الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
باب إخراج الزكاة
(1)
يجوز لمن وجبت عليه الزكاة الصدقة تطوعًا قبل إخراجها (2)(ويجب) إخراج الزكاة (على الفور مع إمكانه)(3) كنذر مطلق وكفارة (4) لأَن الأَمر المطلق يقتضي الفورية (5) .
(1) أي زكاة المال المستقرة، وما يتعلق به، من حكم النقل والتعجيل ونحوه.
(2)
ولم يزل المسلمون يتصدقون من الأموال الظاهرة والباطنة قبل الإخراج، فكان إجماعًا، بخلاف صوم التطوع، فإنه لا يقدم على الفرض.
(3)
يعني قدرته على إخراجها في الجملة، وهو مذهب مالك والشافعي، لقوله تعالى {وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} والمراد الزكاة المستقرة، كزكاة المال، وأما زكاة الفطر، فتقدم أنها تجب بدخول ليلة العيد، مع أن الأفضل إخراجها يوم العيد قبل الصلاة.
(4)
أي كما يجب إخراج النذر المطلق، كأن يقول: لله علي أن أصلي أربع ركعات. ولم يقيدها بوقت، أو: أن أصوم عشرة أيام. ولم يقيدها بشهر، ومثله موقت دخل وقته، وإخراج كفارة على الفور.
(5)
ومنه {وَآتُوا الزَّكَاةَ} فإنه يقتضي الفورية بدليل {قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرتُكَ} وبدليل أن المؤخر يستحق العقاب، ولو جاز التأخير لكان: إما إلى غير غاية؛ وهو مناف للوجوب، وإما إلى غاية، ولا دليل عليه، وفي الصحيح: صلى العصر فأسرع، فقيل له؛ فقال «خلفت في البيت تبرًا من الصدقة» وللشافعي وغيره عن عائشة، قال:«ما خالطت الصدقة مالاً إلا أهلكته» ولأنها عبادة تتكرر، فلم يجز تأخيرها، فإن أخرها أثم، وفاقًا لمالك والشافعي، وقول بعض الحنفية.
وكما لو طالبه بها الساعي (1) ولأَن حاجة الفقير ناجزة، والتأْخير مخل بالمقصود (2) وربما أَدى إلى الفوات (3)(إلا لضرورة) كخوف رجوع ساع (4) أَو على نفسه، أَو ماله، ونحوه (5) وله تأْخيرها لأَشد حاجة (6) وقريب، وجار (7) .
(1) فإن مطالبة الساعي بالزكاة، تقتضي الفورية إجماعًا، فكذا بطلب الله تعالى، وكعين مغصوبة، قال المجد بلزومه، وأما أبو حنيفة فإنما يوجب الفورية إذا طلبها الساعي «والساعي» هو العامل، «وسعى الرجل» يسعى؛ عمل وكسب، وكل من ولي شيئًا على قوم فهو ساع عليهم، وأكثر ما يقال ذلك، في ولاة الصدقة.
(2)
أي فيجب إخراجها على الفور لذلك.
(3)
بنحو طروء إفلاس، أو موت؛ ولأن النفوس طبعت على الشح، وهو أيضًا أخلص للذمة، وأنفى للحاجة، وأبعد من المطل المذموم، وأرضى للرب، وأمحى للذنب.
(4)
أي على صاحب المال، إذا أخرجها هو بنفسه، مع غيبة الساعي، فله تأخيرها إذًا.
(5)
كمعيشته، فله تأخيرها حينئذ، لما في تعجيلها من الضرر، وفي الحديث، «لا ضرر ولا ضرار» ولأنه يجوز تأخير دين الآدمي لذلك، فالزكاة أولى.
(6)
أي ليدفعها لمن حاجته أشد ممن هو حاضر، وكذا لأفضل، وقيده كثير من المحققين بالزمن اليسير، لأنه قد تقرر أنه لا يجوز ترك واجب لمندوب، وظاهر كلام جماعة المنع.
(7)
لأنها على القريب صدقة وصلة، والجار في معناه، وعنه: له أن يعطي قريبه كل شهر شيئًا، وينبغي أن يقيد الكل بما إذا لم يشتد ضرر الحاضر، لأن دفع ضررهم فرض، فلا يترك لحيازة فضيلة.
ولتعذر إخراجها من المال، لغيبة ونحوها (1)(فإن منعها) أي الزكاة (جحدًا لوجوبها، كفر عارف بالحكم)(2) وكذا جاهل عرف فعلم وأصر (3) وكذا جاحد وجوبها، ولو لم يمتنع من أَدائها (4)(وأَخذت) الزكاة (منه (5) .
(1) أي لغيبة المال، ونحو الغيبة، كالمنع من التصرف فيه، وكغصبه، وسرقته، وكونه دينًا، إلى قدرته عليه، أو كان المالك فقيرًا، محتاجًا إلى زكاته، تختل كفايته ومعيشته بإخراجها، وتؤخذ منه عند يساره، لفعل عمر، ولأنها مواساة، فلا يكلفها من غيره.
ولو قدر أن يخرجها من غيره، ولإمام وساع تأخيرها عند ربها لمصلحة، كقحط ونحوه، لقوله «هي علي ومثلها» ولفعل عمر رضي الله عنه.
(2)
إجماعًا، لتكذيبه لله ورسوله، وإجماع الأمة.
(3)
أي ومثل من منعها جحدًا لوجوبها جاهل به، لقرب عهده من الإسلام، أو كونه نشأ ببادية بعيدة عن القرى، بحيث يخفى عليه وجوبها، وعرف وجوبها ليرجع عن الخطأ، «فأصر» أي على جحوده، كفر إجماعًا، لأنه مكذب لله ورسوله، وقوله «فعلم» ليس بقيد، ولهذا لم يذكره الأكثر، بل قالوا: عرف فأصر. وكذا لم يذكره في الصلاة.
(4)
يكفر إجماعًا، لظهور أدلة الوجوب من الكتاب والسنة، وإجماع الأمة، فلا عذر له.
(5)
إن كانت وجبت عليه، لوجوبها عليه قبل كفره، فلم تسقط به كالدين، ولاستحقاق أهل الزكاة لها.
وقتل) لردته، بتكذيبه لله ورسوله، بعد أَن يستتاب ثلاثًا (1)(أو بخلاً) أي ومن منعها بخلاً، من غير جحد (أُخذت منه) فقط قهرًا، كدين الآدمي، ولم يكفر (2)(وعزر) إن علم تحريم ذلك (3) وقوتل إن احتيج إليه (4) .
(1) إجماعًا، لقوله صلى الله عليه وسلم «أمرت أن أقاتل الناس، حتى يقولوا: لا إله إلا الله؛ ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة» وقال أبو بكر: لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة. متفق عليه.
(2)
وإنما تؤخذ منه الزكاة، وهو مذهب مالك والشافعي، كما يؤخذ العشر وفاقًا «والبخل» بضم الباء وفتحها، وسكون الخاء وبفتحها، منع الفضل، والبخل شرعي وعرفي، فالشرعي: منع الواجب؛ كالزكاة ونحوها. والعرفي: منع ما يعد مانعه بخيلاً. وقوله «فقط» أي من غير زيادة وفاقًا، لحديث الصديق «من سأل فوق ذلك فلا يعطه» مع توفر الصحابة، ولم ينقل عنهم أخذ الزيادة، ولا قول به، ولأنه لا يزاد على أخذ الحق من المظالم، كسائر الحقوق، وقيل: وشطر ماله؛ إن علم تحريمه، لحديث «فإنا آخذوها وشطر ماله» ، وهو من رواية بهز، قال الشافعي وغيره: حديث بهزلا يثبته أهل العلم، ولو ثبت لقلنا به. وإن غيب، أو كتم، وأمكن أخذها، أخذت من غير زيادة، وهو قول أكثر الفقهاء، لأنه لم ينقل أن الصحابة أخذوا زيادة عليها.
(3)
يعزره إمام عادل أو نائبه، لارتكابه محرمًا، وإن كان جاهلاً – كحديث عهد بالإسلام – لم يعزر، لأنه معذور، وعرف وبصر، وأخذت منه فقط.
(4)
يقاتله إمام يضعها في مواضعها، لاتفاق الصحابة مع الصديق على قتال مانعي الزكاة، ولأنها أحد مباني الإسلام، فإن تاب، وأخرجها، وإلا قتل حدًا، وأخذت من تركته، من غير زيادة، وكذا إن غيب، أو كتم، واستتيب فلم يخرج قتل حدًا، قال في المبدع: على الأصح، لظاهر الكتاب والسنة. وذكر الشيخ أن من أداها، لم تجز مقاتلته، للخلف في إجزائها.
ووضعها الإمام في مواضعها (1) ولا يكفر بقتاله للإمام (2) ومن ادعى أَداءَها، أو بقاءَ الحول، أو نقص النصاب (3) أَو أَن ما بيده لغيره ونحوه، صدق بلا يمين (4) .
(1) أي وعلم أن الإمام يضعها في مواضعها قوتل، وإلا يضعها في مواضعها فلا.
(2)
وفاقًا، لأن الصحابة لم يعتقدوا كفرهم، حين امتنعوا، ولقول عبد الله بن شقيق: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يرون شيئًا من الأعمال تركه كفر إلا الصلاة. رواه الترمذي، وما ورد من التكفير فيه، محمول على جاحد الوجوب، أو التغليظ. قال الشيخ: ولو كان لمانعي الزكاة ديون، لم تقم يوم القيامة بالزكاة، لأن عقوبة الزكاة أعظم.
(3)
أي ومن ادعى أداء الزكاة وقد طولب بها، صدق بلا يمين وفاقًا، أو ادعى بقاء الحول، أو ادعى نقص النصاب، أو زوال ملكه عن النصاب في الحول، أو تجدده قريبًا، صدق بلا يمين وفاقًا.
(4)
أي وإن ادعى أن ما بيده من مال زكوي لغيره، أو أنه منفرد، أو مختلط، ونحوه مما يمنع وجوبها، أو ينقصها، كدعوى علف سائمة نصف الحول أو أكثره، أو نية قنية بعرض تجارة، أو أقر بقدر زكاته، ولم يذكر قدر ماله، صدق بلا يمين وفاقًا، لأنها عبادة مؤتمن عليها، فلا يستحلف عليها، كالصلاة والكفارة، قال في المبدع: وظاهره لا تشرع. نقل حنبل: لا يسأل المصدق عن شيء، ولا يبحث، إنما يأخذ ما أصابه مجتمعًا، وفي الفروع: يتوجه احتمال: إن اتهم.
(وتجب) الزكاة (في مال صبي ومجنون) ، لما تقدم (1)(فيخرجها وليهما) في مالهما (2) كصرف نفقة واجبة عليهما (3) لأَن ذلك حق تدخله النيابة، ولذلك صح التوكيل فيه (4)(ولا يجوز إخراجها) أي الزكاة (إلا بنية) من مكلف (5) لحديث «إنما الأعمال بالنيات» (6) والأولى قرن النية بدفع (7) .
(1) من العمومات، كقوله «في كل أربعين شاة شاة» .
(2)
أي الصبي والمجنون، وتعتبر نيته، كما تعتبر من رب المال، وحكي اتفاقًا.
(3)
أي يخرجها عنهما كما أنه يصرف النفقة الواجبة عليهما.
(4)
أي في الإخراج، كما صحت النيابة عنهما في النفقة ونحوها.
(5)
لعدم أهلية غير المكلف لأداء الواجب، ولأن أداء الزكاة تصرف مالي، أشبه سائر التصرفات.
(6)
وأداؤها عمل، وقال صلى الله عليه وسلم «لا عمل إلا بنية» وقال تعالى:{وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} ولا نزاع عند الأصحاب في ذلك، إذا كان المخرج هو المالك، أو النائب عنه، كولي صبي ومجنون.
وقال الشارح: مذهب عامة أهل العلم أن النية شرط في إخراج الزكاة. قال الوزير: أجمعوا على أن إخراج الزكاة لا يصح إلا بالنية.
(7)
فاعتبر بعضهم النية عند الدفع، وفاقًا لمالك والشافعي، فلو عزلها لم تكف النية، وقال أبو حنيفة: لا يصح أداؤها إلا بالنية مقارنة الأداء. وجوز بعضهم النية عند عزل مقدار الواجب منها، فاكتفي بوجود النية حالة العزل تيسيرًا.
وله تقديمها بزمن يسير كصلاة (1) فينوي الزكاة، أَو الصدقة الواجبة، ونحو ذلك (2) وإذا أُخذت منه قهرًا أَجزأَت ظاهرًا (3) وإن تعذر وصول إلى المالك، لحبس أو نحوه، فأَخذها الإمام أو نائبه، أَجزأَت ظاهرًا وباطنًا (4)(والأَفضل أن يفرقها بنفسه) ليكون على يقين من وصولها إلى مستحقها (5) .
(1) أي يجوز له تقديم النية قبل الإخراج بزمن يسير، كما يجوز تقديم النية على الصلاة بزمن يسير، وتقدم، وكالطهارة والحج.
(2)
كصدقة المال أو الفطرة، لا صدقة مطلقة، فلو نوى صدقة مطلقة لم تجز، ولو تصدق بجميع ماله، كصدقة نصاب من غير جنسه وفاقًا، ولأنها عبادة يتكرر وجوبها، فافتقرت إلى تعيين النية، وفاقًا كالصلاة، ولأن مصرف المال إلى الفقراء له جهات، فاعتبرت نية التمييز.
(3)
يعني من غير نية رب المال، فلا يطالب بها ثنانيًا، بلا نزاع، وأما باطنًا فلا تجزئ، لعدم النية، اختاره أبو الخطاب وابن عقيل، والشيخ وغيرهم، إذ الزكاة عبادة، فلا تجزئ بغير نية من وجبت عليه كالصلاة، وقال: ما يأخذه ولاة الأمور، بغير اسم الزكاة، لا يعتد بها.
(4)
لأن له إذاً ولاية على الممتنع، فقامت نيته مقام نيته، كولي صبي، وكالدين، ولأن له أخذها من الممتنع بالاتفاق، ولو لم تجزئه لما أخذها، وسواء المال الظاهر والباطن، وقيل: يجب دفع زكاة المال الظاهر إلى الإمام، ولا تجزئ بدونه، وهو قول الحنفية والمالكية، والقول القديم للشافعي.
(5)
وصيانة لحقهم عن الجنابة عليه، وتفريج كربة مستحقها، مع إعطائها للأولى بها، وفي المنتهى وغيره: ويفرقها بنفسه، بشرط أمانته، فإن لم يثق بنفسه، فالأفضل له دفعها إلى الساعي، لأنه ربما منعه الشح من إخراجها أو بعضها، وعند أبي الخطاب: دفعها إلى الإمام العادل أفضل، واختاره ابن أبي موسى وغيره، للخروج من الخلاف، وزوال التهمة.
وله دفعها إلى الساعي (1) ويسن إظهارها (2)(و) أن (يقول عند دفعها هو) أي مؤديها (وآخذها ما ورد)(3) .
(1) قال الشارح: لا يختلف المذهب أن دفعها للإمام جائز، سواء كان عدلاً أو غير عدل، وسواء الأموال الظاهرة والباطنة، ويبرأ بدفعها، تلفت في يد الإمام أو لا، صرفها من مصارفها أو لا، وقيل لابن عمر: إنهم يقلدون بها الكلاب، ويشربون بها الخمر. فقال: ادفعها إليهم، وللإمام طلبها من الأموال الظاهرة والباطنة إن وضعها في أهلها وفاقًأ وإن علم أنه لا يزكي، فعليه أن يقول: أدها، وإلا ادفعها إلي. وما يأخذه الولاة من العشر، وزكاة الماشية، وغير ذلك، فقال الشيخ وغيره: يسقط عن صاحبه، إذا كان الإمام عادلاً، يصرفه في مصارفه، باتفاق العلماء، فإن كان ظالمًا، لا يصرفه في مصارفه الشرعية، فينبغي لصاحبه أن لا يدفع الزكاة إليه، بل يصرفها هو إلى مستحقها، فإن أكره على دفعها إلى الظالم، بحيث لو لم يدفعها إليه يحصل له ضرر، فإنه يجزئه في هذه الصورة. اهـ. وللمالك أن يفرق زكاة ماله الباطن بنفسه، قال النووي: وهذا لا خلاف فيه، ونقل أصحابنا فيه إجماع المسلمين.
(2)
سواء كان بموضع يخرجها أهله، أم لا، وسواء نفى عنه ظن السوء أم لا، لتنتفي عنه التهمة، ويقتدي به، وقوله {وَإِنْ تُخْفُوهَا} محمولة على صدقة التطوع.
(3)
ندبًا، للآية والأخبار، والصلاة هنا الدعاء والتبريك، وليس بواجب، لأنه لم يأمر معاذًا به، ولا يجب على الفقير.
فيقول دافعها «اللهم اجعلها مغنمًا، ولا تجعلها مغرمًا» (1) ويقول آخذها: آجرك الله فيما أعطيت، وبارك لك فيما أبقيت، وجعله لك طهورًا (2) . وإن وكل مسلمًا ثقة جاز (3) وأَجزأَت نية موكل مع قرب (4) وإلا نوى موكل، عند دفع لوكيل (5) ووكيل عند دفع لفقير (6) .
(1) رواه ابن ماجه، ويحمد الله على توفيقه لأدائها «ومغنمًا» أي مثمرة، لأن التثمير كالغنيمة «ومغرمًا» أي منقصة، لأن النقص كالغرامة.
(2)
لأنه مأمور به في قوله {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ} أي ادع لهم، قال عبد الله بن أوفى: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتاه قوم بصدقتهم، قال «اللهم صل عليهم» متفق عليه، وهذا إذا كان الدافع ربها، وإلا دعا له بالغيبة، وللرسول الحاضر، كرد السلام.
(3)
لأنها عبادة، والكافر ليس من أهلها، وغير الثقة لا يؤمن عليها، وظاهره ولو مميزًا، واشترط بعضهم التكليف، لأن المميز ليس أهلاً للعبادة، وصوبه في تصحيح الفروع، وتوسط عثمان وغيره، فاستحسن القول بجوازه مع القرب، دون البعد، ويجوز التوكيل في إخراج الزكاة وفاقًا.
(4)
أي قرب زمن الإخراج، من زمن التوكيل، لأن الفرض متعلق بالموكل، ولا يضر تأخير الأداء بزمن يسير.
(5)
لتعلق الفرض بالموكل، ووقوع الإجزاء عنه.
(6)
أي وينوي وكيل عند الدفع أيضًا، كما ينوي الموكل، صححه الشارح وغيره، لئلا يخلو الدافع إلى المستحق من نية مقارنة أو مقاربة، ولا تجزئ نية وكيل وحده إجماعًا، ويشترط لإجزائها، وملك فقير لها قبضها، ولا يصح تصرفه قبله، ولو وكل الفقير رب المال في القبض من نفسه، وأن يشتري بها بعد ذلك ثوبًا أو نحوه صح.
ومن علم أَهلية آخذ، كره إعلامه بها (1) ومع عدم عادته، لا يجزئه الدفع له إلا إن أَعلمه (2)(والأَفضل إخراج زكاة كل مال في فقراء بلده)(3) ويجوز نقلها إلى دون مسافة قصر، من بلد المال، لأَنه في حكم بلد واحد (4)(ولا يجوز نقلها) مطلقًا (إلى ما تقتصر فيه الصلاة)(5) .
(1) قال أحمد: لِمَ يُبكِّته؟ يعطيه ويسكت، ما حاجته إلى أن يقرعه؟، والمراد بالعلم هنا الظن.
(2)
أي ومن علم أهليته، مع علمه بعدم عادته للأخذ، لم يجزئه دفعها له، لأنه لا يقبل زكاة ظاهرًا.
(3)
أي المال ولو تفرق، أو كن المالك بغيره، بدليل الأحكام، ورخص السفر، ما لم تتشقص زكاة سائمة، ففي بلد واحد، وعلل المجد عدم النقل في الجملة، بأن فقراء كل مكان، لا يعلم بهم غالبًا إلا أهله، وكذلك تجب نفقة الفقير، على من علم بحاله، ويبذل الزكاة للمضطر، ويحرم نقلها إلى مضطر، أو محتاج، في مكان آخر، ويؤيده «أيما أهل عرصة، أصبح فيهم امرؤ جائع، فقد برئت منهم ذمة الله» رواه أحمد.
(4)
ويبدأ بالأقرب فالأقرب، فإن نقلها إلى البعيد، لتحري قرابة، أو من كان أشد حاجة، لا بأس به.
قال أحمد: لا بأس أن يعطي زكاته في القرى التي حوله.
(5)
وفاقًا للشافعي، سواء نقلها لقريب، أو أشد حاجة، أو لثغر أو غيره، أو لاستيعاب الأصناف، وسواء كان الناقل لها ربها أو غيره.
لقوله صلى الله عليه وسلم لمعاذ لما بعثه إلى اليمن «أَعلمهم أَن الله قد افترض عليهم صدقة، تؤخذ من أَغنيائهم، فترد على فقرائهم» (1) .
(1) متفق عليه، وعن طاووس قال: في كتاب معاذ «خرج من مخلاف إلى مخلاف، فإن صدقته وعشره في مخلاف عشيرته» رواه الأثرم، فيفرقها الساعي، في مكان رب المال وما قاربه، ويبدأ بأقاربه الذين لا تلزمه مؤنتهم، وعنه: يجوز النقل، ويجزئ، قال الشارح: وهو قول أكثر أهل العلم، لأنه دفع الحق إلى مستحقه، فبرئ كالدين، ولعموم قوله «فترد على فقرائهم» والضمير للمسلمين، ولقوله {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ} إلى آخر الآية، ولم يفرق بين فقراء وفقراء، وقوله لقبيصة «أقم حتى تأتينا الصدقة، فنأمر لك بها» فدل على أنها كانت تنقل إليه، فيفرقها في فقراء المهاجرين والأنصار، واختار أبو الخطاب وغيره الجواز، لأن الأدلة في المسألة متقاربة، وقد وصلت إلى الفقراء، فدخلت في عموم الآية.
وقال الشيخ: يجوز نقل الزكاة وما في حكمها، لمصلحة شرعية، وإذا نقل الزكاة إلى المستحقين بالمصر الجامع، مثل أن يعطي من بالقاهرة، من العشور التي بأرض مصر، فالصحيح جواز ذلك، فإن سكان المصر إنما يعانون من مزارعهم، بخلاف النقل من إقليم إلى إقليم، مع حاجة أهل المنقول عنها، وإنما قال السلف: جيران المال أحق بزكاته، وكرهوا نقل الزكاة، إلى بلد السلطان وغيره، ليكتفي أهل كل ناحية بما عندهم من الزكاة، ولهذا في كتاب معاذ «من انتقل من مخلاف إلى مخلاف، فإن صدقته وعشره في مخلاف جيرانه» «والمخلاف» عندهم كما يقال «المعاملة» وهو ما يكون فيه الوالي والقاضي، وهو الذي يستخلف فيه ولي الأمر جابيًا، يأخذ الزكاة من أغنيائهم، فيردها إلى فقرائهم، ولم يقيد ذلك بمسيرة يومين، وتحديد المنع من نقل الزكاة، ليس عليه دليل شرعي.
بخلاف نذر، وكفارة، ووصية مطلقة (1)(فإن فعل) أي نقلها إلى مسافة قصر (أَجزأَت)(2) لأنه دفع الحق إلى مستحقه، فبرئَ من عهدته، ويأْثم (3)(إلا أَن يكون) المال (في بلد) أو مكان (لا فقراءَ فيه، فيفرقها في أقرب البلاد إليه) لأَنهم أولى (4) .
(1) أي لم تقيد تلك بمكان معين، فله نقلها، ولو إلى مسافة قصر، والفرق كون الزكاة مواساة راتبة، فكانت لجيران المال، بخلاف هذه الأشياء، فإن كان النذر معينًا، بأن عينه الناذر لفقراء بلده، أو مكان معين، وجب صرفه لهم، لتعينهم، وكذا كفارة معينة، بأن قيدها الحالف بمكان معين، أو وصية، لم يجز إلا لما قيده به، من بلد معين، أو مكان معين.
(2)
للعمومات، وفاقًا لمالك، واختاره أبو الخطاب، والموفق، وغيرهما، وظاهر كلامهم يعني مع الحرمة.
(3)
يعني على القول بتحريم النقل، ولو لأجل رحم، أو شدة حاجة، والساعي وغيره في ذلك سواء، وله جعل الصرف إلى رب المال.
(4)
أو ما بقي منها بعد مستحقي مكانه، وبعث معاذ إلى عمر صدقة من اليمن، فأنكر ذلك عمر، وقال: لم أبعثك جابيًا، ولكن بعثتك لتأخذ من أغنياء الناس، فتردها في فقرائهم. فقال معاذ: ما بعثت إليك بشيء وأنا أجد من يأخذه مني. رواه أبو عبيد، قال الوزير: وأجمعوا على أنه إذا استغنى أهل بلد عنها، جاز نقلها إلى من هم أهلها. والمسافر يفرقها في موضع أكثر الإقامة فيه، ما لم يفض إلى تأخيرها.
وعليه مؤنة نقل، ودفع، وكيل، ووزن (1)(فإن كان) المالك (في بلد وماله في) بلد (آخر أخرج زكاة المال في بلده) أي بلد به المال، كل الحول أو أكثره، دون ما نقص عن ذلك (2) لأن الأطماع إنما تتعلق به غالبًا بمضي زمن الوجوب، أو ما قاربه (3)(و) أخرج (فطرته في بلد هو فيه) وإن لم يكن له به مال، لأن الفطرة إنما تتعلق بالبدن كما تقدم (4) .
(1) أي وعلى من وجبت عليه مؤنة نقل زكاة، مع حله أو حرمته، وعليه مؤنة تسليمها إلى مستحقها كاملة، وذلك من تمام التوفية، وكتسليم المبيع، وهل يجوز أن يوكل الفقير من يقبضها من بلد المالك لأن وكيله كهو، وهي بعد قبض الوكيل في ملك الموكل أم لا؟ استحسن بعضهم الأول.
(2)
نص عليه وفاقًا، وكذا إذا كان أكثر إقامته به فيه، وقال في الغاية: ومع تساوٍ يخير.
(3)
ولئلا تنقل الصدقة عن بلد المال، ولأن المال سبب الزكاة، فوجب إخراجها حيث وجد السبب، متفرقًا كان البلد أو مجتمعًا، إلا في نصاب سائمة في بلدين، فيجوز في أحدهما، لئلا يفضي إلى تشقيص زكاة الحيوان، والمراد بالأطماع أطماع الفقراء، «وطمع في الشيء وبه» حرص عليه.
(4)
أي من قوله: ومن وجبت عليه فطرة غيره، أخرجها مع فطرته، مكان نفسه.
ويجب على الإمام بعث السعاة قرب زمن الوجوب، لقبض زكاة المال الظاهر، كالسائمة، والزرع، والثمار، لفعله عليه الصلاة والسلام، وفعل خلفائه رضي الله عنهم بعده (1)(ويجوز تعجيل الزكاة لحولين فأقل)(2) لما روى أبو عبيد في الأموال، بإسناده عن علي: أن النبي صلى الله عليه وسلم تعجل من العباس صدقة سنتين (3) .
(1) يعني لقبض الزكاة كل عام، كما هو مستفيض، وجرى عليه عمل المسلمين، وقال تعالى {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا} ومن الناس من لا يزكي، ولا يعلم ما عليه، فإهمال ذلك، إضاعة للزكاة، وعن عبد الله بن عمرو مرفوعًا «تؤخذ صدقات المسلمين على مياههم» رواه أحمد وأبو داود، وفي رواية «لا جلب ولا جنب، ولا تؤخذ صدقاتهم إلا على مياههم» قال مالك: سنة السعاة أن يخرجوا أول الصيف، عند اجتماع أرباب المواشي بمواشيهم على المياه، للتخفيف عليهم، وعلى السعاة، واستظهر في الفروع عدم الوجوب، وأنه لم يذكر جماعة هذه المسألة بالكلية.
(2)
اقتصارًا على ما ورد، وتركه أفضل، خروجًا من الخلاف، وقال أبو حنيفة والشافعي: يجوز تقديمها حولاً واحدًا. وفي الرواية الأخرى: أكثر من حول. وما زاد عن الحولين فلا يجوز عندنا، رواية واحدة.
(3)
ولفظ أحمد وأبي داود: أن العباس سأل النبي صلى الله عليه وسلم في تعجيل صدقته قبل أن تحل، فرخص له في ذلك. «وأبو عبيد» هو الحافظ الفقيه، القاسم بن سلام، الأزدي، البغدادي، يقال: كان أبوه روميًا. ولد سنة مائة وأربع وخمسين، وله مصنفات كثيرة، منها «غريب الحديث» و «كتاب الأموال» وغيرهما، قال الحافظ: أحسن من صنف في الفقه وأجوده، توفي سنة مائتين وأربع وعشرين.
ويعضده رواية مسلم «فهي علي ومثلها» (1) وإنما يجوز تعجيلها إذا كمل النصاب (2) لاعمَّا يستفيده (3) .
(1) أي تعجلتها منه، وفي لفظ غير مسلم «إنا تعجلنا منه صدقة عامين» ولفظ البخاري والنسائي «هي على صدقة، ومثلها معها» ، «وعضده» نصره وأعانه، أي يتقوى ما رواه أبو عبيد برواية مسلم، لأنه يحتمل أن معناه: تعجلت منه صدقة سنتين، فصارت دينًا علي، وقيل: قبض منه صدقة عامين، العام الذي شكا فيه العامل، وتعجل صدقة عام ثان، وكما لو تعجل لعام واحد، ولأنه حق مال، أجل للرفق، فجاز تعجيله قبل أجله كالدين، وقطع في الشرح والمنتهى بصحة التعجيل قبل الشروع فيه، وقدمه في الفروع، ونصره ابن نصر الله وغيره، فهو كتعجيله عن الحول الثاني قبل دخوله.
(2)
وفاقًا، لأنها سببها، فلم يجز تقديمها عليه، قال الموفق: بغير خلاف نعلمه «وكمل» بتثليث الميم، والضم أفصح، ويستعمل في الذوات والصفات، يقال: كمل. إذا تمت أجزاؤه، وكملت محاسنه، بمعنى التمام.
(3)
أي لا يجوز تعجيل الزكاة عما يستفيده من النصاب، لأنه تعجيل عما ليس في ملكه، لعدم وجوده، فلو ملك بعض نصاب، فعجل زكاته، أو زكاة نصاب، لم يجزئه، وفي الإقناع: ولا قبل السوم. واستظهر في المبدع الإجزاء بعد طلوع الطلع والحصرم، واختاره أبو الخطاب، وقدمه في الفروع، لأن وجود ذلك كالنصاب، والإدراك كالحول، وحكم الزرع كذلك، وقال الشيخ وغيره: يجوز تعجيل الزكاة قبل وجوبها، بعد سبب الوجوب، عند جمهور العلماء، أبي حنيفة والشافعي وأحمد، فيجوز تعجيل زكاة الماشية، والنقدين، وعروض التجارة،
إذا ملك النصاب، ويجوز تعجيل العشريات قبل وجوبها، إذا كان قد طالع الثمر، قبل بدو صلاحه، ونبت الزرع، قبل اشتداد حبه، فإذا اشتد حبه، وبدا صلاح الثمر، وجبت الزكاة، وصرح ابن نصر الله وغيره بجواز تعجيلها من ولي كمالك.
وإذا تم الحول، والنصاب ناقص قدر ما عجله، صح وأَجزأَه (1) لأن المعجل كالموجود في ملكه (2) فلو عجل عن مائتي شاة شاتين، فنتجت عند الحول سخلة، لزمته ثالثة (3) وإن مات قابض معجلة، أَو استغنى قبل الحول، أَجزأَت (4) لا إن دفعها إلى من يعلم غناه فافتقر، اعتبارًا بحال الدفع (5) .
(1) ولو ظن ماله ألفًا، فعجل زكاته، فبان خمسمائة، أجزأه المعجل عن عامين.
(2)
حقيقة أو تقديرًا، ولهذا يتم به النصاب، ويجزئه من ماله، وإن عجل عن أربعين شاتين منها، لحولين، لا يجزئه عنهما، وينقطع الحول لنقص النصاب.
(3)
فكأن الحول حال على مائتين وواحدة، تفريع على قوله: لأن المعجل كالموجود في ملكه. ولو عجل من أربعين شاة شاة، فتم الحول عليها كذلك أجزأت، فلو نقصت شاة أخرى، وتم عليها الحول كذلك، استأنف حولاً إذا تمت، ولو تجزئه المعجلة، ولو عجل عن أحد نصابيه وتلف، لم يصرفه إلى الآخر، كما لو عجل شاة عن خمس من الإبل فتلفت، وله أربعون شاة، لم تجزئه عنها وفاقًا.
(4)
لأنه أداها لمستحقها، كالدين إذا عجله المدين، وكما لو عدمت عند الحول، لأنه يعتبر وقت القبض، لئلا يمتنع التعجيل.
(5)
وهو فيها غير مستحق لها لغناه، وكذا لكافر فأسلم، لأنه لم يدفعها إلى مستحقها، أشبه ما لو لم يفتقر، أو يسلم.
(ولا يتسحب) تعجيل الزكاة (1) ولمن أَخذ الساعي منه زيادة أَن يعتد بها من قابلة (2) قال الموفق: إن نوى التعجيل (3) .
(1) في ظاهر كلام الأصحاب، وتقدم أن تركه أفضل، خروجًا من الخلاف، قال في الفروع: ويتوجه احتمال بأن تعتبر المصلحة.
(2)
ذكره الشيخ وغيره، ولفظه: ما أخذه باسم الزكاة، ولو فوق النصاب بلا تأويل، اعتد به، وإلا فلا، وظاهره أن ما أهداه لعامل، أو أخذه العامل لا باسم الزكاة، بل غصبًا، لا يحتسب به من الزكاة.
(3)
جمعًا بين رواية عدم الاحتساب بالزيادة، وبين الاحتساب، وكذا حمل المجد رواية الجواز، على أن الساعي أخذ الزيادة بنية الزكاة، إذا نوى التعجيل، فإن علم أنها ليست عليه، وأخذها، لم يعتد بها على الأصح، لأنه أخذها غصبًا.
باب أهل الزكاة (1)
وهم (ثمانية) أصناف (2) لا يجوز صرفها إلى غيرهم (3) .
(1) أي من يجزئ دفع الزكاة إليه، ومن لا يجزئ، وما يتعلق بذلك، من بيان شروطهم، وقدر ما يعطاه كل واحد، وصدقة التطوع، وحكم السؤال.
(2)
أي أهلها الذين جعلهم الله محلاً لدفعها إليهم، لا يجوز صرف شيء منها إلى غيرهم إجماعًا، قال أحمد: هي لمن سماهم الله تعالى، وأخرج أبو داود وغيره، عن زياد بن الحارث مرفوعًا:«إن الله لم يرض بحكم نبي ولا غيره في الصدقات، حتى حكم فيها هو، فجزأها ثمانية أجزاء» وقال للسائل «إن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك» وذلك لما اعترض بعض المنافقين على النبي صلى الله عليه وسلم في الصدقات، بين الله تعالى أنه هو الذي قسمها، وبين حكمها، وتولى أمرها بنفسه، ولم يكل قسمتها إلى أحد غيره، فجزأها تعالى لهؤلاء المذكورين.
(3)
أي غير الذين جعلهم الله محلاً لها، قال الشارح وغيره: لا نعلم خلافًا أنه لا يجوز دفعها إلى غيرهم، إلا ما روي عن أنس والحسن، ولا يلتفت إلى قول يخالف النص، وقال ابن نصر الله: لو فقدت الأصناف الثمانية، فهل يسقط وجوبها، أو الأداء خاصة؟ لأن الأصناف شرط للأداء، لا للوجوب، لأن إيجابها – وإن كانت حكمته إغناء الأصناف فإنما شرع لأمر عام – لا يختلف حكمه لفقد ما شرع لسببه، كالقصر في حق من سافر، فلم يجد مشقة، فيبقى الواجب في ذمته، متى وجد مستحقه دفع إليه. وقال الشيخ: ويجب صرفها إلى الأصناف الثمانية إن كانوا موجودين، وإلا صرفت إلى الموجود منهم، ونقلها إلى حيث يوجدون. وقال: ولا ينبغي أن يعطى منها من لا يستعين بها على طاعة الله، فإن الله فرضها معونة على طاعته، لمن يحتاج إليها من المؤمنين، أو من يعاونهم، فمن لا يصلي من أهل الحاجات لا يعطى منها، حتى يتوب، ويلتزم أداء الصلاة.
من بناءِ المساجد، والقناطر، وسد البثوق، وتكفين الموتى، ووقف المصاحف، وغيرها من جهات الخير (1) لقوله تعالى {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ} الآية (2) .
(1) قال الوزير وغيره: اتفق الأئمة على أنه لا يجوز ولا يجزئ دفع الزكاة في بناء مساجد، وقناطر، ونحو ذلك، ولا تكفين موتى ونحوه، وإن كان من القربى، لتعيين الزكاة لما عينت له، «والقناطر» جمع قنطرة، بالقاف والنون، الجسر يبنى على الماء، للعبور معه، والبثق منبعث الماء من الكسر، في شط أو نهر ونحوهما.
(2)
وتمامها {وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} قال الشيخ: وصدقة التطوع تدخل في آية الزكاة، بإجماع المسلمين، وكذا سائر المعروف. اهـ.
و «إنما» المفيدة للحصر تفصح بإثبات ما بعدها، ونفي ما سواه، وكذلك تعريف الصدقات بـ «ألْ» فإنها تستغرقها، وقال الشيخ:«إنما» للحصر، وإنما يثبت المذكور، ويبقى ما عداه، والمعنى: ليست الصدقة لغير هؤلاء، بل لهؤلاء؛ ومعلوم أنه لم يقصد تبيين الملك، بل قصد تبيين الحل، أي لا تحل لغير هؤلاء، فيكون المعنى: بل تحل لهم. وذكر ابن جرير وغيره أن عامة أهل العلم يقولون: للمتولي قسمتها، وضعها في أي الأصناف الثمانية شاء، وإنما سمى الله الأصناف الثمانية، إعلامًا منه أن الصدقة لا تخرج من هذه الأصناف إلى غيرها، لا إيجابًا بقسمتها بين الأصناف الثمانية، والصواب أن الله جعل الصدقة في معنيين، أحدهما سد خلة المسلمين، والثاني معونة الإسلام وتقويته.
أحدهم (الفقراء، وهم) أَشد حاجة من المساكين، لأن الله تعالى بدأ بهم، وإنما يبدأ بالأهم فالأهم (1) فهم (من لا يجدون شيئًا) من الكفاية (2)(أو يجدون بعض الكفاية) أي دون نصفها (3) وإن تفرغ – قادر على التكسب – للعلم لا للعبادة، وتعذر الجمع أُعطي (4)(و) الثاني (المساكين) الذين (يجدون أكثرها) أي أكثر الكفاية (أو نصفها)(5) .
(1) وبدأ بهما المصنف كغيره، اتباعًا للنص، وهم في أحكام الزكاة، غير المساكين، لأنهم إذا اجتمعوا افترقوا، وبالعكس، والفقير مشتق من فقر الظهر، فعيل بمعنى مفعول، أي مفقور، وهو الذي نزعت فقرة ظهره، فانقطع صلبه.
(2)
البتة، ولا قدرة لهم على شيء بالكلية، وذلك أشد الحاجة.
(3)
من كسب أو غيره، مما لا يقع موقعًا من الكفاية، ومثله بعضهم بالزمن والأعمى، لأنهما في الغالب كذلك، وربما لا يقدرون على شيء أصلاً، قال تعالى {لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ} الآية، قال الوزير: وهو الصحيح عندي، لأن الله عز وجل بدأ به، فقال {لِلْفُقَراءِ} الآية.
(4)
أي تعذر الجمع بين التكسب والاشتغال بالعلم، أعطي من الزكاة بقدر حاجته، لاشتغاله بالعلم، وإن لم يكن العلم لازمًا له، قال الشيخ: ويجوز أخذه ما يحتاج إليه، من كتب العلم، التي لا بد لمصلحة دينه ودنياه منها، بخلاف العبادة، والفرق بين العلم والعبادة تعدي العلم، وقصور العبادة.
(5)
من كسب أو غيره، مفعيل من السكون، وهو الذي أسكنته الحاجة، قال تعالى {أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ} فسماهم مساكين ولهم سفينة، وروي «اللهم أحيني مسكينًا» ولا يجوز أن يسأل شدة الحاجة، فدل على أن المسكين أحسن حالاً من الفقير، وعنه: أنه فقير، والأول مسكين، وأن المسكين أشد حاجة، اختاره ثعلب وغيره، وفاقًا لأبي حنيفة ومالك، لقوله {أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ} وأجيب بأنه يجوز التعبير عن الفقير بالمسكين، وهما صنفان في الزكاة، وصنف واحد في سائر الأحكام، لأن كل واحد من الاسمين ينطلق عليهما.