الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
باب زكاة العروض
(1)
جمع عرض بإسكان الراء، وهو ما أُعد لبيع وشراء لأَجل ربح (2) .
(1) الأصل في وجوب الزكاة فيها عموم قوله تعالى {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً} وقوله {وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ} ومال التجارة أعم الأموال، فكانت أولى بالدخول، ولأبي داود عن سمرة: كان صلى الله عليه وسلم يأمرنا أن نخرج الزكاة مما نعده للبيع. وقال عمر لحماس: أدَّ زكاة مالك. فقال: مالي إلا جعاب وأدم. فقال: قومها وأدَّ زكاتها. واشتهرت القصة من غير نكير، واحتج به أحمد وغيره، وقال المجد: هو إجماع. ولأنه مال نامٍ، فوجبت فيه الزكاة كالسائمة، وقال النووي في قوله «قد احتبس أدراعه وأعتده» : فيه وجوب زكاة التجارة، وهو قول جمهور السلف والخلف. وقال ابن المنذر والوزير وغيرهما: أجمع أهل العلم أن في العروض التي يراد بها التجارة الزكاة، إذا حال عليها الحول، سواء في ذلك الخيل والرقيق وغيرهما. وقال شيخ الإسلام: الأئمة الأربعة، وسائر الأمة إلا من شذ، متفقون على وجوبها في عرض التجارة، سواء كان التاجر مقيمًا أو مسافرًا، وسواء كان متربصًا، وهو الذي يشتري التجارية وقت رخصها، ويدخرها إلى وقت ارتفاع السعر، أو مديرًا كالتجار الذين في الحوانيت، سواء كانت التجارة بزًا من جديد أو لبيس أو طعامًا من قوت أو فاكهة او أدم أو غير ذلك، أو كانت آنية كالفخار ونحوه، أو حيوانًا من رقيق أو خيل أو بغال أو حمير أو غنم، معلفة أو غير ذلك، فالتجارات هي أغلب أموال أهل الأمصار الباطنة، كما أن الحيوانات الماشية هي أغلب الأموال الظاهرة. اهـ. ولا تصير للتجارة إلا بشرطين، أن يكون ملكها بفعله، والثاني: بنية التجارة، كما سيأتي.
(2)
ولو من نقد، وقال أهل اللغة: هو جميع صنوف الأموال، غير الذهب
والفضة، من الحيوانات والثياب وغيرها، وحكى الوزير وغيره الإجماع على أن الخيل والبغال والحمير، إذا كانت معدة للتجارة، ففي قيمتها الزكاة، إذا بلغت نصابًا، وإن لم تكن للتجارة فلا، وترجم غيره بـ «زكاة التجارة» وهي أشمل، وأما الذهب والفضة فعين، وأما العرض – بفتح الراء – فهو جميع متاع الدنيا، من الذهب والفضة، فكل عرض بالسكون، داخل في العرض بالفتح، وليس كل عرض عرضًا، وله معان أخر معروفة، وأخرها لأنها تقوم بالنقدين، فكان حكمها مبنيًا عليهما.
سمي بذلك لأنه يعرف ليباع ويشترى (1) أو لأنه يعرض ثم يزول (2)(إذا ملكها) أي العروض (بفعله) ، كالبيع والنكاح والخلع، وقبول الهبة والوصية، واسترداد المبيع (3)(بنية التجارة) عند التملك (4) .
(1) تسمية للمفعول باسم المصدر، كتسمية المعلوم علمًا.
(2)
ويفنى، تسمية له بما يؤول إليه، وفي اصطلاح المتكلمين: هو الذي لا يمر عليه زمنان.
(3)
لأن ما لا يثبت به حكم الزكاة، بدخوله في ملكه، لا يثبت بمجرد النية، فاشترط الفعل معها. وفي الإقناع: إما بمعاوضة محضة، كالبيع والإجارة، والصلح عن المال بمال، والأخذ بالشفعة، والهبة المقتضية للثواب، أو استرداد ما باعه، أو غير محضة كالنكاح والخلع، والصلح عن دم العمد، أو بغير معارضة، كالهبة المطلقة، والغنيمة والوصية، والإحتشاش والاحتطاب، والاصطياد. قال الشيخ: وتجب في جميع أجناس الأجر المقبوضة.
(4)
بأن يقصد التكسب بها، لأن الأعمال بالنيات، وحديث: ما نعده للبيع. والتجارة عمل، فوجب اقتران النية به كسائر الأعمال، ولأنها لم تكن
للتجارة خلقة، فلا تصير لها إلا بقصدها فيها، فهذان شرطان، لا تصير العروض للتجارة إلا بهما.
أو استصحاب حكمها فيما تعوض عن عرضها (1)(وبلغت قيمتها نصابًا) من أحد النقدين (2)(زكى قيمتها) لأنها محل الوجوب، لاعتبار النصاب بها (3) ولا تجزئُ الزكاة من العروض (4) .
(1) أي استصحاب حكم نية التجارة، في جميع الحول، بأن لا ينوي قطعها فيما تعوض عن عرضها، بنية قنية، لأنه شرط أمكن اعتباره في جميعه، فوجب كالنصاب، ومتى نواها للقنية صارت لها، وسقطت الزكاة، قال الموفق: لا يختلف المذهب أنه إذا نوى بعرض التجارة القنية، أنه يصير للقنية، وهو قول الشافعي وأصحاب الرأي.
(2)
فإنه يشترط لوجوب الزكاة، فيما أعد للتجارة من العروض، أن يبلغ قيمته نصابًا من الذهب أو الفضة، لا في نفس العرض، وثبت أنها تجب في قيمتها بلا نزاع، ويعتبر النصاب في جميع الحول، لأنه مال نام، كالماشية، ولقوله عليه الصلاة والسلام «لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول» . قال الشارح: لا نعلم فيه خلافًا.
(3)
وهو مذهب مالك والشافعي. وقال أبو حنيفة: تجب في عينها، ولكنه يعتبر القيمة، والقيمة إن لم توجد عينًا، فهي مقدرة شرعًا، وقدر الواجب ربع العشر بلا نزاع.
(4)
لتعلقها بالقيمة، وعنه: تجزئ. لأنها الأصل، اختاره الشيخ وغيره، قال: ويقوى على قول من يوجب الزكاة في عين المال. وقال: يجوز العدول إلى
الحاجة والمصلحة، أو يكون المستحق طلب القيمة، لكونها أنفع له، واختار في الصحيح إخراج القيمة، واحتج بخبر معاذ.
(فإن ملكها بـ) غير فعله كـ (إرث (1) أو) ملكها (بفعله بغير نية التجارة ثم نواها) ، أي التجارة بها (لم تصر لها) أي للتجارة (2) لأنها خلاف الأصل في العروض، فلا تصير لها بمجرد النية (3) إلا حلي لبس، إذا نواه لقنية، ثم نواه للتجارة فيزكيه (4) .
(1) ونحوه مما يدخل قهرًا، لم تصر للتجارة، لأنه ليس من جهات التجارة، ولأنه ملكها بغير فعل، فجرى مجرى الاستدانة، قال ابن الهمام: تصح بنية التجارة فيما يشتريه بالإجماع، ولا تصح فيما يرثه بالإجماع، لأنه لا صنع له فيه أصلاً، فلا يصير لها.
(2)
وفاقًا، حتى يبيعها، ويحول على ثمنها الحول.
(3)
كالمعلوفة، ومجرد النية لا ينقل العرض عن الأصل وهو القنية وفاقًا، بل لا بد من الفعل من النية، إلا أن يكون اشتراها بعرض تجارة، فلا يحتاج إلى نية التجارة، بل يكفيه استصحاب حكمها.
(4)
لأن الحلي أصله النقدان، والأصل فيهما وجوب الزكاة، فإذا نواها لها، فقد رده إلى الأصل، قال في الفروع: وحلي استعمال، نوى به القنية أو التجارة، فينعقد عليه الحول وفاقًا. وإن كانت عنده ماشية للتجارة نصف حول، فنوى بها الإسامة، انقطع حول التجارة واستأنف حولاً، وهذا مذهب أبي حنيفة، وقال الموفق: الأشبه بالدليل، أنها متى كانت سائمة من أول الحول، وجبت فيها عند تمامه، لأن السوم سبب لوجوبها، وجد في جميع الحول، فوجبت الزكاة به. والقنية – بضم القاف وكسرها – الإمساك للانتفاع، قال الجوهري: قنوت الغنم وغيرها، قنوة وقنوة، بكسر القاف وضمها، وقنيت أيضًا قنية وقنية بالكسر والضم، إذا اتخذتها لنفسك، لا للتجارة.
(وتقوم) العروض (عند) تمام (الحول بالأَحظ للفقراء من عين) أي ذهب (أو ورق) أي فضة (1) فإذا بلغت قيمتها نصابًا بأحد النقدين، دون الآخر اعتبر ما تبلغ به نصابًا (2)(ولا يعتبر ما اشتريت به) لا قدرًا ولا جنسًا، روي عن عمر (3) .
(1) سواء كان من نقد البلد أو لا، وفاقًا لأبي حنيفة، لأن تقويمه بأحدهما أحظ لهم، فيقوم به عند تمام الحول، لعموم «لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول» ولأنه وقت الوجوب، وقال مالك: إن كان مديرًا، لا يعرف حول ما يشتري ويبيع، جعل لنفسه شهرًا في السنة، يقوم فيه ما عنده ويزكيه مع ناضَّ ماله، وإن كان يتربص بها النفقات، لم يجب تقويمها عند كل حول، وتخصيص الفقراء لا مفهوم له، فيعتبر الأحظ لأصناف أهل الزكاة، ولعله ذكره اكتفاء، ولو قال: بالأحظ لأهل الزكاة. لكان أجود.
(2)
ويؤدي منها، لأنها محل الموجب، لا من العروض، وقال الشيخ: قد يقومها بأكثر من السعر، وقد يأخذها من لا يحتاج إليها، وربما خسرت، فيكون في ذلك ضرر على الفقراء، والأصناف التي يتجر فيها، يجوز أن يخرج عنها جميعها دراهم بالقيمة، فإن لم يكن عنده دراهم، فأعطى ثمنها بالقيمة، فالأظهر أنه يجوز، لأنه قد واسى الفقراء فأعطاهم من جنس ماله. اهـ. وإن بلغت بكل نقد نصابًا، خير بينهما، وفاقًا لأبي حنيفة، وصحح غير واحد بالأنفع لأهل الزكاة. وصوبه في الإنصاف.
(3)
رضي الله عنه، حيث قال: قومها. وأد زكاتها؛ واشتهرت القصة ولم تنكر، ولأن في تقويمها بما اشتريت به إبطالاً للتقويم بالأنفع، فإن بلغت قيمتها نصابًا بالدراهم فقط، قومت به، وإن كان اشتراها بالذهب، وكذا عكسه.
وكما لو كان عرضًا (1) وتقوم المغنية ساذجة (2) والخصي بصفته (3) ولا عبرة بقيمة آنية ذهب وفضة (4)(وإن اشترى عرضًا بنصاب من أثمان أو عروض، بنى على حوله)(5) لأن وضع التجارة على التقليب والاستبدال بالعروض والأثمان (6) فلو انقطع الحول به، لبطلت زكاة التجارة (7) .
(1) بإسكان الراء، وهو ما سوى النقدين، أي فإنه لا يعتبر ما اشتريت به من العرض، فكذا أحد النقدين.
(2)
بفتح الذال المعجمة، أي غير مغنية، وقيل: ليست بعربية. ولعل أصلها «ساذة» وفي أقانيم العجم: السذاج الذي لا نقش فيه، ومثلها الزامرة، والضاربة بآلة اللهو، وكل ذات صنعة محرمة، لأن الصنعة المحرمة لا قيمة لها شرعًا.
(3)
أي خصيًا، لأن الاستدامة فيه ليست محرمة، وإنما المحرم الفعل، وقد انقطع.
(4)
بل بالوزن، لأنها صنعة محرمة.
(5)
أي الحول الأول وفاقًا.
(6)
ولأن الزكاة في الموضعين تتعلق بالقيمة وهي الأثمان، والأثمان يبنى حول بعضها على بعض، والتقليب التصرف والنقل، «واستبدل الشيء بغيره» أخذه مكانه، والبدل العوض.
(7)
أي فلو قلنا بانقطاع الحول، بأن لم يبن على حوله، لبطلت زكاة التجارة المجمع عليها، ولأن الزكاة في الموضعين، تتعلق بالقيمة وهي الأثمان، والأثمان يبنى حول بعضها على بعض، وإن لم يكن النقد نصابًا، فحوله من حين ملك قيمته نصابًا، لا من حين اشتراه.
(وإن اشتراه) أو باعه (بـ) نصاب (سائمة لم يبن) على حوله (1) لاختلافهما في النصاب والواجب (2) إلا أن يشتري نصاب سائمة للتجارة بمثله للقنية (3) لأن السوم سبب للزكاة، قدم عليه زكاة التجارة لقوتها (4) فبزوال المعارض يثبت حكم السوم لظهوره (5) ومن ملك نصابًا من السائمة لتجارة، فعليه زكاة تجارة (6) وإن لم تبلغ قيمتها نصاب تجارة، فعليه زكاة السوم (7) .
(1) أي وإن اشترى عرض تجارة بنصاب من السائمة، أو باع عرض تجارة بنصاب من السائمة، لم يبن على حوله وفاقًا، وفي الإنصاف: بلا نزاع فيهما.
(2)
فيكون ابتداء حوله من وقت اشترائه أو بيعه.
(3)
فإنه يبني على حوله.
(4)
أي التجارة، لكونه يكفي في وجوب الزكاة فيها نيتها حين التملك، ولوجوبها فيما أعد للتجارة، حصل السوم أو لا.
(5)
أي على التجارة، فيزكى زكاة سائمة.
(6)
وفاقًا لأبي حنيفة، لأن وضع التجارة على التقليب فهي تزيل سبب زكاة السوم وهي الاقتناء، لطلب النماء معه، وقيل: زكاة السوم، وفاقًا لمالك والشافعي. لأنها أقوى، للإجماع عليها، وتعلقها بالعين، واختار المجد وغيره: الأحظ للفقراء.
(7)
قال في المغني والمبدع وغيرهما: بلا خلاف، لوجود سبب الزكاة بلا معارض، وإن سبق نصاب السوم زكي، وإذا حال حول التجارة زكى الزائد على النصاب، صوبه في الإنصاف، وإن اشترى أرضًا أو نخلاً للتجارة، فأثمر النخل، وزرعت الأرض، فعليه فيهما العشر، ويزكي الأصل للتجارة، وحيث أخرج عن الأصل والثمرة والزرع زكاة القيمة، لم يلزمه عشر للزرع والثمرة، وحكي اتفاقًا.
وإذا اشترى ما يصبغ به ويبقى أثره، كزعفران ونيل ونحوه (1) فهو عرض تجارة، يقوم عند حوله (2) وكذا ما يشتريه دباغ ليدبغ به كعفص (3) وما يدهن به كسمن وملح (4) ولا شيء في آلات الصباغ، وأمتعة التجارة، وقوارير العطار (5) إلا أن يريد بيعها معها (6) .
(1) كعصفر وكشك وبقم وفوة، ونحو ذلك من سائر الأصباغ.
(2)
وفاقًا لأبي حنيفة والشافعي، لاعتياض الصباغ عن الصبغ القائم بنحو الثوب، ففيه معنى التجارة.
(3)
يقوم عند حوله، «والعفص» مولد أو عربي، أو شجرة من البلوط، تحمل سنة بلوطًا، وسنة عفصًا، يتخذ منه الحبر، ويدبغ به، وكذا القرظ ونحوه.
(4)
مائي أو معدني، والسمن من الأنعام، أو الأشجار كالزيتون والسمسم، ونحو ذلك أي فهو عرض تجارة، يقوم عند حوله.
(5)
والسمان والزيات، والعسال، ونحوهم وفاقًا، لأنه لا يبقى له أثر، ولا زكاة فيما لا يبقى له أثر.
(6)
فيزكيه مال تجارة، وكذا آلات الدواب لحفظها، إلا أن يبيعها معها فمال تجارة.
ولا زكاة في غير ما تقدم (1) ولا في قيمة ما أُعد للكراء، من عقار وحيوان (2) وظاهر كلام الأكثر: ولو أَكثر من شراء العقار فارا (3) .
(1) مما ذكره الماتن، وكذا الشارح، من العروض وغيرها.
(2)
وغيرهما وفاقًا، لأنه لي بمال تجارة.
(3)
أي من الزكاة، فلا زكاة فيه، لأنه لم يرصد للنماء، وصوب في تصحيح الفروع، وتبعه في الإقناع: يزكيه إذا كان فارًا، معاملة له بنقيض قصده، كالفار من الزكاة ببيع أو غيره.