الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
باب ما يكره ويستحب في الصوم
وحكم القضاء
أي قضاء الصوم (1)(يكره) لصائم (جمع ريقه فيبتلعه)(2) للخروج من خلاف من قال بفطره (3)(ويحرم) على الصائم (بلع النخامة) ، سواءً كانت من جوفه أو صدره أو دماغه (4) .
(1) لرمضان أو غيره، وما يتعلق بذلك، ويقع القضاء بمعنى الأداء، ممن أفطر بسبب مباح، أو محرم، كمن أبطل صومه، بجماع أو غيره، وقال الشيخ وغيره: وقولهم: بطل صومه، ونحو ذلك، بمعنى وجب القضاء، لا بمعنى أنه لا يثاب عليه بشيء، وجاءت السنة بثوابه على ما فعله، وعقابه على ما تركه، وأنه لو كان باطلاً كعدمه، ولا ثواب فيه، لم يجبر بالنوافل شيء وقوله {وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} ليس بطلان جميعه، بل قد يثاب على ما فعله، فلا يكون مبطلاً لجميع عمله.
(2)
فرضًا كان الصوم، أو نفلاً، لإمكان التحرز منه، والريق: الرضاب، وهو ماء الفم.
(3)
يشير إلى خلاف أبي حنيفة، وأقل أحوال المختلف فيه، أن يكون مكروهًا؛ وقال في الفروع: وقيل: يفطر؛ فيحرم ذلك كعوده وبلعه من بين شفتيه، ولا يفطر ببلعه مجموعًا، وفاقًا، لأنه إذا لم يجمعه، وابتلعه قصدًا، لا يفطر إجماعًا، فكذا إن جمعه ثم بلعه قصدًا، لأنه يصل إلى جوفه من معدنه، أشبه ما لو لم يجمعه.
(4)
إذا حصلت في فيه، للاختلاف في الفطر بها، فانبنى التحريم، وينبغي أن يقيد بالفرض، والنخامة: النخاعة، حكاه الجوهري وغيره، وفي المطالع:
النخامة؛ في الصدر، وهو البلغلم اللزج. وقال غيره: النخاعة من الصدر، والنخامة من الرأس.
(ويفطر بها فقط) أي لا بالريق (1)(إن وصلت إلى فمه) لأنها من غير الفم (2) وكذلك إذا تنجس فمه بدم، أو قيء، ونحوه فبلعه، وإن قل (3) لإمكان التحرز منه (4) وإن أخرج من فمه حصاة، أو درهمًا، أو خيطًا ثم أعاده، فإن كثر ما عليه أفطر (5) وإلا فلا (6) ولو أخرج لسانه ثم أعاده لم يفطر بما عليه (7) .
(1) فلا يفطر ببلع ريقه إجماعًا، لأن النخامة تنزل من الرأس، أو تخرج من الجوف، والريق من الفم.
(2)
كالقيء وتقدم، وذلك لإمكان التحرز منها، وهذا مذهب الشافعي وغيره، لا إن بلع نخامة لم تصل إلى فمه.
(3)
أفطر إن تحقق كونه بلع شيئًا نجسًا، نص عليه، لا إن بالغ في تفله، ثم بلع ريقه بعد، لم يضر.
(4)
ولأن الفم في حكم الظاهر، فيقتضي الفطر بكل ما يصل منه، وإن تنجس فمه فبصق النجاسة، وبقي الفم نجسًا، فابتلع ريقه لم يفطر، قطع به أبو البركات، لأنه لا يتحقق ابتلاعه لشيء من أجزاء النجاسة، وإن استقصى في البصق، ثم وجد طعمه في حلقه لم يفطر، وإلا أفطر على الصحيح من المذهب، قاله في الإنصاف.
(5)
لأنه واصل من خارج، لا يشق التحرز منه.
(6)
أي وإن لم يكثر، فلا إفطار، لعدم تحقق انفصاله، والأصل بقاء الصوم.
(7)
وفاقًا.
ولو كثر، لأنه لم ينفصل عن محله (1) ويفطر بريق أخرجه إلى ما بين شفتيه ثم بلعه (2) (ويكره ذوق طعام بلا حاجة) (3) قال المجد: المنصوص عنه أنه لا بأْس به لحاجة ومصلحة (4) وحكاه هو والبخاري عن ابن عباس (5)(و) يكره (مضغ علك قوي)(6) .
(1) بخلاف ما على الدرهم، ونحوه.
(2)
وكذا لو خرج ريقه إلى ثوبه، أو بين أصابعه، ثم عاد فابتلعه، لكونه فارق معدنه، مع إمكان التحرز منه عادة، أشبه الأجنبي، لا ما قل عن درهم، أو حصاة، أو خيط ونحوه، إذا عاد إلى فمه، كما على لسانه.
(3)
إلى ذوقه لأنه لا يأمن أن يصل إلى حلقه فيفطره، وقال أحمد: أحب أن يجتنب ذوق الطعام، فإن فعل فلا بأس، وظاهره الإطلاق، وهو مذهب مالك.
(4)
ككون زوجها أو سيدها سيء الخلق، فتذوقه لذلك، أو لا تجد من يمضغ لصبيها، ممن لا يصوم، وهو مفهوم ما في المتن.
(5)
أي حكى المجد والبخاري، عن ابن عباس رضي الله عنهما، جواز ذوق الطعام لحاجة ومصلحة، واختاره في التنبيه، وابن عقيل، وفاقًا لأبي حنيفة والشافعي. وقال الشيخ: أما إذا ذاق طعامًا ولفظه، أو وضع في فيه عسلاً ومجه، فلا بأس به للحاجة، كالمضمضة، والاستنشاق. وعلى قول المجد ومن تابعه، إذا استقصى في البصق، ثم وجد طعمه في حلقه لم يفطر، وإن لم يستقص أفطر، قال في الإنصاف: على الصحيح من المذهب.
(6)
لا يتحلل منه أجزاء، نص عليه وفاقًا، وهو أنواع، أقواه أبيض، ممضوغ ملتئم، ويطلق على كل ما يمضغ ويبقى في الفم، كالمصطكى واللبان، وقال ابن
سيده: ضرب من صمغ الشجر. وفي القاموس: بالكسر، صمغ الصنوبر، والأرزة، والفستق، والسرو، والينبوت، والبطم، وهو أجودها.
وهو الذي كلما مضغه صلب وقوي (1) لأنه يحلب البلغم، ويجمع الريق، ويورث العطش (2)(وإن وجد طعمهما) أي طعم الطعام، والعلك (في حلقه أفطر)(3) لأنه أوصله إلى جوفه (4)(ويحرم) مضغ (العلك المتحلل) مطلقًا، إجماعًا، قاله في المبدع (5)(إن بلع ريقه) وإلا فلا (6) .
(1) ولم يتحلل منه أجزاء، وقال أحمد – في الرجل يفتل الخيط: - يعجبني أن يبزق.
(2)
فكره له ذلك، و «حلب الشيء» استخرج ما فيه؛ و «البلغم» خلط من أخلاط البدن، وهو أحد الطباع الأربع.
(3)
صوبه في تصحيح الفروع، وغيره، لإطلاق الكراهة، ومقتضاه: أنه لا فطر إذا قلنا بعدم الكراهة، للحاجة، كما صرح به في شرح المنتهى، وذلك لأنه لا ينزل منه شيء، أشبه ما لو لطخ باطن رِجْلِه بحنظل، ومجرد الطعم لا يفطر.
(4)
أشبه ما لو تعمد الأكل.
(5)
وقاله في الفروع وغيرهما، لأنه يكون قاصدًا لإيصال شيء من خارج، إلى جوفه مع الصوم، وهو حرام، وتعريض لفساد صومه، وإطلاقه مخالف لقوله «إن بلع ريقه» وإن كان مراده به؛ على الصحيح من المذهب، فمحله القول الثاني أنه يحرم ولو لم يبتلعه، فمعنى الإطلاق هنا أنه سواء ابتلع ريقه أو لا.
(6)
أي وإن لم يبتلع ريقه، لم يحرم.
هذا معنى ما ذكره في المقنع والمغني والشرح (1) لأَن المحرم إدخال ذلك إلى جوفه، ولم يوجد (2) وقال في الإنصاف: والصحيح من المذهب أَنه يحرم مضغ ذلك، ولو لم يبتلع ريقه، وجزم به الأكثر. اهـ. وجزم به في الإقناع والمنتهى (3) ويكره أن يدع بقايا الطعام، بين أسنانه (4) وشم ما لا يؤمن أن يجذبه نفسه، كسحيق مسك (5)(وتكره القبلة) ودواعي الوطء (لمن تحرك شهوته)(6) .
(1) وغيرهما، بل تابعهما الشراح، وهو ظاهر الوجيز وغيره.
(2)
أي الإيصال إلى الجوف، فلم يحرم، لأن القاعدة أنه إذا انتفت العلة، انتفى المعلول.
(3)
وهو مقتضى إطلاق صاحب المبدع، والفروع وغيرهما.
(4)
خشية خروجه، فيجري به ريقه إلى جوفه.
(5)
وكافور، ودهن، وبخور بنحو عود، خشية وصوله مع نفسه إلى جوفه، ولا يكره شم نحو ورد، وقطع عنبر، ومسك غير مسحوق.
(6)
قال الوزير وغيره: أجمعوا على كراهة القبلة، لمن تحرك شهوته، وإلا فلا، إلا رواية عن مالك. اهـ. وعنه: تحرم لمن تحرك شهوته وجزم به في المستوعب وغيره، وفاقًا لمالك، والشافعي، ومرادهم: قبلة من تباح قبلته في الفطر، كزوجته، وسريته تلذذًا، لا رحمة وتوددًا، فأما من تحرم قبلته في الفطر، ففي الصوم أشد تحريمًا، وكذا دواعي الوطء كمعانقة ولمس، وتكرار نظر للتلذذ، والشهوة، وأما اللمس لغير شهوة، كلمس اليد ليعرف مرضها ونحوه، فلا يكره وفاقًا.
لأَنه عليه السلام «نهى عنها شابًا ورخص لشيخ» رواه أبو داود، من حديث أبي هريرة (1) ورواه سعيد عن أبي هريرة، وأبي الدرداء (2) وكذا عن ابن عباس، بإسناد صحيح (3) وكان صلى الله عليه وسلم يقبل وهو صائم، لما كان مالكًا لإربه (4) وغير ذي الشهوة في معناه (5) وتحرم إن ظن إنزالاً (6) .
(1) وذلك أن رجلاً شابًا، سأل النبي صلى الله عليه وسلم، عن التقبيل وهو صائم، فنهاه، خشية أن تغلبه الشهوة، فلذلك ذهب قوم إلى تحريمه، على من تحرك شهوته، والشاب مظنة لذلك، بخلاف الشيخ، فإنه لما سأله عن المباشرة للصائم، رخص له، والتعبير بالشيخ والشاب: جري على الغالب، فلو انعكس الأمر، انعكس الحكم.
(2)
والبيهقي: أنه سأله شاب، فنهاه، وسأله شيخ، فرخص له. وقال:«الشيخ يملك إربه» .
(3)
أي وكذا روى سعيد في سننه، عن ابن عباس نحو ما تقدم، وقد أقام الشارع المظنة، مقام الحقيقة في مواضع، وتقدم.
(4)
ولفظه: كان يقبل وهو صائم، ويباشر وهو صائم، ولكنه أملككم لإربه. متفق عليه. أي أملككم لنفسه، وآمنكم من الوقوع في قبلة، يتولد منها إنزال، أو شهوة، أو هيجان نفس، ورواه أكثر المحدثين، بفتح الهمزة والراء، وبعضهم بكسر الهمزة، وسكون الراء، حاجة النفس ووطرها، وقيل بالتسكين: العضو، وبالتحريك: الحاجة.
(5)
أي غير ذي الشهوة، يباح له، لفعله صلى الله عليه وسلم.
(6)
قال المجد: بغير خلاف، لتعريضه للفطر، ثم إن أنزل أفطر، وتقدم، وإن لم ينزل، لم يفطر، ذكره ابن عبد البر إجماعًا.
(ويجب) مطلقًا (1)(اجتناب كذب وغيبة) ونميمة (وشتم) ونحوه (2) لقوله صلى الله عليه وسلم «من لم يدع قول الزور، والعمل به، فليس لله حاجة في أَن يدع طعامه وشرابه» رواه أحمد، والبخاري، وأبو داود، وغيرهم (3) .
(1) أي في كل وقت، وكل مكان، وفي رمضان، ومكان فاضل آكد، لأن الحسنات والسيئات، تتضاعف بالزمان والمكان الفاضل.
(2)
كفحش، إجماعًا في الجملة، والمراد: اجتناب الكذب إذا كان محرمًا، لأن من الكذب ما هو واجب، كتخليص مسلم من قتل، وما هو مباح، كإصلاح بين الزوجين، والكذب: هو الإخبار بما لا يطابق المخبر عنه، خلاف الصدق؛ «والغيبة» هي ذكر الإنسان بما فيه مما يكره، سواء ذكره بلفظه، أو كتابة أو إشارة إليه بعينه، أو يده أو رأسه، وضابطها: كل ما أفهم به غيره نقصان مسلم، فهو غيبة محرمة بالإجماع، وكما تحرم على المغتاب، يحرم استماعها، وإقرارها، واستثنى منها ما نظمه الجوهري:
تظلم واستعن واستفت حذر
…
وعرف واذكرن فسق المجاهر
لأن تلك أغراض صحيحة شرعية، لا يمكن الوصول إليها إلا بذكره بما فيه، «والنميمة» اسم من «نم الحديث» أظهره على وجه الإشاعة، والإفساد، وزينه بالكذب «والشتم» السب، والكلام القبيح، ويقال: هو رمي أعراض الناس بالمعايب، وثلبهم، وذكرهم بقبيح القول، حضرًا وغيبًا.
(3)
ومعناه الزجر، والتحذير من قول الزور، وهو الكذب. ولأحمد «والجهل» وهو السفه «والعمل به» أي بمقتضاه، لما يحصل من الإثم، المقاوم للصوم، ولأنه لم يحصل منه مقصود الصائم، أو أنها قد تذهب بأجر الصوم،
ويأتي حديث «فإذا كان يوم صوم أحدكم، فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابه أحد أو قاتله، فليقل: إني امرؤ صائم» وقال تعالى: {وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ} وفي الصحيحين «إن دماءكم، وأموالكم، وأعراضكم عليكم حرام» الحديث. وحديث: عرج به، فمر على قوم لهم أظفار من نحاس، يخمشون وجوههم، وصدورهم؛ فقال «يا جبرئيل من هؤلاء؟» قال: الذين يأكلون لحوم الناس، ويقعون في أعراضهم. وحديث «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده» وغير ذلك.
قال أحمد: ينبغي للصائم أن يتعاهد صومه من لسانه، ولا يماري، ويصون صومه (1) وكانوا إذا صاموا، قعدوا في المساجد وقالوا: نحفظ صومنا، ولا نغتاب أحدًا (2) ولا يعمل عملاً يجرح به صومه (3) .
(1) فلا يرفث، ولا يفسق، ولا يجادل، ولا يغتب أحدًا، وإن كان ذلك لا ينبغي كل وقت، ففي حالة الصوم آكد.
(2)
صيانة لصيامهم.
(3)
من المعاصي، فيسقط أجره، ولا يفطر بغيبة ونحوها، وفاقًا، وقال أحمد: لو كانت الغيبة تفطر، ما كان لنا صوم. وذكره الموفق إجماعًا، لأن فرض الصوم بظاهر القرآن، الإمساك عن الأكل، والشرب، والجماع، وظاهره صحته، إلا ما خصه دليل ولم يأمر صلى الله عليه وسلم من اغتاب بترك صيامه، ولكن قد يكثر، فيزيد على الصوم، وقد يقل، وقد يتساويان، قال الشيخ: وهذا مما لا نزاع فيه. وقال الوزير: اتفقوا على أن الكذب والغيبة يكرهان للصائم، ولا يفطرانه، وإن صومه صحيح في الحكم.
(وسن) كثرة قراءة، وذكر، وصدقة (1) وكف لسانه عما يكره (2) وسن (لمن شتم قوله) جهرًا (إني صائم) (3) لقوله صلى الله عليه وسلم:«فإن شاتمه أحد، أو قاتله، فليقل: إني امرؤ صائم» (4)(و) سن (تأْخير سحور)(5) .
(1) لتضاعف الحسنات به، وكان مالك يترك الحديث فيه، ويقبل على تلاوة القرآن، وكان الشافعي يختم ستين ختمة، وقال إبرهيم: تسبيحة في رمضان خير من ألف تسبيحة فيما سواه وأخبار مضاعفة الأعمال الصالحة، في رمضان، متظاهرة، والصدقة فيه أفضل، للأخبار الواردة في ذلك.
(2)
فيسن له أن يسعى في حفظ لسانه، عن جميع الكلام، إلا ما ظهرت فيه مصلحته، قال عليه الصلاة والسلام «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليقل خيرًا أو ليصمت» وعن المباح لقوله «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه» .
(3)
أي قول الصائم جهرًا، في رمضان وغيره: إني صائم؛ وهو ظاهر المنتهى، واختاره الشيخ، لأن القول المطلق باللسان، وفي الفرض لا نزاع فيه، حكاه ابن العربي وغيره، وإنما الخلاف في التطوع بعدًا عن الرياء.
(4)
متفق عليه، من حديث أبي هريرة، ولفظه «إذا كان يوم صوم أحدكم، فلا يرفث يومئذ، ولا يصخب فإن شاتمه» الحديث، وظاهره أنه يجهر بذلك، واختار المجد: في رمضان، لبعده عن الرياء، وليس مختصًا بالصائم، لكنه في حقه آكد، «والرفث» هو السخف، وفاحش الكلام، «والجهل» قريب منه، وهو خلاف الصواب. «وشاتمه» أي شتمه، متعرضًا لمشاتمته، «وقاتله» نازعه ودافعه.
(5)
إجماعًا، حكاه الوزير وغيره، وجزم الشيخ وغيره: أن السنة للصائم،
أن يؤخر السحور، والسحور – بفتح السين – اسم لما يؤكل في السحر، وبالضم: اسم للفعل على الأشهر، وقيل: في اسم الفعل الفتح أيضًا، والمراد هنا الفعل فيكون بالضم على الصحيح الأشهر، وكل ما حصل من أكل، أو شرب، حصل به فضيلة السحور، لقوله «ولو أن يجرع أحدكم جرعة من ماء» ولأبي داود «نعم سحور المؤمن التمر» .
إن لم يخش طلوع فجر ثان (1) لقول زيد بن ثابت: تسحرنا مع النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قمنا إلى الصلاة. قلت: كم كان بينهما؟ قال: قدر خمسين آية. متفق عليه (2) .
(1) ذكره أبو الخطاب، والأصحاب، ويحرم الأكل وغيره: بطلوع الفجر وفاقًا، بل في قول عامة الفقهاء، للآية والأخبار، وما بعد الفجر من النهار، لا من الليل إجماعًا.
(2)
ولقوله «كلوا واشربوا، حتى يعترض لكم الأحمر» رواه الترمذي وغيره، وقال: العمل عليه عند أهل العلم. ولقوله «كلوا واشربوا حتى يؤذن ابن مكتوم» ، وفيه الاعتماد على صوت المؤذن، وجواز الأكل بعد النية، ولأحمد عن أبي ذر:«لا تزال أمتي بخير، ما أخروا السحور، وعجلوا الفطر» ولأنه أقوى على الصوم، وما كان أقرب إلى الفجر، كان أعون عليه، ولا نزاع في مطلوبيته.
وفي الحديث: «كلوا واشربوا حتى يستطير الفجر» ينتشر بياض الأفق معترضًا، وقال تعالى {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ} والخيط اللون، وفي الحديث «سواد الليل وبياض النهار» وهل العبرة أول طلوعه، أو الاستطارة، أو الانتشار؟ استظهر الأكثر الانتشار، لتعريفهم الصادق به، قال ابن كثير، والنووي وغيرهما: فيه دليل على استحباب السحور، وتأخيره، لأنه من باب الرخصة، والأخذ بها محبوب، ووردت السنة بالحث عليه وفي الصحيحين وغيرهما:«تسحروا، فإن في السحور بركة» ولأحمد «السحور كله بركة، فلا تدعوه، ولو أن يجرع أحدكم جرعة من ماء، فإن الله وملائكته يصلون على المتسحرين» ولأنه يقوي على الصيام، وينشط له، وتحصل بسببه الرغبة في الازدياد من الصيام، لخفة المشقة فيه على المتحسر، ولمسلم «فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب آكلة السحر» لأن الله أباح لنا الطعام، وحرمه عليهم بعد أن يناموا، ومخالفتنا إياهم تقع موقع الشكر، لتلك النعمة، وفيه «إن هذا الدين يسر» . فحكمته التقوى، أو مخالفة أهل الكتاب، وأحاديث الأمر بالتسحر، والحث عليه وتأخيره، وتعجيل الفطر، متواترة، حكاه الطحاوي وغيره. ولا يجب السحور، حكاه ابن المنذر وغيره إجماعًا.
وكره جماع مع شك في طلوع فجر، لا سحور (1)(و) يسن (تعجيل فطر)(2) .
(1) لما في الجماع مع الشك من التعرض لوجوب الكفارة، ولأنه ليس مما يتقوى به، ولا يستحب وفاقًا، وأما السحور مع الشك فلا يكره، وظاهر كلام الموفق: يستحب. قال أحمد: يأكل حتى يتيقن. وقال ابن عباس: كل، ما شككت، حتى لا تشك. وقال الصديق: يا غلام أجف الباب، لا يفجأنا الفجر. ولا يعرف لهما مخالف، بخلاف الجماع، وفي الصحيحين «حتى يؤذن ابن أم مكتوم فإنه لا يؤذن حتى يطلع الفجر» ، وفي لفظ «حتى يقال له: أصبحت، أصبحت» ولأبي داود «إذا سمع أحدكم النداء، والإناء في يده، فلا يضعه حتى يقضي حاجته منه» والمراد – والله أعلم – ما لم يعلم طلوع الفجر، ولإمكان سرعة أكله وشربه، لتقارب وقته، واستدراك حاجته، واستشراف نفسه، وقوة نهمته، وتوجه شهوته، بجميع همته، مما يكاد يخاف عليه أنه لو منع منه لما امتنع، فأجازه الشارع رحمة عليه، وأما إذا علم انتشار الصبح، فيحرم اتفاقًا.
(2)
إجماعًا، حكاه الوزير وغيره، وجزم به الشيخ وغيره.
لقوله صلى الله عليه وسلم «لا يزال الناس بخير، ما عجلوا الفطر» متفق عليه (1) .
(1) أي مدة فعلهم ذلك، امتثالاً للسنة، ولحديث عائشة: كان يعجل الإطار، صححه الترمذي، ولحديث أبي هريرة مرفوعًا «يقول الله تعالى إن أحب عبادي إلي، أعجلهم وفطرًا» رواه أحمد، والترمذي؛ ولأبي داود «لا يزال الدين ظاهرًا، ما عجل الناس الفطر، لأن اليهود والنصارى يؤخرون» ونحوه في الصحيحين، أي لا يزال أمر هذه الأمة معظمًا، وهم بخير، ما داموا محافظين على هذه السنة، وقوام الدين على مخالفة الأعداء، ولمسلم في رجلين، أحدهما يعجل الإفطار، ويعجل المغرب، والآخر بالعكس، قالت عائشة – في الذي يعجلهما -: هكذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال الحافظ: ومن البدع المنكرة ما أحدث الناس من إيقاع الأذان الثاني، وطفي الأنوار، قبل ثلث ساعة لتحريم الأكل والشرب، للاحتياط، وجرهم إلى أنهم لا يؤذنون المغرب إلا بعد الغروب بدرجة، فأخروا الفطور، وعجلوا السحور، وخالفوا السنة، فلذلك قل عنهم الخير، وكثر فيهم الشر.
وقال ابن عبد البر وغيره: أحاديث تعجيل الفطور، وتأخير السحور، صحيحة متواترة. وقوله تعالى {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} يقتضي الإفطار عند غروب الشمس، حكمًا شرعيًا، لما في الصحيحين وغيرهما «إذا أقبل الليل من ههنا، وأدبر النهار من ههنا، وغربت الشمس، فقد أفطر الصائم» أي دخل في وقت الفطر، وجاز له أن يفطر، أو انقضى صومه وتم، ولا يوصف بأنه صائم، فإن بغروب الشمس خرج النهار، وليس الليل محلاً للصوم.
وقال النووي: هي متلازمة، وإنما جمع بينهما لأنه قد يكون في واد ونحوه، بحيث لا يشاهد غروبها، فيعتمد إقبال الظلام، وإدبار الضياء، وأجمعوا على أن
الصوم ينقضي ويتم، بتمام الغروب، وأنه يدخل فيه بالفجر الثاني، وقال الشيخ: إذا غاب جميع القرص، أفطر الصائم، ولا عبرة بالحمرة الشديدة، الباقية في الأفق، وإذا غاب جميع القرص، ظهر السواد من المشرق، كما قال صلى الله عليه وسلم «إذا أقبل الليل من ههنا، وأدبر النهار من ههنا، فقط أفطر الصائم» . ويعرف في العمران بزوال الشعاع، وإقبال الظلام من المشرق، للنهي عن الوصال، ومن أحب أن يمسك إلى السحر فله ذلك، لما في الصحيحين «فأيكم أراد أن يواصل، فليواصل إلى السحر» .
والمراد إذا تحقق غروب الشمس (1) وله الفطر بغلبة الظن (2) .
(1) إجماعًا، فإن شك كره.
(2)
وفاقًا، إقامة له مقام اليقين، ولأن الناس أفطروا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كذلك، وكذلك أفطر عمر والناس في عهده كذلك، ولأن ما عليه أمارة، يدخله التحري كالوقت، والاحتياط إلى أن يتيقن، قال الشيخ: ومع الغيم المطبق، لا يمكن اليقين الذي لا يقبل الشك، إلا بعد أن يذهب وقت طويل من الليل، يفوت المغرب، ويفوت تعجيل الفطور، والمصلي مأمور بصلاة المغرب، وتعجيلها، وثبت في صحيح البخاري، عن أسماء: أفطرنا يومًا من رمضان في غيم، على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم طلعت الشمس. فدل على أنه لا يستحب التأخير مع الغيم، إلى أن يتيقن الغروب، فإنهم لم يفعلوا ذلك، ولم يأمرهم به، والصحابة مع نبيهم أعلم، وأطوع لله ورسوله، والفطر قبل صلاة المغرب أفضل، بالاتفاق، ولخبر عائشة، رواه مسلم، ولخبر أنس: ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي حتى يفطر، ولو على شربةٍ من ماء. رواه ابن عبد البر، وقد يستثنى ما لو أقيمت الجماعة، وكان بحيث لو أفطر على نحو تمر، بقي بين أسنانه، ولو اشتغل به فاتته الجماعة، أو فضيلة الإحرام مع الإمام، ما لم يكن بحضرة طعام.
وتحصل فضيلته بشرب، وكمالها بأَكل (1) ويكون (على رطب) (2) لحديث أنس: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفطر على رطبات، قبل أن يصلي، فإن لم تكن فعلى تمرات، فإن لم تكن تمرات، حسا حسوات من ماء. رواه أبو داود، والترمذي، وقال: حسن غريب (3) .
(1) أي وتحصل فضيلة الفطر بشرب، لقوله «ولو أن يجرع جرعة من ماء» وكمال الفضيلة بأكل، من أي نوع من المأكولات.
(2)
أي ويسن أن يكون الفطور على رطب، نضيج البسر قبل أن ييبس، جمع «رطبة» بضم ففتح.
(3)
أي قال الترمذي: حسن باعتبار سنده، غريب باعتبار كونه من طريق واحد، ويجوز تشديد النون من «تكن» وتخفيفها، فالتشديد على معنى: فإن لم يكنَّ رطبات. والتخفيف على معنى: فإن لم يكن رطب. واستظهر التشديد ابن نصر الله وغيره، وفيه سنية تعجيل الفطور، وأنه على رطب، قدمه على اليابس، فيقدم عليه إن وجد، فإن لم يوجد فيفطر على تمرات، ولفظ الطبراني: وإذا لم يكن رطب، لم يصل حتى يأتيه بتمر وماء. لأن التمر حلو، وكل حلو يقوي البصر، وله وصححه «إذا أفطر أحدكم، فليفطر على تمر، فإن لم يجد فعلى ماء فإنه طهور» ولو كان بمكة، لأنه صلى الله عليه وسلم صام بمكة عام الفتح أيامًا من رمضان، ولم ينقل عنه في ذلك ما يخالف عادته المستقرة، من تقديم التمر، وفي معنى الرطب والتمر كل حلو لم تمسه النار، لأنه يرد للبصر ما زاغ منه بالصوم «وحسا حسوات» أي شرب شربات من ماء.
وقال ابن القيم: هذا من كمال شفقته صلى الله عليه وسلم على أمته، ونصحه
لهم، فإن إعطاء الطبيعة الشيء الحلو، مع خلو المعدة، أدعى إلى قبوله، وانتفاع القوى به، لا سيما القوى الباصرة، فإنها تقوى به، وأما الماء، فإن الكبد يحصل لها بالصوم نوع يبس، فإن رطبت بالماء، كمل انتفاعها بالغذاء وبعده، هذا مع ما في التمر والماء من الخاصية، التي لها تأثير في صلاح القلب، لا يعلمها إلا أطباء القلوب.
(فإن عدم) الرطب (فتمر (1) فإن عدم فـ) على (ماء) لما تقدم (2)(وقول ما ورد) عند فطره (3) ومنه «اللهم لك صمت، وعلى رزقك أفطرت، سبحانك وبحمدك، اللهم تقبل مني، إنك أنت السميع العليم» (4) .
(1) أي فإن عدم الرطب، أفطر على تمر، وهو يابسه.
(2)
من قوله: وتحصل فضيلته بشرب. وقوله في حديث أنس: فإن لم تكن تمرات، حسا حسوات من ماء. وفي صحيح مسلم «فاجدح لنا» وهو خلط السويق بالماء، فنزل فجدح له، فشرب، وروي عن جماعة من الصحابة آثار تدل على أن الإفطار بما ذكر سنة.
(3)
فإن للصائم دعوة لا ترد، كما في الحديث «للصائم عند فطره دعوة لا ترد» رواه ابن ماجه، وللترمذي وحسنه «ثلاثة لا ترد دعوتهم» منهم «الصائم حتى يفطر» .
(4)
رواه الدارقطني وغيره من حديث أنس، وابن عباس، وأوله «إذا أفطر أحدكم، فليقل» فدل على أنه قبل الفطر، وعن ابن عمر: اللهم إني أسألك رحمتك التي وسعت كل شيء، أن تغفر لي ذنوبي. وإن شاء قال بعد «اللهم لك صمت، وعلى رزقك أفطرت» : فاغفر لي ما قدمت، وما أخرت، وما أسررت، وما أعلنت، وما أنت أعلم به مني، أنت المقدم، وأنت المؤخر، لا إله إلا أنت،
اللهم إنك عفو، تحب العفو، فاعف عني. ويستحب تفطير الصائم، لحديث «من فطر صائمًا فله مثل أجره، من غير أن ينقص من أجر الصائم شيء» رواه الترمذي وغيره وصححه، قال الشيخ: المراد أن يشبعه.
(ويستحب القضاء) أي: قضاء رمضان، فورًا (متتابعًا)(1) لأن القضاء يحكي الأداء (2) وسواء أفطر بسبب محرم، أو لا (3) وإن لم يقض على الفور، وجب العزم عليه (4) .
(1) وفاقًا، مسارعة لبراءة ذمته، ولا بأس أن يفرقه وفاقًا، وقاله البخاري عن ابن عباس، لقوله {فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} وعن ابن عمر مرفوعًا «قضاء رمضان إن شاء فرق، وإن شاء تابع» رواه الدارقطني، وعن محمد بن المنكدر قال: بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن تقطيع قضاء رمضان، قال «ذاك إليك، أرأيت لو كان على أحد دين، فقضاه الدرهم والدرهمين، ألم يكن قضى؟ فالله أحق أن يعفو ويغفر» رواه الدارقطني، وحسن إسناده، ولأنه لا يتعلق بزمان معين، فلم يجب فيه التتابع، كالنذر المطلق. إلا إذا لم يبق من شعبان إلا قدر ما عليه، فيجب التتابع إجماعًا، لضيق الوقت، كأداء رمضان، في حق من لا عذر له، ولا يكره في عشر ذي الحجة، لأنها أيام عبادة، كعشر المحرم، ،واستحبه ابن عمر، ويقدم رمضان على نذر لا يخاف فوته، لتأكد القضاء، فإن خاف فوت النذر قدمه، ومن فاته رمضان، قضاه عدد أيامه، تامًا كان، أو ناقصًا إجماعًا.
(2)
أي يساويه، وفيه خروج من الخلاف.
(3)
أي أو أفطر بسبب غير محرم، يستحب القضاء على الفور متتابعًا.
(4)
قال النووي: الصحيح عند محققي الفقهاء وأهل الأصول فيه، وفي كل واجب موسع، أنه يجوز تأخيره، بشرط العزم عليه، وأجاز جماعة من الصحابة وغيرهم الأمرين، وقال المجد: يجوز تأخير قضاء رمضان بلا عذر، ما لم يدرك
رمضان ثان، ولا نعلم فيه خلافًا. وكذا ذكر غير واحد، مذهب الأئمة، وجماهير السلف والخلف، أن القضاء يجب على التراخي، ولا يشترط المبادرة به في أول الإمكان، وتقدم قول الشيخ: إنه لا يأثم بتأخير قضاء رمضان ولو مات، لأنه وقت موسع.
(ولا يجوز) تأخير قضائه (إلى رمضان آخر، من غير عذر)(1) لقول عائشة: كان يكون على الصوم من رمضان، فما أستطيع أن أقضيه إلا في شعبان، لمكان رسول الله صلى الله عليه وسلم. متفق عليه (2) فلا يجوز التطوع قبله، ولا يصح (3) .
(1) نص عليه وفاقًا، «ورمضان آخر» مصروف، لأنه نكرة، لوصفه بـ «آخر» وكذا كل معرفة وصفت بـ «آخر» فإنها تنكر.
(2)
أي من كونها مهيئة نفسها له صلى الله عليه وسلم، متربصة لاستمتاعه في جميع أوقاتها، إن أراد ذلك، وهذا من الأدب، ولا ريب في إطلاعه على ذلك، واتفق أهل العلم أنها لا يحل لها صوم التطوع وزوجها حاضر، إلا بإذنه، وإنما كانت تصومه في شعبان، لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصوم معظم شعبان، فلا حاجة له فيها حينئذ في النهار، ولأنه إذا جاء شعبان، يضيق قضاء رمضان، فلا يجوز تأخيره عنه.
(3)
نص عليه لخبر «من أدرك رمضان، وعليه من رمضان شيء لم يقضه، لم يتقبل منه صومه» لكن قال الموفق وغيره: متروك. ونقل حنبل: لا يجوز، بل يبدأ بالفرض حتى يقضيه. ولأن المبادرة إلى إبراء الذمة، من أكبر العمل الصالح، وعنه: يجوز، ويصح وفاقًا، وصوبه في تصحيح الفروع وغيره، للعموم، وكالتطوع بصلاة في وقت فرض متسع قبل فعله، فالأوجه أن يصوم العشر ونحوها تطوعًا وقضاء، والتطوع أفضل، كالسنن الراتبة، في أول وقت الصلاة، واستظهر صاحب التنقيح وغيره الجواز مع سعة الوقت، وصححه في تصحيح الفروع.
(فإن فعل) أي: أَخره بلا عذر، حرم عليه (1) وحينئذ (فعليه مع القضاء إطعام مسكين لكل يوم)(2) ما يجزئ في كفارة، رواه سعيد، بإسناد جيد، عن ابن عباس (3) والدارقطني بإسناد صحيح، عن أبي هريرة (4) وإن كان لعذر، فلا شيء عليه (5) .
(1) لأن مقتضاه وجوب القضاء على الفور، وكما لا تؤخر الصلاة الأولى إلى الثانية، خولف في المعذور، فيبقى ما عداه على الأصل.
(2)
وجوبًا، وفاقًا، لمالك والشافعي، وقال الوزير: أجمعوا أنه إن أخره لغير عذر يقضي، وعليه الفدية. وقال الشيخ: إن ترك الأداء لغير عذر وجبت، وإلا فلا.
(3)
ولفظه: فإذا قضى أطعم.
(4)
ورواه مرفوعًا من حديث أبي هريرة، لكن فيه ضعف، وروي نحوه عن ابن عمر، وذكره غيره عن جماعة من الصحابة، وقال يحيى بن أكثم: لا أعلم لهم مخالفًا. والمجزئ من البرمُدُّ، ومن غيره مُدَّانِ، ويجوز قبل القضاء وبعده، وقال المجد: الأفضل عندنا تقديمه، مسارعة إلى الخير، وتخلصًا من آفات التأخير.
(5)
أي وإن كان التأخير إلى رمضان آخر لعذر، كمرض، أو سفر، أو ضيق وقت، ونحو ذلك فيقضي فقط، بلا إطعام وفاقًا، ومن دام عذره بين الرمضانين، ثم زال، صام الرمضان الذي أدركه، ثم قضى ما فاته، ولا إطعام وفاقًا.
(وإن مات) بعد أَن أَخره لعذر، فلا شيء عليه (1) ولغير عذر أَطعم عنه، لكل يوم مسكين، كما تقدم (2)(ولو بعد رمضان آخر)(3) لأَنه بإخراج كفارة واحدة زال تفريطه (4) والإطعام من رأس ماله، أَوصى به أو لا (5) .
(1) أي لا شيء عليه، وذكره النووي اتفاق أهل العلم، ولو مضى عليه أحوال، لأنه حق لله تعالى، وجب بالشرع، ومات من وجب عليه، قبل إمكان فعله، فسقط إلى غير بدل، كالحج، وأما الحي، فتسقط الكفارة، دون القضاء، لإمكانه.
(2)
أي من خبر ابن عباس، وأبي هريرة، ولفظ أبي داود: قال ابن عباس: إذا مرض الرجل في رمضان، ثم مات ولم يصم، أطعم عنه، ولم يكن عليه قضاء، وإن نذر قضى عنه وليه، وللترمذي عن ابن عمر مرفوعًا «من مات وعليه صيام شهر رمضان، فليطعم عنه كل يوم مسكين» وقال: الصحيح أنه موقوف، وهذا مذهب الأئمة الأربعة وغيرهم، وقال ابن القيم – في قول ابن عباس: يطعم عن الفرض، ويقضى عن النذر -: هذا أعدل الأقوال، وعليه يدل كلام الصحابة، وبه يزول الإشكال.
(3)
فأكثر، لم يلزمه لكل سنة فدية.
(4)
بالتأخير، أشبه ما لو مات من غير تفريط، ولأنه إنما لزمه للتأخير عن وقته، وكثرة التأخير لا يزاد بها الواجب، كما لو أخر الحج لسبب، لم يكن عليه أكثر من فعله.
(5)
أي أو لم يوص به، يخرج من رأس ماله، كسائر الديون.