الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
و
إن اشتبهت الأَشهر، على نحو مأْسور، تحرى وصام
(1) وأَجزأَه إن لم يعلم أنه تقدمه (2) ويقضي ما وافق عيدًا أو أيام تشريق (3) .
(1) أي اجتهد في معرفة شهر رمضان، وصام ما غلب على ظنه أنه رمضان بأمارة، لأنه غاية جهده، ونحو المأسور من طمر، أو أسلم بدار كفر، ومن بمفازة، ونحوهم.
(2)
وفاقًا، كمن تحرى في غيم وصلى، وشك هل صلى قبل الوقت، أو بعده؛ كما لو وافقه وما بعده، وإن علم أنه تقدمه، كصومه شعبان مثلاً، لم يجزئه وفاقًا، لأنه أتى بالعبادة قبل وقتها، وإن ظن أن الشهر لم يدخل، فصام لم يجزئه، ولو أصاب، قال الوزير: أجمعوا على أن الأسير إذا اشتبهت عليه الشهور، واجتهد وصام، أجزأه إن وافق صومه أو ما بعده، سوى أيام العيد والتشريق، لا ما قبله فلا.
(3)
يعني لو صام ذا الحجة باجتهاده، قضى تلك، لعدم صحة صومها.
(ويلزم الصوم) في شهر رمضان (لكل مسلم) لا كافر (1) ولو أَسلم في أَثنائه قضى الباقي فقط (2)(مكلف) لا صغير ومجنون (3) .
(1) إجماعًا، لقوله تعالى {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ} والضمير عائد إلى المسلم، دون الكافر إجماعًا، فلا يجب عليه الصوم ولو مرتدًا، لأنه عبادة بدنية محضة تفتقر إلى نية، فكان من شرطه الإسلام، ولا يصح صوم كافر، بأي كفر كان إجماعًا، والردة تمنع صحته إجماعًا، لأن الصوم عبادة محضة، فنافاها الكفر، كالصلاة، بلا خلاف، ويقضي ما فاته زمن الردة، لأنه التزم الوجوب بالإسلام، دون الكفر الأصلي إجماعًا، وترغيبًا في الإسلام.
(2)
أي فلا يلزمه قضاء ما مضى من الأيام، وهو إجماع، لحديث وفد ثقيف: قدموا في رمضان، وضرب عليهم قبة في المسجد، فلما أسلموا، صاموا ما بقي من الشهر، فمن أسلم فيه صام بلا خلاف، ويلحق به من كلف أو أفاق، عند الجمهور، أو زال عذره المانع له من الصوم إجماعًا، ولأن كل يوم عبادة مفردة، وما قبله لا يلحق به، ومراد الشارح: لو أسلم الكافر في أثناء اليوم، أمسك بقية يومه، وقضى ذلك اليوم الذي أسلم فيه، جزم به الموفق وغيره، وفي عبارته غموض، وقال شيخ الإسلام وغيره: يمسك بقية يومه، ولا يقضي، وهو مذهب أبي حنيفة، وإحدى الروايتين عن الشافعي. وهذا أصل عند الشيخ وغيره، وهو: أن العبادات لا تلزم قبل بلوغها المكلف.
(3)
باتفاق الأئمة، حكاه الوزير وغيره، لحديث «رفع القلم عن ثلاثة، مجنون حتى يفيق، وصغير حتى يبلغ» ولأنهما غير مخاطبين، ولا يصح من المجنون، لعدم إمكان النية منه، ويصح من مميز كصلاته، ولا يجب حتى يبلغ عند أكثر أهل العلم.
(قادر) لا مريض يعجز عنه، للآية (1) وعلى ولي صغير مطيق، أمره به، وضربه عليه، ليعتاده (2)(وإذا قامت البينة في أَثناء النهار) برؤْية الهلال تلك الليلة (وجب الإمساك، والقضاء) لذلك اليوم الذي أَفطره (على كل من صار في أثنائه أهلاً لوجوبه) أي وجوب الصوم (3) .
(1) وهي قوله تعلى {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} فإطاقته معتبرة، حسًا وشرعًا، وكذا يجب على مقيم إجماعًا، فدخل في عبارته المقيم والمسافر، والصحيح، والمريض، والطاهر، والحائض، والنفساء، والمغمى عليه، فإن هؤلاء كلهم يجب عليهم الصوم في ذممهم، بحيث أنهم يخاطبون بالصوم، ليعتقدوا الوجوب في الذمة، والعزم على الفعل، إما أداء، وإما قضاء، ثم منهم من يخاطب بالفعل في نفس الشهر أداء، وهو الصحيح المقيم، إلا الحائض والنفساء، ومنهم من يخاطب بالقضاء فقط، وهو الحائض، والنفساء، والمريض الذي لا يقدر على الصوم أداء، وهو يقدر عليه قضاء، ومنهم من يخير بين الأمرين، وهو المسافر، والمريض الذي يمكنه الصوم بمشقة شديدة، من غير خوف التلف، وهذا مما لا نزاع فيه.
(2)
وينشأ عليه، كالصلاة، وذلك إصلاح، لا عقوبة، إلا أن الصوم أشق، فاعتبرت له الطاقة، لأنه قد يطيق الصلاة من لا يطيق الصوم، ولا يتقيد بسن، وقال المجد: لا يؤاخذ به، ويضرب عليه فيما دون العشر كالصلاة، وهو قول أكثر أهل العلم. قال: واعتباره بالعشر أولى للخبر.
(3)
وفاقًا، لثبوته من رمضان، ولم يأتوا فيه بصوم صحيح، فلزمهم قضاؤه، وإمساك بقية اليوم من خواص رمضان، وقال الموفق وغيره: كل من أفطر لغير عذر، ومن ظن أن الفجر لم يطلع، وقد طلع، أو أن الشمس قد غابت ولم تغب، والناسي للنية، ونحوهم، يلزمهم الإمساك بغير خلاف بين أهل العلم. وتقدم قول الشيخ في القضاء، وكذا إن لم يعلم بالرؤية إلا بعد الغروب، ومن شرط صحة الصوم الإمساك عن الأكل والشرب والجماع إجماعًا.
وإن لم يكن حال الفطر من أَهل وجوبه (1)(وكذا حائض ونفساءُ طهرتا) في أَثناء النهار، فيمسكان ويقضيان (2)(و) كذا (مسافر قدم مفطرًا) يمسك، ويقضي (3) .
(1) بأن أسلم كافر، أو أفاق مجنون، أو بلغ صغير، لزمهم إمساك ذلك اليوم وقضاؤه، لحرمة الوقت، ولقيام البينة فيه بالرؤية، ولإدراكه جزءًا منه كالصلاة، وقال الشيخ: يمسك ولا يقضي. والقضاء في حقهم من المفردات.
(2)
أما الإمساك فعلى الأصح، وفاقًا لأبي حنيفة، واختاره الشيخ وغيره، وأما القضاء فحكي إجماعًا، وحكاه الوزير وغيره اتفاقًا، وقال الموفق وغيره: لا خلاف فيه. لقوله تعالى {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} والتقدير: فأفطر. وفي الصحيحين عن عائشة: كنا نؤمر بقضاء الصوم. ويحرم فعله إجماعًا، قال الشيخ: ثبت بالسنة واتفاق المسلمين، أنه ينافي الصوم، فلا يحل مع الحيض أو النفاس ومن فعله منهن حاله، لم يصح منه، قال: وهو فق القياس، فإن الشرع جاء بالعدل في كل شيء، فصيامها وقت خروج الدم، يوجب نقصان بدنها، وضعفها، وخروج صومها عن الاعتدال، فأمرت أن تصوم في غير أوقات الحيض، فيكون صومها في ذلك صومًا معتدلاً، لا يخرج فيه الدم، الذي يقوي البدن، الذي هو مادته، بخلاف المستحاضة، ومن ذرعه القيء، مما ليس له وقت محدد، يمكن الاحتراز منه، فلم يجعل منافيًا للصوم.
(3)
لإدراكه جزءًا من الوقت مقيمًا، فلزمه الإمساك، والقضاء، كالصلاة، وكمقيم تعمد الفطر، وفاقًا.
وكذا لو برئَ مريض مفطرًا (1) أَو بلغ صغير في أثنائه مفطرًا، أَمسك وقضى (2) فإن كانوا صائمين أَجزأَهم (3) وإن علم مسافر أنه يقدم غدًا، لزمه الصوم (4) لا صغير علم أنه يبلغ غدًا، لعدم تكليفه (5) .
(1) يلزمه الإمساك، على الأصح، وهو مذهب أبي حنيفة، ويلزمه القضاء إجماعًا، وكذا كل من أفطر في صوم يجب عليه، فإنه يلزمه الإمساك، والقضاء، كالفطر لغير عذر.
(2)
أي وإن بلغ صغير – ذكرًا كان أو أنثى في أثناء نهار رمضان، بسن أو احتلام – صائمًا أتم صومه بلا نزاع، وقضى عند أبي الخطاب، وهو مذهب أبي حنيفة، لأنه مَعْنى لو وجد قبل الفجر أوجب الصيام، فإذا طرأ أوجب الإمساك، وقال في الإقناع وغيره: لا قضاء عليه إن نوى من الليل وأجزأه، كالبالغ، ولا يمتنع أن يكون أوله نفلاً، وباقيه فرضًا، كنذر إتمام نفل.
(3)
أي المسافر، والمريض، إذا كانوا صائمين، ونووه من الليل، أجزأهم وفاقًا، كمقيم صائم مرض، ثم لم يفطر حتى عوفي وفاقًا، وأما الصغير فمشكل على ما تقدم، وعلى ما في الإقناع وغيره فظاهر، لعدم امتناع ذلك.
(4)
أي غلب على ظنه ذلك، وإلا فالعلم بالشيء قبل حصوله متعذر، لأنه قد يخطئ بعائقة قد تحصل له، تمنعه من القدوم في ذلك اليوم، وقال المجد، إن علم بمقتضى الظاهر.
(5)
يعني قبل دخول الغد، وقيل: يستحب وفاقًا؛ لوجود سبب الرخصة، قال المجد: وهو أقيس.
(ومن أفطر لكبر، أو مرض لا يرجى برؤُه (1) أطعم لكل يوم مسكينًا) (2) ما يجزئ في كفارة: مدبُرًّ، أو نصف صاع من غيره (3) لقول ابن عباس – في قوله تعالى {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} -: ليست بمنسوخة، هي للكبير الذي لا يستطيع الصوم. رواه البخاري (4) والمريض الذي لا يرجى برؤُه، في حكم الكبير (5) .
(1) كشيخ هرم، وعجوز يجهدهما الصوم، ويشق عليهما مشقة شديدة، وكسل، وله ذلك إجماعًا، لعدم وجوبه عليه، لأنه عاجز عنه، فلا يكلف به، لقوله تعالى {لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلا وُسْعَهَا} .
(2)
وهو مذهب أبي حنيفة، والشافعي، وجمهور العلماء، وصححه ابن كثير وغيره، وقال: وعليه أكثر العلماء، كما قاله ابن عباس وغيره. وفي الإنصاف: بلا نزاع. ولا قضاء عليه، لأنه ليس له حال يصير إليها، يتمكن فيها من القضاء، وقال ابن القيم: ولا يصار إلى الفدية إلا عند اليأس من القضاء.
(3)
تمر، أو زبيب، أو شعير، أو أقط.
(4)
ومعناه عن ابن أبي ليلى عن معاذ، رواه أحمد وغيره، ولأنه صوم واجب، فجاز أن ينوب عنه المال، كالصوم في كفارة الظهار، ولا يجزئ أن يصوم عنه غيره، لأنه عبادة بدنية محضة، وجبت بأصل الشرع، فلم تدخله النيابة، كالصلاة إجماعًا، وقال الشيخ: وإن تبرع إنسان بالصوم عمن لا يطيقه، لكبر ونحوه، أو عن ميت – وهما معسران – توجه جوازه، لأنه أقرب إلى المماثلة من المال، ويأتي.
(5)
أي فيطعم لكل يوم مسكينًا، ما يطعم كبير عاجز عن صوم، ويقضي عدد ما أفطره من الأيام، لقوله تعالى {َعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} .
لكن إن كان الكبير، أو المريض الذي لا يرجى برؤُه مسافرًا، فلا فدية، لفطره بعذر معتاد، ولا قضاء، لعجزه عنه (1)(وسن) الفطر (لمريض يضره) الصوم (2)(ولمسافر يقصر)(3) .
(1) فيعايا بها، فيقال: مسلم مكلف، أفطر في رمضان، لم يلزمه قضاء، ولا كفارة؛ وجوابه: كبير، عاجز عن الصوم، كان مسافرًا. وكذا نذر، وقضاء، وكفارة. لأنه جاء عن جمع من الصحابة، ولا مخالف لهم، وإن أطعم، ثم قدر على القضاء، فكمعضوب.
(2)
وهذا بالإجماع في الجملة، وقال الوزير: أجمعوا على أن المريض، إذا كان الصوم يزيد في مرضه، أنه يفطر ويقضي، وإذا احتمل وصام أجزأ. ولم يذكروا خلافًا في الإجزاء، وفي الإنصاف: إن خاف المريض زيادة مرضه، أو طوله، أو صحيح مرضًا في يومه، أو خاف مرضًا لأجل العطش، استحب له الفطر، وكره صومه وإتمامه إجماعًا، وإن خاف التلف وصام أجزأ، وقيل: بلا خلاف. وكره، وقيل: يحرم. واختار الشيخ الفطر للتقوي على الجهاد.
(3)
قال أحمد: الفطر للمسافر أفضل، وإن لم يجهده الصوم. وقاله ابن حبيب المالكي، وثبت في السنن أن من الصحابة من يفطر إذا فارق عامر قريبته، ويذكر أن ذلك سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولأنه آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعبارة المقنع: والمريض إذا خاف الضرر، والمسافر استحب لهما الفطر. وأما كونه جائزًا، فبالنصوص، وإجماع المسلمين، وقال الشيخ: سواء كان سفر حج، أو جهاد، أو تجارة، ونحو ذلك من الأسفار، التي لا يكرهها الله ورسوله، وتنازعوا في سفر المعصية، فأما السفر الذي تقصر فيه الصلاة، فإنه يجوز فيه الفطر باتفاق الأمة. وقال: يجوز في كل ما يسمى سفرًا، ولو كان قصيرًا.
ولو بلا مشقة (1) لقوله تعالى {وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} (2) .
(1) فإن شق، بأن جهده، كره له فعله، وكان الفطر أفضل، وصومه صحيح حكاه الوزير وغيره اتفاقًا، وذهب مالك، والشافعي، وأبو حنيفة، والأكثرون إلى أن الصوم أفضل لمن أطاقه، بلا مشقة ظاهرة ولا ضرر، فإن تضرر، فالفطر أفضل من الصوم، لصوم النبي صلى الله عليه وسلم وبعض أصحابه، ولأنه يحصل به براءة الذمة في الحال، وأما جوازه، فقال الشيخ: باتفاق الأئمة، سواء كان قادرًا على الصيام، أو عاجزًا، وسواء شق عليه الصوم، أو لم يشق، ومن قال: إن الفطر لا يجوز إلا لمن عجز عن الصيام. فإنه يستتاب، فإن تاب وإلا قتل، وكذلك من أنكر على المفطر، فإنه يستتاب من ذلك، ومن قال: إن المفطر عليه إثم، فإنه يستتاب من ذلك، فإن هذه الأقوال خلاف كتاب الله، وخلاف سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخلاف إجماع الأئمة.
وقال: الشارع أطلق السفر، ولم يقيد، فما عد سفرًا جاز فيه القصر، والفطر، إذا ترك البيوت وراء ظهره، فإنه ما لم يتجاوزها، فهو حاضر، غير مسافر، فيدخل في قوله {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} وقال: ويفطر من عادته السفر، إذا كان له بلد يأوي إليه، كالتاجر والجلاب، والمكاري، والبريد، ونحوهم، وكذلك الذي له مكان في البر يسكنه، وأما من كان في السفينة، ومعه أهله، وجميع مصالحه، ولا يزال مسافرًا، فلا يقصر ولا يفطر، وأهل البادية، الذي يشتون في مكان، ويصيفون في آخر، يفطرون في حال ظعنهم، لا في حال نزولهم، ويتتبعون المراعي.
(2)
أي فليفطر، وليقض عدد ما أفطره {يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} وقال صلى الله عليه وسلم «ما خيرت بين أمرين، إلا اخترت أيسرهما» وفي الصحيحين «ليس من البر الصيام في السفر» ويذكر أنه متواتر، وفي المسند
وغيره «إن الله يحب أن يؤخذ برخصه، كما يكره أن تؤتى معصيته» وفي الحديث «خياركم الذين في السفر يقصرون ويفطرون» وفي الصحيح أن رجلاً قال للنبي صلى الله عليه وسلم: إني رجل أكثر الصوم، أفأصوم في السفر؟ فقال «إن أفطرت فحسن، وإن صمت فلا بأس» وفي صحيح مسلم «هي رخصة من الله، فمن أخذ بها فحسن، ومن أحب أن يصوم، فلا جناح عليه» ومن كمال حكمة الشارع، أن خفف أداء فرض الصوم في السفر، فإنه قطعة من العذاب، وهو في نفسه مشقة وجهد، ولو كان المسافر من أرفه الناس، فإنه فيه مشقة، وجهد بحسبه، واتفق أئمة المسلمين على أنه يجوز للمسافر أن يصوم ويفطر، واستحباب الفطر مقيد برمضان، لأن له {فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} فأما صيام عاشوراء، فنص أحمد على استحبابه، وهو قول طائفة من السلف، وقياسه يوم عرفة لغير حاج بها، وكل ما يفوت محله لعدم المانع.
ويكره لهما الصوم (1) ويجوز وطء لمن به مرض ينتفع به فيه (2) .
(1) أي يكره الصوم وإتمامه، لمريض يضره الصوم، أو يخاف زيادة مرضه، أو طوله، أو لصحيح مرض في يومه، أو خاف مرضًا بعطش، أو غيره، ويكره الصوم وإتمامه لمسافر يقصر، وعلة الكراهة إضرارهما بأنفسهما، وترك تخفيف الله تعالى، ورخصته، المطلوب إتيانها، ولأن بعض العلماء لا يصحح صومه، كما نقل عن أبي هريرة، وعبد الرحمن بن عوف، لكن لو فعل أجزأ إجماعًا، لإتيانه بالأصل الذي هو العزيمة، وصار كمن أبيح له ترك القيام في الصلاة، فتكلف وقام، وقال المجد: وعندي لا يكره لمسافر قوي عليه، واختاره الآجري، وفاقًا للجمهور، ولا يفطر مريض لا يتضرر بالصوم وفاقًا، فيشترط أن يخاف زيادة المرض، أو بطء البرء، قيل لأحمد: متى يفطر المريض؟ قال: إذا لم يستطع. قيل: مثل الحمى؟ قال: وأي مرض أشد من الحمى؟.
(2)
أي ينتفع بالجماع في مرضه.
أو به شبق، ولم تندفع شهوته بدون وطء (1) ويخاف تشقق أنثييه (2) ولا كفارة ويقضي (3) ما لم يتعذر لشبق، فيطعم كالكبير (4) وإن سافر ليفطر حرما (5)(وإن نوى حاضر صوم يوم، ثم سافر في أَثنائه فله الفطر)(6) .
(1) كالإستمناء بيد زوجته، أو بوطء فيما دون الفرج، فله الفطر، لأنه يخاف على نفسه، فهو كالمريض، «والشبق» بفتح الشين المعجمة، والباء الموحدة، شدة الشهوة.
(2)
فإن اندفعت شهوته بدونه لم يجز، لعدم الحاجة إليه.
(3)
أي بدل ما وطيء فيه، ولا كفارة، لإمكان القضاء، ومتى لم يمكنه إلا بإفساد صوم موطوءة، جاز للضرورة، وصائمة أولى من حائض، وتتعين من لم تبلغ.
(4)
أي ما لم يتعذر عليه القضاء، لدوام شبقه فيطعم، كما يطعم الكبير العاجز عن الصوم، ولا قضاء، إلا مع عذر معتاد، كمرض أو سفر.
(5)
أي السفر والإفطار، حيث لا علة للسفر إلا الفطر، فأما الفطر فلعدم العذر المبيح، وهو السفر المباح، وأما السفر فلأنه وسيلة إلى الفطر المحرم، قال عثمان: ومنه يعلم أنه لو أراد السفر لتجارة مثلاً، فأخر السفر إلى رمضان ليفطر أنه يجوز له ذلك.
(6)
حكي اتفاقًا، ولما في السنن وغيرها عن بعض الصحابة أنه السنة، وقال ابن القيم: جاءت الآثار عن الصحابة، في الفطر لمن أنشأ السفر في أثناء يوم وبما شاء، وهو مذهب أبي حنيفة، والشافعي، من أكل، أو جماع أو غيره، لأن من له الأكل فله الجماع، ولا كفارة، لحصول الفطر بالنية قبل الفعل، وعدم لزوم الإمساك، وكذا مريض يباح له الفطر، وكما يفطر بعد سفره إجماعًا.
إذا فارق بيوت قريته ونحوها (1) لظاهر الآية، والأخبار الصحيحة (2) والأفضل عدمه (3)(وإن أفطرت حامل، أو) أفطرت (مرضع، خوفًا على أنفسهما) فقط، أو مع الولد (قضتاه) أي قضتا الصوم (فقط) من غير فدية (4) .
(1) مما تقدم في قصر الصلاة، لأنه قبله لا يسمى مسافرًا، وتقدم قول الشيخ قريبًا، فلا يفطر قبل خروجه وفاقًا.
(2)
فالآية هي قوله تعالى {أَوْ عَلَى سَفَرٍ} والأخبار منها ما روى عبيد بن جبير، قال: ركبت مع أبي بصرة الغفاري، من الفسطاط، في شهر رمضان، ثم قرب غداءه، فقال: اقترب. قلت: ألست ترى البيوت؟ قال: أترغب عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فأكل. رواه أبو داود وغيره، وعن أنس أنه رحلت له راحلته، فدعا بطعام فأكل، وقال: سنة، ثم ركب، رواه الترمذي وغيره، وقال ابن العربي: صحيح. فصرح هذان الصحابيان أنه سنة، ولأن السفر مبيح للفطر، كالمرض الطارئ، واستظهر الشيخ وغيره جوازه، وقال: كما ثبت في السنن أن من الصحابة من كان يفطر إذا خرج من يومه، ويذكر أن ذلك سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد ثبت في الصحيح، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نوى الصوم في السفر، ثم إنه دعا بماء، فأفطر، والناس ينظرون إليه. وأما اليوم الثاني، فيفطر بلا ريب، وإن كان مقدار سفره يومين، في مذهب جمهور الأئمة الأربعة وغيرهم.
(3)
أي والأفضل لمن سافر في أثناء يوم نوى صومه، إتمام صوم ذلك اليوم، خروجًا من خلاف من لم يبح له الفطر، وهو قول أكثر العلماء، وحكاه الوزير وغيره اتفاق الأئمة إلا أحمد في رواية عنه.
(4)
وفاقًا، وحكاه الوزير وغيره، مع اختلاف عن مالك، وفي المبدع:
بغير خلاف نعلمه، كالمريض إذا خاف على نفسه، ولقدرتهما عليه، بخلاف الكبير.
لأنهما بمنزلة المريض، الخائف على نفسه (1)(و) إن أفطرتا خوفًا (على ولديهما) فقط (قضتا) عدد الأيام (2)(وأطعمتا) أي وجب على من يمون الولد أن يطعم عنهما (3)(لكل يوم مسكينًا) ما يجزئُ في كفارة (4) .
(1) فإنه يقضي من غير إطعام، وكره صومهما مع خوف الضرر وفاقًا، وذكر ابن عقيل: إن خافت حامل ومرضع، على حمل وولد، حال الرضاع، لم يحل الصوم، وعليها الفدية، وإن لم تخف لم يحل الفطر. اهـ. وإن صامتا أجزأ، كالمريض والمسافر.
(2)
أي عدد أيام فطرهما فورًا، لقدرتهما على القضاء، ولا يؤخران القضاء كالمريض.
(3)
على الفور، لأنه مقتضى الأمر، كسائر الكفارات، ولا يؤخر إلى القضاء، ويجزئ فيه ما يجزئ في كفارة، ولا يسقط هذا الإطعام بالعجز، وكذا عن الكبير، والمأيوس منه.
(4)
وظاهره الوجوب على من يمون الولد من ماله، لأن الإفطار لأجله، وعبارة الماتن توهم أن الإطعام عليها نفسها، فلأجل ذلك صرفها الشارح، وفي الفروع: والإطعام على من يمونه. وفي الفنون: يحتمل أنه على الأم، وهو أشبه لأنه تبع لها، ويحتمل أنه بينها وبين من تلزمه نفقته من قريب، أو من ماله. لأن الإرفاق لهما.
لقوله تعالى {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} (1) قال ابن عباس: كانت رخصة للشيخ الكبير، والمرأَة الكبيرة، وهما يطيقان الصيام، أن يفطرا، ويطعما مكان كل يوم مسكينًا (2) والمرضع والحبلى، إذا خافتا على أولادهما، أَفطرتا وأَطعمتا. رواه أبو داود (3) وروي عن ابن عمر (4) وتجزئ هذه الكفارة إلى مسكين واحد جملة (5) .
(1) قال الشيخ: تفطر وتقضي، عن كل يوم يومًا، وتطعم عن كل يوم مسكينًا، رطلاً من خبز بأدمه.
(2)
أي إذا أفطر، والحامل والمرضع يطيقان الصوم، فدخلا في الآية الكريمة، لا يقال: إنها منسوخة بما بعدها من قوله {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} هكذا في الصحيحين عن سلمة بن الأكوع، قال ابن عباس: أثبتت للحبلى والمرضع. وظاهره نسخ الحكم في حق غير الحامل والمرضع، وبقاء الحكم فيهما، وقوله الآتي: إنها محكمة غير منسوخة، وإنها إنما أريد بها هؤلاء؛ من باب إطلاق العام، وإرادة الخاص، وهو أولى من ادعاء النسخ، فإنه خلاف الأصل، فالواجب عدمه، أو تقليله مهما أمكن.
(3)
ورواه غيره من غير وجه، بألفاظ متقاربة.
(4)
أي نحو ما روى أبو داود وغيره عن ابن عباس، ولا يعرف لهما مخالف في الصحابة، وقال ابن القيم: أفتى ابن عباس وغيره من الصحابة في الحامل والمرضع، إذا خافتا على ولديهما، أن تفطرا، وتطعما كل يوم مسكينًا، إقامة للإطعام مقام الصيام.
(5)
واحدة، لظاهر الآية، وقال غير واحد: بلا نزاع.