحرم أن يحمل المسلم الكافر، ويحرم عليه أن يكفنه، ويحرم عليه أن يتبع جنازته، كما أنه يحرم عليه الصلاة عليه. بإجماع المسلمين.

ص: 34

لقوله تعالى {لا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ} (1)(أو يدفنه) للآية (2)(بل يوارى) وجوبًا (لعدم) من يواريه (3) لإلقاء قتلى بدر في القليب (4) ويشترط لغسله طهورية ماء، وإباحته (5) .

(1) ولعنهم، واستحقوا الطرد والإبعاد، فدل عمومها على تحريم حمل جنازة الكافر، أو تكفينه، أو اتباع جنازته، كالصلاة عليه، لقوله تعالى {ولا وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ} وقوله {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ} الآية.

(2)

ولأن ابن اليهودي لما أسلم عند موته: قال صلى الله عليه وسلم «لو أخاكم» وللنهي عن موالاة الكفار في غير موضع من الكتاب والسنة، وغسله وحمله وتكفينه واتباع جنازته تعظيم له، فلم يجز، كالصلاة عليه، وما روي في غسل أبي طالب. فقال ابن لمنذر وغيره: ليس في غسل المشرك سنة تتبع، وذكروا حديث علي بالمواراة فقط.

(3)

من أقاربه الكفار أو من الكفار، فيلقيه في حفرة، ويواري جثته لئلا يتضرر به، وهو متعين قطعًا.

(4)

رواه البخاري وغيره، ولقوله عليه الصلاة والسلام لعلي لما أخبر بموت أبي طالب «اذهب فواره» رواه أبو داود والنسائي والشافعي وغيرهم، ولا فرق بين الحربي والذمي والمستأمن والمرتد في ذلك، لأن تركه مثلة به، وقد نهي عنها، ولأنه يتضرر به، وكذا كل صاحب بدعة مكفرة يوارى لعدم، ولا يغسل ولا يصلى عليه، ولا تتبع جنازته، ومن جهل إسلامه ووجد عليه علامة المسلمين غُسِل وصلي عليه وفاقًا، ولو أقلف بدارنا، لا بدار حرب، بلا علامة نص عليه.

(5)

كباقي الأغسال.

ص: 35

وإسلام غاسل، إلا نائبًا عن مسلم نواه (1) وعقله ولو مميزًا (2) أو حايضًا أو جنبًا (3)(وإذا أخذ) أي شرع (في غسله ستر عورته) وجوبًا، وهي ما بين سرته وركبته (4)(وجرده) ندبًا، لأنه أمكن في تغسيله، وأبلغ في تطهيره (5) .

(1) أي ويشترط لغُسْله إسلام غاسل، لاعتبار نية، ولا يصح من كافر، وحكي إجماعًا، وقيل: يصح إذا كان الكافر نائبًا عن مسلم نوى غسله. وقدمه في الفروع، وظاهر كلام أحمد لا يصح مطلقًا، لقوله عليه الصلاة والسلام «لو أخاكم» ولأن الغسل عبادة، وليس الكافر من أهلها، ولأنه نجس، فلا يطهر غسله المسلم، وهذا مذهب جمهور أهل العلم، أبي حنيفة ومالك وغيرهما، وقول الشافعي.

(2)

فيعتبر العقل وفاقًا، ولو كان الغاسل مميزًا، فإنه لا يشترط بلوغه، لصحة غسله لنفسه.

(3)

بلا كراهة، وفاقًا لأبي حنيفة والشافعي، لصحة غُسْله بنفسه، ولأنه لا يشترط في الغاسل الطهارة، ولأنهما طاهران، وكره مالك الجنب، ويغسل حلال محرمًا، وعكسه وفاقًا، ولا تعارض بين الحكم بعدم كراهة ذلك، وبين الحكم بكراهة قربانهما للميت، لأذية الملائكة التي تحضره لأخذ الروح.

(4)

على ما تقدم من حدها، ولحديث علي «ولا تنظر إلى فخذ حي ولا ميت» رواه أبو داود، قال الموفق وغيره: يجب ستر عورته، بغير خلاف علمناه. وهذا فيمن له سبع سنين فأكثر، وتقدم أن عورة ابن سبع إلى عشر الفرجان، ولم يستحب مالك والشافعي والجمهور تغطية وجهه، ونقل عن ابن سيرين.

(5)

وأشبه بغسل الحي، وأهون له التنجيس، إذ يحتمل خروجها منه،

ولفعل الصحابة، بدليل قولهم: كما نجرد موتانا. ولا بد أن يكون أمرهم به،

أو أقرهم عليه، فإن قولهم يدل على ذلك، وكأنه إجماع منهم، بل حكي إجماعًا منهم، والمراد: سوى عورته، وهذا مذهب مالك وأبي حنيفة، ولو غسل في قميص خفيف، واسع الكمين ونحوهما جاز، وتجريده أمكن لتطهيره.

ص: 36

وغسل صلى الله عليه وسلم في قميص (1) لأن فضلاته طاهرة، فلم يخش تنجس قميصه (2)(وستره عن العيون)(3) تحت ستر في خيمة أو بيت (4) إن أمكن، لأنه أستر له (5) .

(1) يصبون الماء فوق القميص، ويدلكون بالقميص، دون أيديهم، رواه أحمد وأبو داود، وذلك أنهم اختلفوا هل يجردونه صلى الله عليه وسلم أو لا؟ فأوقع الله عليهم النوم، حتى ما منهم رجل إلا وذقنه في صدره، ثم كلمهم مكلم من ناحية البيت، لا يدرون من هو: غسلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه ثيابه. فقاموا فغسلوه وعليه قميص، الحديث.

(2)

ولأنه صلى الله عليه وسلم طيب حيًا وميتًا، والصواب أنه لعظم حرمته صلوات الله وسلامه عليه، وهو من خصائصه صلى الله عليه وسلم، واحتمال المفسدة منتفية في حقه صلى الله عليه وسلم.

(3)

أي ويسن ستر الميت حال الغسل عن العيون، لأن جميعه صار عورة، فلهذا شرع ستر جميعه، لأنه ربما كان به عيب يستره في حياته، أو تظهر عورته، ولأنه يكره النظر إلى الميت إلا لحاجة.

(4)

وذكر القاضي عن عائشة: غسلنا بعض بنات النبي صلى الله عليه وسلم، فأمرنا أن نجعل بينها وبين السقف ثوبًا، وأوصى به الضحاك، واستحبه ابن سيرين وغيره، لئلا يستقبل السماء بعورته.

(5)

أي من جميع جهاته، حتى من جهة السماء، وإن لم يكن فظاهره الجواز. ويكره النظر إليه لغير حاجة، حتى الغاسل، فلا ينظر إلا لما لا بد منه غير العورة.

ص: 37

(ويكره لغير معين في غُسْله حضوره)(1) لأنه ربما كان في الميت ما لا يحب إطلاع أحد عليه (2) والحاجة غير داعية إلى حضوره، بخلاف المعين (3)(ثم يرفع رأسه) أي رأس الميت (4) غير أنثى حامل (5)(إلى أقرب جلوسه) بحيث يكون كالمحتضن في صدر غيره (6) . (ويعصر بطنه برفق) ليخرج ما هو مستعد للخروج (7) .

(1) إلا لضرورة، وأما العورة فيحرم مطلقًا، وقال ابن عقيل: لا يجوز أن يحضره إلا من يعين في أمره، لأن جميعه صار عورة، فلهذا شرع ستر جميعه بالكفن، فيحرم نظره. اهـ.

وأما وجهه فحكي في الفروع وغيره كراهة تغطيته اتفاقًا، والمراد حال الغسل، بخلاف التسجية كما تقدم.

(2)

فيتحدث به، فيكون فضيحة.

(3)

أي بصب ونحوه، فله الدخول عليه كيف شاء، ويستحب خضب لحية رجل، ورأس امرأة بحناء، ولو غير شائبين، لقول أنس: اصنعوا بموتاكم ما تصنعون بعرائسكم.

(4)

برفق، في أول غسله، وفاقًا لمالك والشافعي، وعند أبي حنيفة بعد الغُسْل.

(5)

فلا يرفع رأسها، ولا يعصر بطنها، لئلا يتأذى الولد، ولحديث أم سليم مرفوعًا «إذا توفيت المرأة، فأرادوا غسلها، فليبدأ ببطنها، فليمسح مسحًا رفيقًا،

إن لم تكن حبلى، فإن كانت حبلى فلا تحركها» رواه الخلال وابن خزيمة والبيهقي.

(6)

ولا يشق عليه، يل يحنيه حنيًا رفيقًا، ولا يبلغ به الجلوس، لأن في الجلوس أذية له.

(7)

أي يعصر بطن الميت، فيمر يده على بطنه، ليخرج ما معه من نجاسة،

كيلا يخرج بعد ذلك، ويكون مسحًا رفيقًا، لأن الميت في محل الشفقة والرحمة، ولقوله صلى الله عليه وسلم «إن كسر عظم الميت ككسره حيًا» رواه أحمد وغيره، ورجاله رجال الصحيح، وفيه دليل على وجوب الرفق بالميت في غسله، وتكفينه وحمله وغير ذلك.

ص: 38

ويكون هناك بخور (1)(ويكثر صب الماء حينئذ) ليدفع ما يخرج بالعصر (2)(ثم يلف) الغاسل (على يده خرقه (3) فينجيه) أي يمسح فرجه بها (4)(ولا يجعل مس عورة من له سبع سنين) بغير حائل، كحال الحياة (5) لأن التطهير يمكن بدون ذلك (6) .

(1) أي ويكون في المكان الذي يغسل فيه الميت بَخُور، على وزن رسول، ما يتبخر به أي يتدخن به من عود ونحوه، لئلا يتأذى برائحة الخارج.

(2)

ولا تظهر رائحته فيتأذى بها.

(3)

خشنة، أو يدخل يده في كيس، لئلا يمس عورته، لأن النظر إلى العورة حرام، فمسها بطريق الأولى، وذكر المروذي عن أحمد أن عليًا حين غسل النبي صلى الله عليه وسلم لف على يده خرقة، حين غسل فرجه.

(4)

كما يستنجي الحي وفاقًا، إزالة للنجاسة، وطهارة للميت، من غير تعدي النجاسة إلى الغاسل.

(5)

إجماعًا، ولا يحل النظر إليها إجماعًا، وقال ابن القيم وغيره: يكره لمس بدن الميت لغير غاسله، لأن بدنه بمنزلة عورة الحي، تكريمًا له.

(6)

أي بدون مس عورته مباشرة بلا حائل، وتقدم استعمال علي للحائل، في غسل فرج النبي صلى الله عليه وسلم ولا خلاف في ذلك.

ص: 39

(ويستحب أن لا يمس سائره إلا بخرقة) لفعل علي مع النبي صلى الله عليه وسلم (1) فحينئذ يعد الغاسل خرقتين، إحداهما للسبيلين، والأُخرى لبقية بدنه (2)(ثم يوضيه ندبًا) كوضوئه للصلاة (3) لما روت أم عطية أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في غسل ابنته «ابدأن بميامنها، ومواضع الوضوء منها» رواه الجماعة (4) وكان ينبغي تأخيره عن نية الغسل، كما في المنتهى وغيره (5) .

(1) رواه أبو داود عن عائشة أنهم غسلوه وعليه قميص، يصبون عليه الماء، ويدلكونه من فوقه، وليأمن مس العورة المحرم مسها، ولأن ما فعل به صلى الله عليه وسلم أكمل، وهو مذهب الشافعي، ولم يستحبه مالك وأبو حنيفة.

(2)

استحبابًا، لئلا يتلوث بالمنجي بها، ويجب غسل نجاسة بالميت، لأن المقصود بغُسْله تطهيره.

(3)

ما خلا المضمضة والاستنشاق، قال أحمد: لأنه لا يؤمن منهما وصول الماء إلى جوفه، فيفضي إلى المثلة، وربما حصل منه الانفجار، أو يفسد وضوءه، واستثنى الماتن ذلك بقوله: ولا يدخل الماء؛ الخ.

(4)

«ابدأن بميامنها» أي في الغسلات التي لا وضوء فيها «ومواضع الوضوء» أي في الغسلة المتصلة بالوضوء، وابنته صلى الله عليه وسلم هي زينب، كما في صحيح مسلم، وفي غيره أم كلثوم، ويمكن الجمع، فإن ابن عبد البر وغيره جزموا بأن أم عطية غاسلة الميتات.

(5)

كالإقناع، وذلك لأن محل استحباب الوضوء بعد نية الغُسْل.

ص: 40

(ولا يدخل الماء في فيه ولا في أنفه) خشية تحريك النجاسة (1)(ويدخل أصبعيه) إبهامه وسبابته (مبلولتين) أي عليهما خرقة مبلولة (بالماء بين شفيته فيمسح أسنانه (2) وفي منخريه فينظفهما) (3) بعد غسل كفي الميت (4) فيقوم المسح فيهما مقام غسلهما، خوف تحريك النجاسة، بدخول الماء جوفه (5)(ولا يدخلهما) أي الفم والأنف (الماء) لما تقدم (6) .

(1) لأنه إذا وصل الماء إلى جوفه حركه.

(2)

ويزيل ما عليها، ويكون ذلك برفق، ولا يرفع أسنانه بعضها عن بعض، بل يمضمضه فوقها، لقوله تعالى {فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} .

(3)

بإزالة ما عليهما من الأذى، لقوله «ومواضع الوضوء منها» فاقتضى أن يمضمضه وينشقه، وقياسًا على الوضوء، وهو مذهب جمهور العلماء، و «منخريه» تثنية منخر بفتح الميم وكسر الخاء نقب الأنف.

(4)

يعني فغسل كفيه هو أول ما يبدأ به من توضئته كالحي.

(5)

أي فيقوم المسح في أسنانه ومنخريه مقام غسلهما حال الحياة، خوف تحريك النجاسة التي في جوفه، بسبب دخول الماء إلى جوفه، والمسح يقوم مقام الغسل في مواضع، للحاجة إليه.

(6)

من قوله: خشية تحريك النجاسة. قال الموفق وغيره: في قول أكثر أهل العلم، ثم يغسل وجهه ويتمم وضوءه، وكما أن الحي يبدأ بالوضوء في غسله.

ص: 41

(ثم ينوي غسله) لأنه طهارة تعبدية، فاشترطت له النية، كغسل الجنابة (1)(ويسمي) وجوبًا، لما تقدم (2)(ويغسل برغوة السدر) المضروب (رأسه ولحيته فقط)(3) لأن الرأس أشرف الأعضاء (4) والرغوة لا تتعلق بالشعر (5)(ثم يغسل شقه الأيمن ثم) شقه (الأيسر) للحديث السابق (6) .

(1) ولأنها إنما أوجبت على الغاسل لتعذرها من الميت، ولو لم تعتبر لما وجب غُسْل منظف، وصححه الموفق والشارح وغيرهما، وهو قول الجمهور.

(2)

من قوله: كغسل الجنابة. وعليه فتسقط سهوًا وجهلاً.

(3)

قدمه في الفروع وغيره، وفي المبدع وغيره: وسائر جسده، لقوله «اغسلوه بماء سدر» ولقصة غسل ابنته صلى الله عليه وسلم، والرغوة مثلثة الراء معروفة، وزبد كل شيء رغوته، وعين الشارع السدر لأن فيه مادة حادة تشبه الصابون.

(4)

ولهذا جعل كشفه شعار الإحرام، وهو مجمع الحواس الشريفة.

(5)

وتزيل الدرن، فناسب ذلك، ولتزول الرغوة بممر جري الماء عليها، بخلاف ثفل السدر، ويغسل باقي بدنه بالثفل.

(6)

وهو قوله «ابدأن بميامنها» فيبدأ بالشق الأيمن المقبل، من عنقه وصدره وفخذه وساقه، ثم يغسل شقه الأيسر كذلك، مرة في دفعتين، وقيل مرة في أربع، يده اليمنى، وصفحة عنقه، وشق صدره، وفخذه وساقه، ثم الأيسر كذلك، ثم يرفعه من جانبه الأيمن فيغسل الظهر وما هناك، من وركه وفخذه وساقه، ثم الأيسر كذلك، قال أبو البركات: والأول أقرب إلى قوله «ابدأن بميامنها» وأشبه بغسل الجنابة، وكيفما فعل أجزأ، ولا يكبه على وجهه، إكرامًا له.

ص: 42

(ثم) يغسله (كله) يفيض الماء على جميع بدنه (1) يفعل ما تقدم (ثلاثًا) إلا الوضوء ففي المرة الأولى فقط (2)(يمر في كل مرة) من الثلاث (يده على بطنه) ليخرج ما تخلف (3)(فإن لم ينق بثلاث) غسلات (زيد حتى ينقي (4) ولو جاوز السبع) (5) .

(1) ويكون ذلك غسلة واحدة.

(2)

فإنه ليس للغاسل أن يوضئه في أول كل غسلاته، إن لم يخرج منه شيء، فإن خرج منه شيء أعاد وضوءه وندبية غسله ثلاثًا، امتثالاً لقول صلى الله عليه وسلم «اغسلنها ثلاثًا» وفيه «إن رأيتن ذلك، بماء وسدر» واستحب أحمد وغيره كونه في الثلاث الغسلات، وقال: هو أنقى.

(3)

ويأمن من فساد الغسل بما يخرج منه بعد.

(4)

أي فإن لم ينق الغسل الوسخ بثلاث غسلات زيد حتى ينقي، وفاقًا، و «ينقي» بضم الياء، ويكون الضمير عائدًا على الغاسل، وبفتحها، ويكون الضمير عائدًا على المحل، من نقي بكسر القاف، ينقى.

(5)

لقوله صلى الله عليه وسلم «اغسلنها ثلاثًا أو خمسًا أو سبعًا» والمراد اغسلنها وترًا، وليكن ثلاثًا.

فإن احتجتن إلى زيادة عليها للإنقاء فليكن خمسًا، فإن احتجتن إلى زيادة الإنقاء فليكن سبعًا «أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك» متفق عليه، وأرجع الشارع النظر إلى الغاسل، ويكون ذلك بحسب الحاجة لا التشهي، لقوله «إن رأيتن» أي احتجتن، والحاصل أن الإيتار مأمور به، والثلاث مأمور بها ندبًا، فإن حصل الإنقاء بثلاث لم تشرع الرابعة، وإلا زيد حتى يحصل الإنقاء، ويندب كونها وترًا، واتفقوا على استحبابه، وقال بعضهم: إذا لم يحصل الإنقاء بالسبع لم يزد عليها، وكذا إن خرج منه شيء بعد السبع لم يزد عليها، قال ابن عبد البر: لا أعلم أحدًا قال بمجاوزة السبع. وصرح أحمد والماوردي وابن المنذر أنها مكروهة، وفي الإنصاف: لا يزاد على السبع، رواية واحدة. والأولى حمل كلامهم على أنه لم يبلغهم الخبر.

ص: 43

وكره اقتصاره في غُسْله على مرة (1) إن لم يخرج منه شيءٌ، فيحرم الاقتصار ما دام يخرج منه شيءٌ على ما دون السبع (2) وسن قطع على وتر (3) ولا تجب مباشرة الغُسْل، فلو ترك تحت ميزاب ونحوه، حضر من يصلح لغسله، ونوى وسمى، وعمه الماءُ كفى (4) .

(1) وفاقًا، لقوله «اغسلنها ثلاثًا» الحديث، ولأنه لا يحصل بها كمال النظافة، وتجزئ كالحي، وكذا لو نوى وسمي، وغمسه في ماء مرة واحدة أجزأ كالحي، والحائض والجنب كغيرهما في الغسل، وهو قول العلماء كافة إلا الحسن، وقال ابن المنذر: هذا قول من نحفظ عنه من علماء الأمصار.

(2)

لأن الشارع إنما كرر الأمر بغسلها من أجل توقع النجاسة والله أعلم. فيعاد إلى سبع فأكثر للخبر.

(3)

لحديث أم عطية «اغسلنها وترًا» وحديث «إن الله وتر يحب الوتر» من غير إعادة وضوء كما تقدم.

(4)

وهذا يرد على ما سبق فيما إذا ماتت امرأة بين رجال وعكسه، ويمكن أن يقال: كلامهم المتقدم مقيد بهذا، وأن محل ذلك إذا لم تأت هذه الصورة.

ص: 44

(ويجعل في الغسلة الأخيرة) ندبًا (كافورًا)(1) وسدرًا، لأنه يصلب الجسد (2) ويطرد عنه الهوام برائحته (3)(والماءُ الحار) يستعمل إذا احتيج إليه (4)(والأشنان) يستعمل إذا احتيج إليه (5) .

(1) بأن يضعه في الماء، بحيث لا يتغير الماء، لقوله صلى الله عليه وسلم «واجعلن في الغسلة الأخيرة كافورًا» متفق عليه، وهو قول العلماء كافة، وحكي عن أبي حنيفة خلاف في استحبابه، والحديث حجة عليه، وفي حديث أم سليم «فإذا كان في آخر غسلة من الثالثة أو غيرها فاجعلي ماء فيه شيء من كافور، وشيء من سدر، ثم أفرغيه عليها، وابدئي برأسها حتى يبلغ رجليها» .

(2)

ويطيبه ويبرده، ونقل الجماعة جعله مع السدر، واختاره المجد وغيره، وصححه غير واحد، قال الخلال: وعليه العمل. وقال ابن حامد: يطرح فيه شيء يسير لا يغيره، ليجمع بين العمل بالحديث، ويكون الماء باقيًا على إطلاقه.

(3)

ويردع ما يتحلل من الفضلات، ويمنع إسراع الفساد إليه، وكونه يطيب رائحة المحل، وذلك في وقت تحضر فيه الملائكة، وهو أقوى الأراييح الطيبة في ذلك، وهذا هو السر في جعله في الآخرة، لئلا يذهب به الماء، وإن عدم قام غيره مقامه، مما فيه هذه الخواص أو بعضها، وظاهر العبارة غير مراد، بل المراد أن الغسلة الأخيرة يسن أن لا تخلو من السدر للخبر، فلا تنافي كونها في غيرها.

(4)

لشدة برد، أو وسخ لا يزول إلا به، واستحبه بعضهم، لأنه ينقي ما لا ينقي البارد، واستحب بعضهم البارد، لأن المسّن يرخيه، ولم ترد به السنة، فإن كثر وسخه، ولم يزل إلا بالحار كان مستحبًا.

(5)

لإزالة وسخ ونحوه، قال أحمد: إذا طال ضنى المريض غسل بالأشنان، يعني أنه يكثر وسخه، فيحتاج إلى الأشنان، ليزيل ذلك الوسخ.

ص: 45