المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ المطلوب في صفتها ستة أشياء - حاشية الروض المربع لابن قاسم - جـ ٣

[عبد الرحمن بن قاسم]

فهرس الكتاب

- ‌كتاب الجنائز

- ‌ هديه صلى الله عليه وسلم في الجنائز أكمل الهدي

- ‌ لا يؤخذ من الميت شيء

- ‌فصل في الكفن

- ‌ تكفن المرأة في خمسة أثواب

- ‌إذا اجتمعت جنائز: قدم إلى الإمام أفضلهم

- ‌ المطلوب في صفتها ستة أشياء

- ‌فصلفي حمل الميت ودفنه

- ‌كره جلوس تابعها حتى توضع)

- ‌اللحد أفضل من الشق)

- ‌كره لمصاب تغيير حاله

-

- ‌كتاب الزكاة

- ‌باب زكاة بهيمة الأنعام

- ‌فصل في زكاة البقر

- ‌فصل في زكاة الغنم

- ‌الضأن والمعز سواء، والسوم شرط

- ‌لا أثر لخلطة من ليس من أهل الزكاة

- ‌باب زكاة الحبوب والثمار

- ‌إذا اشتد الحب، وبدا صلاح الثمر وجبت الزكاة)

- ‌ الزكاة، إنما تتكرر في الأموال النامية

- ‌يباح للنساء من الذهب والفضة ما جرت عادتهن بلبسه

- ‌باب زكاة العروض

- ‌باب زكاة الفطر

- ‌لا يعتبر لوجوبها ملك نصاب

- ‌باب إخراج الزكاة

- ‌الغنى في باب الزكاةنوعان

- ‌أهل الزكاة قسمان

- ‌ الذي عليه الدين لا يعطيه، ليستوفي دينه

- ‌من أَراد الصدقة بماله كله

-

- ‌كتاب الصيام

- ‌(يجب صوم رمضان برؤية هلاله)

- ‌الأصل أن الله علق الحكم بالهلال والشهر

- ‌إن اشتبهت الأَشهر، على نحو مأْسور، تحرى وصام

- ‌أسباب الفطر أربعة

- ‌ الصوم الشرعي الإمساك مع النية

- ‌باب ما يكره ويستحب في الصوموحكم القضاء

- ‌لا يقضى عنه ما وجب بأَصل الشرع، من صلاة وصوم

- ‌يكره الصمت إلى الليل

-

- ‌كتاب المناسك

- ‌من كملت له الشروط وجب عليه السعي (على الفور)

- ‌يحج النائب من حيث وجبا

- ‌باب المواقيت

- ‌ليس للإحرام صلاة تخصه

- ‌ ابتداء التلبية عقب إحرامه

الفصل: ‌ المطلوب في صفتها ستة أشياء

ويجوز تلقاء وجهه، وثانية (1) وسن وقوفه حتى ترفع (2)(ويرفع يديه) ندبًا (مع كل تكبيرة) لما تقدم في صلاة العيدين (3)(وواجبها) أي الواجب في صلاة الجنازة مما تقدم (4) .

(1) أي ويجوز أن يسلم من صلاة الجنازة تلقاء وجهه، من غير التفات، ويجوز أن يسلم تسليمة ثانية عن يساره، وفاقًا لأبي حنيفة والشافعي، لما ذكر الحاكم وغيره عن ابن أبي أوفى: ثم سلم عن يمينه، وعن شماله، فلما انصرف قال: إني لا أزيدكم على ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع. قال في المبدع: ويتابع الإمام في الثانية كالقنوت، وظاهر كلام ابن الجوزي يُسِرُّ بها وفاقًا، ويجزئ وإن لم يقل: ورحمة الله؛ لما روى الخلال عن علي، وفيه وقال: السلام عليكم، لكن ذكر الرحمة أليق بالحال، فكان أولى.

(2)

أي ويسن وقوف المصلي على الجنازة مكانه، إمامًا كان أو مأمومًا، حتى ترفع الجنازة من بين أيديهم، قال مجاهد: رأيت ابن عمر لا يبرح من مصلاه، حتى يراها على أيدي الرجال. وقال الأوزاعي: لا تنفَضُّ الصفوف حتى ترفع الجنازة، وهو قول عامة العلماء.

(3)

وقال الشافعي: ترفع للأثر، والقياس على السنة في الصلاة، ورواه هو والبيهقي وغيرهما عن ابن عمر وأنس، وسعيد عن ابن عباس، والأثرم عن عمر وزيد بن ثابت، ولأنه لا يتصل طرفها بسجود ولا قعود، فسن فيها الرفع، كالصلاة، وحكى الشارح أن الرفع في التكبيرة الأولى إجماع، وصفة الرفع وانتهاؤه كما سبق، وروى الترمذي وغيره، بسند فيه ضعف: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرفع يديه في أول التكبير، ويضع اليمنى على اليسرى.

(4)

يعني من‌

‌ المطلوب في صفتها ستة أشياء

، و «صلاة الجنازة» من إضافة الشيء إلى سببه.

ص: 93

(قيام) في فرضها (1)(وتكبيرات) أربع (2) .

(1) أي قيام قادر، إن كانت الصلاة على الميت فرضًا وفاقًا، حكاه الوزير وغيره، كسائر الصلوات المفروضة، لعموم «صل قائمًا» فلا تصح من قاعد، ولا راكب راحلة بلا عذر، وعلم منه أنها لو تكررت لم يجب القيام على من صلى على جنازة، بعد أن صلى عليها غيره، لسقوط الفرضية بالأولى.

(2)

أجماعًا، لما في الصحيحين وغيرهما من غير وجه، عن ابن عباس وأبي هريرة، وجابر وأنس وغيرهم، أنه صلى الله عليه وسلم كبر أربعًا، وجمع عمر الناس على أربع تكبيرات، وقال: لا يجوز النقص عن الأربع، وقال النخعي: اجتمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيت أبي مسعود، فأجمعوا على أربع، وذكر ابن عبد البر وغيره أنه قد أجمع الفقهاء، وأهل الفتوى بالأمصار على أربع، على ما جاء في الأحاديث الصحيحة، وما سوى ذلك عندهم شذوذ.

وقال النووي: قد كان لبعض الصحابة وغيرهم خلاف في أن التكبير المشروع خمس، أم أربع، أم غير ذلك، ثم انقرض ذلك الخلاف، وأجمعت الأمة الآن على أنه أربع تكبيرات، بلا زيادة ولا نقص. اهـ. فإن ترك غير مسبوق تكبيرة عمدًا بطلت، وسهوا يكبرها ما لم يطل الفصل، فإن طال، أو وجد مناف، من كلام أو نحوه استأنف، لفعل أنس، لما كبر ثلاثًا قيل له؛ فكبر الرابعة، رواه البخاري وغيره، ورواه حرب وغيره من طريق آخر، أنه رجع فكبر أربعًا، ولعل الأولى مع عدم المنافي، وفي الرواية الثانية أنه تكلم، وعوده إلى ذلك دليل إجماعهم على أنه لا بد من أربع، والأولى أن لا يزيد على أربع، لأن المداومة تدل على الفضيلة.

وقال النووي أيضًا: صحت الأحاديث بأربع تكبيرات وخمس، وهو من الاختلاف المباح، وليس إخلالاً بصورة الصلاة، فلا تبطل به، وقال ابن القيم: وكان صلى الله عليه وسلم يكبر أربع تكبيرات، وصح أنه كبر خمسًا، وكان

الصحابة بعده يكبرون أربعًا وخمسًا، وستًا وسبعًا، وقال سعيد بن منصور: هذه آثار صحيحة، فلا موجب للمنع منها، وقال في الشرح: ولا يجوز الزيادة على سبع تكبيرات، لا يختلف المذهب فيه، وقال غيره: لا خلاف في أنه لا يتابع في الزائد عليها، قال أحمد: هو أكثر ما جاء فيه اهـ. ولا تستحب إجماعًا. وحكى الوزير عن أبي حنيفة ومالك والشافعي، ورواية عن أحمد: لا يتابع ما زاد على أربع، قال أبو المعالي: وهو المذهب، لأنه زاد على القدر المشروع. وذكر ابن حامد وجهًا: تبطل بمجاوزة أربع عمدًا، وقال الشافعي؛ واحتج بحديث النجاشي، قال أحمد: والحجة له. ولا يجوز للمأموم أن يسلم قبل إمامه، نص عليه أحمد وغيره.

ص: 94

(والفاتحة) ويتحملها الإمام عن المأْموم (1)(والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم (2) ودعوة للميت، والسلام) (3) .

(1) أي وتجب قراءة الفاتحة على الإمام والمنفرد، على الأصح، وفاقًا للشافعي، لقوله «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» وغير ذلك مما تقدم، وعنه: لا تجب، قال شيخ الإسلام: لا تجب قراءة الفاتحة، بل هي سنة، وفاقًا لمالك والشافعي، ويتحمل قراءة الفاتحة الإمام عن المأموم كالفريضة.

(2)

لقوله «لا صلاة لمن لم يصل على نبيه صلى الله عليه وسلم» ونحوه، ولا يتعين لفظ صلاة مخصوص، لأن المقصود مطلق الصلاة.

(3)

أي والخامس دعوة للميت أي دعاء له، وفاقًا، لأنه هو المقصود، فلا يجوز الإخلال به، وقد نقل فيه ما لم ينقل في القراءة، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، فهو أوكد، وقال النووي: الدعاء واجب في الثالثة بلا خلاف، وليس لتخصيصه بها دليل واضح اهـ. وإنما قدم الثناء على الله، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، لأنهما سنة الدعاء، والسادس السلام إجماعًا، والمراد واحدة، كما هو قول الجمهور، فـ «أَلْ» للعهد، لأنه عليه الصلاة والسلام يسلم في صلاة الجنائز، وقال «صلوا كما رأيتموني أصلي» .

ص: 95

ويشترط لها النية (1) فينوي الصلاة على الميت (2) ولا يضر جهله بالذكر وغيره (3) فإن جهله نوى: على من يصلي عليه الإمام (4) وإن نوى أَحد الموتى اعتبر تعيينه (5) وإن نوى: على هذا الرجل، فبان امرأَة أَو بالعكس أَجزأَ، لقوة التعيين، قاله أبو المعالي (6) .

(1) أي للصلاة على الميت، وتقدم حديث «إنما الأعمال بالنيات» وأنها القصد، وأن التلفظ بها بدعة، وعبارة الإقناع والمنتهى: ويشترط لها ما يشترط لمكتوبة، إلا الوقت، وحكاه غير واحد اتفاقًا، مع حضور الميت وإسلامه وتطهيره.

(2)

ذكرًا كان أو أنثى، أو على هؤلاء الموتى، وإن كانوا جماعة فمعرفة عددهم أولى.

(3)

أي غير الذكر، وهو الأنثى أو الخنثى، قال في الرعاية: ولا يشترط معرفة عين الميت في الصلاة، لعدم توقف المقصود على ذلك، فينوي الصلاة على الجنازة الحاضرة، أو على هذه الجنازة، ونحو ذلك.

وقال في الإقناع: والأولى معرفة ذكوريته وأنوثيته، واسمه وتسميته في دعائه له، ولا يعتبر ذلك.

(4)

واجزأت، وعليه العمل، ولم يرو أن كل مصل يسأل عمن يصلي عليه.

(5)

لتزول الجهالة، وإذا عينه لم تصح على غيره، لأن قوة التعيين تصير ما سوى المعين غير مراد، ولا مقصود، ولفظ أبي المعالي: فإن نوى الصلاة على معين من موتى، كأن يريد زيدًا فبان غيره لم تصح، قال في الفروع: وهو معنى كلام غيره.

(6)

وعكسه إن نوى على هذه المرأة، فبان رجلاً أجزأ، لعدم اختلاف المقصود باختلاف ذلك.

ص: 96

وإسلام الميت (1) وطهارته من الحدث والجنس مع القدرة (2) .

(1) لأن الصلاة شفاعة له ودعاء، والكافر ليس أهلاً لذلك، قال تعالى {وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا} .

وقال أحمد: الرافضة والجهمية لا يصلى عليهم. وقال: أهل البدع إن مرضوا فلا تعودوهم، وإن ماتوا فلا تصلوا عليهم، لأن النبي صلى الله عليه وسلم ترك الصلاة على من به دون ذلك، فالأولى أن تترك الصلاة عليهم.

وقال شيخ الإسلام: من كان مظهرًا للإسلام، فإنه يجرى عليه أحكام الإسلام الظاهرة، من تغسيله والصلاة عليه، ودفنه في مقابر المسلمين، ونحو ذلك، لكن من علم من النفاق والزندقة، فإنه لا يجوز لمن علم ذلك منه الصلاة عليه، وإن كان مظهرًا للإسلام، وذكر الآية، وقوله {اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ} الآية.

ثم قال: وأما من كان مظهرًا للفسق، مع ما فيه من الإيمان، كأهل الكبائر، فلا بد أن يصلي عليهم بعض المسلمين، ومن امتنع زجرًا لأمثاله كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم، كان حسنًا، وإن صلى يرجو رحمة الله، ولم يكن في امتناعه مصلحة راجحة كان حسنًا، وإن امتنع في الظاهر، ودعا في الباطن، كان أولى، وكل من لم يعلم منه النفاق، وهو مسلم، يجوز الاستغفار له، والصلاة عليه، ويؤمر به، كما قال تعالى:{وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} وإن اختلط المسلمون بالمشركين، ولم يتميزوا غسل الجميع، وصلي عليهم، سواء كان عدد المسلمين أقل أو أكثر، وهذا مذهب مالك والشافعي، قياسًا على ما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم في السلام على المجلس الذي فيه أخلاط من المسلمين والمشركين.

(2)

وفاقًا، لأن العجز عن الطهارة، لا يسقط فرض الصلاة كالحي، وكباقي الشروط.

ص: 97

وإلا صلي عليه (1) والاستقبال والسترة كمكتوبة (2) وحضور الميت بين يديه (3) فلا تصح على جنازة محمولة، ولا من وراء جدار (4)(ومن فاته شيءٌ من التكبير قضاه) ندبًا (على صفته)(5) لأَن القضاءَ يحكي الأَداءَ، كسائر الصلوات (6) .

(1) أي وإن عجز عن طهارته من الحدث أو النجس يمم وصلي عليه.

(2)

أي كما يشترط للمكتوبة، من الاستقبال إلى جهة القبلة، وستر العورة، فيشترط في صلاة الجنازة استقبال القبلة، وستر أحد عاتقيه على المذهب، بخلاف النفل فلا يشترط له ذلك.

(3)

أي يدي المصلي، والمراد قبل الدفن، وصرح به جماعة في المسبوق وفاقًا، ولأنه لا صلاة بدون الميت، وقال عثمان: لو كبر على جنازة، ثم جيء بأخرى، كبر ثانية ونواهما، فإن جيء بثالثة كبر الثالثة، ونوى الجنائز الثلاث، فإن جيء برابعة كبر الرابعة ونوى الكل، فيصير مكبرًا على الأولى أربعًا، وعلى الثانية ثلاثًا، وعلى الثالثة اثنتين، وعلى الرابعة واحدة فيأتي بثلاث تكبيرات أخر، فيتم سبعًا يقرأ في خامسة ما ذكر في المتن.

(4)

قبل الدفن، نص عليه وفاقًا، ولا من وراء خشب، كالتابوت المغطى بخشب، فلا تصح على الميت وهو فيه، بخلاف السترة من غير ذلك، فإنها لا تمنع الصحة، وكذا يشترط تكفينه، فلا تصح قبل أن يغسل، أو ييمم لعدم، ويكفن، وسن دنوه منها، وقال المجد وغيره: قربها من الإمام مقصود، لأنه يسن الدنو منها.

(5)

أي أتى بالتكبير نسقًا، ويقضي الثلاث استحبابًا.

(6)

فيتابع إمامه فيما أدركه فيه، ولا ينتظر تكبيرة الإمام المستقبلة، بل يدخل معه في الحال، كالفريضة، ولقوله «فما أدركتم فصلوا» وهذا مذهب الشافعي، ورواية عن مالك، وقول جمهور العلماء، وحكي إجماعًا، والمحاكاة المضاهاة أي المشابهة.

ص: 98

والمقضي أول صلاته، يأْتي فيه بحسب ذلك (1) وإن خشي رفعها تابع التكبير، رفعت أَم لا (2) وإن سلم مع الإمام، ولم يقضه صحت، لقوله صلى الله عليه وسلم لعائشة «ما فاتك لا قضاء عليك» (3)(ومن فاتته الصلاة عليه) أي على الميت (صلى على القبر)(4) .

(1) فإذا سلم إمامه كبر وقرأ الفاتحة، ثم راعى باقي التكبيرات ترتيب نفسه، لا ما يقوله إمامه، وفاقًا للشافعي، وعنه يقضيه على صفته، على ما تقدم في أحكام المسبوق، ومتى أدرك الإمام في الأولى، فكبر وشرع في القراءة، ثم كبر الإمام قبل أن يتمها، قطع القراءة وتابعه.

(2)

أي والي بين التكبير، من غير ذكر ولا دعاء، رفعت الجنازة أو لم ترفع من بين يديه، قدمه في الفروع، وحكاه نصًا.

واختاره أكثر الأصحاب وفاقًا، لما روى نافع عن ابن عمر أنه قال: لا يقضي، فإن كبر متتابعًا فلا بأس. قال الموفق: ولم يعرف له مخالف من الصحابة، فكان إجماعًا.

(3)

وعنه: يقضيه بعد سلام إمامه، لا يأتي به ثم يتابع الإمام، في أصح الروايتين وفاقًا، واختاره أبو بكر، والآجري والحلواني وابن عقيل وشيخنا وغيرهم، ويستحب للمسبوق أن يدخل ولو بين التكبيرتين إجماعًا.

(4)

أي استحب له الصلاة على القبر بلا نزاع، وقال أحمد: من يشك في الصلاة على القبر؟ ويكون الميت بينه وبين القبلة، وفي الإقناع: استحب له إذا وضعت أن يصلي عليها، قبل الدفن أو بعده، ولو جماعة على القبر.

ص: 99

إلى شهر من دفنه (1) لما في الصحيحين من حديث أبي هريرة وابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على قبر (2) . وعن سعيد بن المسيب، أن أُم سعد ماتت، والنبي صلى الله عليه وسلم غائب، فلما قدم صلى عليها وقد مضى لذلك شهر.

(1) وتجوز قريبًا منه، لدلالة الخبر عليه.

(2)

ولفظ حديث أبي هريرة: أن امرأة سوداء كانت تقم المسجد، ففقدها النبي صلى الله عليه وسلم فسأل عنها، فقالوا: ماتت، قال «أفلا آذنتموني؟ دلوني على قبرها» فدلوه فصلى عليها. ولفظ حديث ابن عباس: أنه انتهى إلى قبر رطب، فصلى عليه، وصفوا خلفه، وكبر أربعًا، وجاء في الصلاة على القبر أحاديث كثيرة.

قال ابن رشد: ثابتة باتفاق من أصحاب الحديث. اهـ.

فأما من لم يصل عليه، ففرض الصلاة عليه الثابت بالأدلة والإجماع باق؛ قال أحمد: يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم من ستة أوجه أو ثمانية، أنه صلى على قبر بعدما دفن.

ومن صُلَّي عليه فقد قال بمشروعية الصلاة عليه الجمهور، ومن اعتذر عن هذه السنة المشهورة فلعلها لم تبلغه من طريق يثق به، وفي الفصول: لا يصلى عليه مرتين كالعين، وقيل يصلى، اختاره في الفنون، وشيخ الإسلام، وجمهور السلف، لأنه دعاء، ويجوز جماعة وفرادى.

قال أحمد: لا بأس به، قد فعله عدة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم. وفي المحرر: يصلي تبعًا، وإلا فلا، إجماعًا وقال: تستحب إعادتها تبعًا مع الغير، ولا تستحب ابتداء. اهـ.

وكما لو صُلَّي عليه بلا إذن ولي حاضر، أو ولي بعده حاضر، فإنها تعاد تبعًا وفاقًا، وقال شيخ الإسلام: لا تعاد الصلاة عليها إلا لسبب، مثل أن يعيد غيره فيعيد معهم، أو يكون أحق بالإمامة من الطائفة الثانية، فيصلي بهم.

ص: 100

رواه الترمذي، ورواته ثقات، قال أحمد: أكثر ما سمعت هذا (1) وتحرم بعده، ما لم تكن زيادة يسيرة (2)(و) يصلي (على غائب) عن البلد، ولو دون مسافة قصر (3) .

(1) يعني إلى شهر، فحد الصلاة على القبر بشهر، إذ هو أكثر ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلى بعده، والحديث رواه البيهقي، وروى نحوه عن ابن عباس، وقال الحافظ: إسناده مرسل صحيح، وحده الشافعي بما إذا لم يبل الميت، ومنع منه مالك وأبو حنيفة، إلا للولي إذا كان غائبًا، وقال ابن القيم: صلى النبي صلى الله عليه وسلم على القبر بعد ليلة، ومرة بعد ثلاث، ومرة بعد شهر، ولم يوقت في ذلك وقتًا انتهى، وقال ابن عقيل: يجوز مطلقًا، لقيام الدليل على الجواز، وما وقع من الشهر فاتفاق، ويؤيده أنه صلى الله عليه وسلم صلى على قتلى أحد، بعد ثمان سنين، رواه البخاري وغيره، وفي السنن وغيرها أنه صلى على قبر بعد شهرين.

(2)

كيوم أو يومين، وقالوا: إن شك في نقصان المدة صلى حتى يعلم فراغها، ويؤخذ من كلامهم الشك في التوقيت من الشارع، وتقدم في الصحيح أنه صلى على قتلى أحد بعد ثمان سنين، ولم يثبت توقيت يجب المصير إليه، وأما الصلاة عليه مطلقًا فباطل، فإن قبر النبي صلى الله عليه وسلم لا يصلى عليه الآن إجماعًا.

(3)

قال الحافظ: وبذلك قال الشافعي وأحمد، وجمهور السلف، وقال ابن جزم: لم يأت عن أحد من الصحابة منعه، قال الشافعي: الصلاة على الميت دعاء له، فكيف لا يدعى له وهو غائب أو في القبر، وقيل: إن لم يكن صلي عليه، وإلا فلا. اختاره الشيخ، وقال: ولا يُصلَّى كل يوم على غائب، لأنه لم ينقل. وقال ابن القيم: مات خلق عظيم وهم غيب، فلم يصل عليهم، وإنما صلى على النجاشي، وفعله سنة، وتركه سنة، وصوب أنه إن مات ببلد لم يصل عليه صلي عليه، كما صلى النبي صلى الله عليه وسلم على النجاشي، وإلا فلا. اهـ.

ولا يصلى على غائب في أحد جانبي البلد، ولو كان كبيرًا، ولو لمشقة مطر أو مرض، قال الشيخ: والقائلون بالجواز قيدوه بالكبير، وفي الإنصاف: هو مراد من أطلق، قال الشيخ: وأقرب الحدود ما تجب فيه الجمعة، لأنه إذًا من أهل الصلاة في البلد، فلا يعد غائبًا عنها، قال: ولا بد من انفصاله عن البلد، بما يعد الذهاب إليه نوع سفر.

ص: 101

فتجوز صلاة الإمام والآحاد عليه (بالنية إلى شهر)(1) لصلاته عليه السلام على النجاشي كما في المتفق عليه عن جابر (2) وكذا غريق وأَسير ونحوهما (3) .

(1) قال في الفروع: ولم يوقت في ذلك وقتًا، وصحح في تصحيحها الجواز، وتقدم جوازه إلى سنة أو ما لم يبل.

(2)

ولفظه: أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على أصحمة النجاشي، فكبر عليه أربعًا. وفي لفظ: أنه صلى الله عليه وسلم قال: «توفي اليوم رجل صالح من الحبشة، فهلموا فصلوا عليه» فصففنا خلفه فصلى عليه، ونحن صفوف، ونحوه للجماعة عن أبي هريرة: نعى النجاشي في اليوم الذي مات فيه، وخرج بهم إلى المصلى، فصف بهم، وكبر عليه أربع تكبيرات. والنجاشي هو ملك الحبشة، وكان اسمه «أصحمة» ومعناه بالعربية عطية، ويسمى كل من ملك الحبشة النجاشي، كما يسمى كل خليفة للمسلمين أمير المؤمنين، ومن ملك الروم قيصر، والفرس كسرى، والترك خاقان، والقبط فرعون، ومصر العزيز.

(3)

فيصلى عليه، والمذهب إلى شهر، ويسقط شرط الحضور للحاجة، والغسل للتعذر، وإن حضر استحب أن يصلى عليه ثانيًا، جزم به ابن تميم وغيره.

ص: 102

وإن وجد بعض ميت لم يصل عليه فككله (1) إلا الشعر والظفر والسن (2) فيغسل ويكفن ويصلى عليه (3) ثم إن وجد الباقي فكذلك، ويدفن بجنبه (4) ولا يصلى على مأْكول ببطن آكل (5) ولا مستحيل بإحراق ونحوه (6) ولا على بعض حي مدة حياته (7) .

(1) أي كل الميت لو وجد، يغسل ويكفن، ويصلى عليه.

(2)

فلا لأنه في حكم المنفصل حال الحياة، بل ولا حياة فيها.

(3)

وجوبًا، إن لم يكن صلي عليه، لأن أبا أيوب صلى على رجل إنسان، رواه أحمد، وصلى عمر على عظام بالشام، وأبو عبيدة على رؤوس، رواهما عبد الله بن الإمام أحمد والبيهقي.

وقال الشافعي: ألقى طائر يدًا بمكة، من وقعة الجمل، عرفت بالخاتم، وكانت يد عبد الرحمن بن عتاب بن أسيد، فصلى عليها أهل مكة، وهذا مذهب مالك والشافعي، وجماهير أهل العلم، وقال الموفق: هو إجماع الصحابة، ولأنه بعض من ميت، فثبت له حكم الجملة، فإن كان بعضًا من ميت صلي عليه فندباً، وإن كان الباقي أكثر فوجوبًا، وقيل: يصلى عليه مطلقًا، وأما تغسيله وتكفينه، ودفنه فيجب وفاقًا.

(4)

أي ثم إن وجد الباقي بعد غسل بعض الميت وتكفينه ودفنه، يغسل ويكفن، ويصلى عليه، ويدفن بجنب القبر، أو في جانبه، ولا ينبش ليضاف إليه.

(5)

أي من سبع أو غيره، ولو مع مشاهدة الآكل، لفقد شرطها من الغسل والتكفين.

(6)

كما لو وقع في ملاحة، أو حلة صابون، لأنه لم يبق منه ما يصلى عليه.

(7)

كيد وساق قطعت في سرقة، أو لآكلة، لأن الصلاة على الميت دعاء له وشفاعة، وهذا عضو لا حكم له في الثواب والعقاب.

ص: 103

(ولا) يسن أن (يصلي الإمام) الأَعظم، ولا إمام كل قرية، وهو واليها في القضاء (على الغال) وهو من كتم شيئًا مما غنمه (1) . لما روى زيد بن خالد قال: توفي رجل من جهينة يوم خيبر، فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال «صلوا على صاحبكم» فتغيرت وجوه القوم، فلما رأَى ما بهم قال «إن صاحبكم غل في سبيل الله» ففتشنا متاعه، فوجدنا فيه خرزًا من خرز اليهود، ما يساوي درهمين، رواه الخمسة إلا الترمذي، واحتج به أحمد (2)(ولا على قاتل نفسه) عمدًا، لما روى جابر بن سمرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم جاؤه برجل قد قتل نفسه بمشاقص، فلم يصل عليه، رواه مسلم وغيره (3) .

(1) ليأخذه لنفسه ويختص به، وفي اللغة الخائن، قال القاضي عياض: لكنه صار في عرف الشرع لخيانة المغانم خاصة، يقال: غل وأغل.

(2)

ورجال إسناده رجال الصحيح، وإنما ترك النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة عليه زجرًا لأمثاله عن الغلول، كما امتنع من الصلاة على المديون، وأمرهم بالصلاة عليه، وفي الحديث جواز الصلاة على العصاة، وتقدم أنهم أحق بالشفاعة، وأحوج إليها، وتحريم الغلول محتم، وإن كان حقيرًا، وقد ورد في الوعيد عليه أحاديث كثيرة، وفيه معجزة للنبي صلى الله عليه وسلم، لإخباره بذلك، وانكشاف الأمر.

(3)

فرواه أصحاب السنن والمساند وغيرهم. واختار المجد وغيره أنه لا يصلى على كل من مات على معصية ظاهرة بلا توبة، وامتناع النبي صلى الله عليه وسلم من الصلاة عليه وعلى الغال، وهو الإمام الأعظم، عليه أفضل الصلاة والسلام، يدل على ذلك، وما ثبت في حقه ثبت في حق غيره، ما لم يقم دليل على اختصاصه، والأصل عدم الخصوصية وأمره بالصلاة عليهما، يدل على وجوبها عليهما، فيصلى عليهما، وعلى سائر العصاة، كسارق وشارب خمر، ومقتول قصاصًا أو حدًا أو نحوه، فإنه صلى الله عليه وسلم صلى على الغامدية، وعلى الأسلمي.

وذهب مالك وأبو حنيفة والشافعي وجمهور العلماء، إلى أنه يصلي على الفاسق، وأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما ترك الصلاة على الغال وقاتل نفسه زجرًا للناس، وصلت عليهما الصحابة، ويدل عليه قوله «صلوا على من قال لا إله إلا الله» وقوله «أما أنا فلا أصلي عليه» .

وقال النووي وغيره: مذهب العلماء كافة الصلاة على كل مسلم، ومحدود ومرجوم، وقاتل نفسه، وولد الزنا، ونحوهم، وقال أحمد: من استقبل قبلتنا، وصلى صلاتنا، نصلي عليه، وندفنه، قال شيخ الإسلام: وإن كان منافقًا، كمن علم نفاقه، لم يصل عليه، اهـ. ولو صلى الإمام الأعظم عليهما فلا بأس، كبقية الناس، وعنه: يصلي على كل، اختاره ابن عقيل وغيره، وذكره في الفروع وفاقًا، وإن تركهما أئمة الدين زجرًا فهو أولى، وإن صلى يرجو رحمة الله، ولم يكن في الامتناع مصلحة راجحة فحسن، وإن امتنع في الظاهر، ودعا له في الباطن فحسن أيضًا وتقدم.

ص: 104

والمشاقص جمع مشقص كمنبر، نصل عريض أو سهم فيه ذلك، أو نصل طويل، أو سهم فيه ذلك، يرمى به الوحش (1) .

(1) كما في القاموس، وفي النهاية: نصل السهم إذا كان طويلاً غير عريض، فإذا كان عريضًا فهو المعبلة.

ص: 105

(ولا بأْس بالصلاة عليه) أي على الميت (في المسجد) إن أَمن تلويثه (1) لقول عائشة صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على سهيل بين بيضاء في المسجد؛ رواه مسلم (2) وصلي على أبي بكر وعمر فيه، رواه سعيد (3) .

(1) وإن لم يؤمن تلويث المسجد حرم، خشية تنجيسه، وهذا مذهب الشافعي وابن المنذر، وغيرهم من الفقهاء، وبعض أصحاب مالك، وقال ابن القيم وغيره: لم يكن من هديه الراتب الصلاة على الجنائز في المسجد، وإنما كان يصلي خارجه، وربما صلى عليها فيه، ولكن لم يكن من سنته وعادته، وكلاهما جائز، والأفضل خارجه.

(2)

بألفاظ منها: لقد صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على ابني بيضاء في المسجد، سهيل وأخيه. وفي رواية: أمرت أن تمر بجنازة سعد بن أبي وقاص في المسجد، فتصلي عليه، فأنكر الناس ذلك عليها، فقالت: ما أسرع ما نسي الناس! ما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على سهيل بن البيضاء إلا في المسجد، وفي رواية: أرسل أزواج النبي صلى الله عليه وسلم نحوه، وبنوا بيضاء ثلاثة، سهل وسهيل وصفوان، وأمهم البيضاء، وصف لها، واسمها دعد، وأبوهم وهب بن ربيعة الفهري القرشي.

(3)

الأول عن عروة، والثاني عن ابن عمر، ورواه مالك أيضًا، وأخرجهما ابن أبي شيبة بلفظ: أن عمر صلى على أبي بكر في المسجد، وأن صهيبًا صلى على عمر في المسجد، قال الخطابي: ثبت ذلك، ومعلوم أن عامة المهاجرين والأنصار شهدوا ذلك، وذكره ابن المنذر عن أبي بكر وعمر وغيرهما، وعن سائر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهن، وهو مذهب الجمهور، وكرهه أبو حنيفة ومالك، واحتجوا بما روي «من صلى على جنازة في المسجد فلا شيء له» قال أحمد وغيره: ضعيف، لا يحتج به، وفي النسخ المشهورة المحققة من سنن أبي داود «فلا شيء عليه» فلا حجة فيه، ولا ينبغي أن يكره شيء مما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ص: 106

وللمصلي قيراط، وهو أمر معلوم عند الله تعالى (1) وله بتمام دفنها آخر، بشرط أن لا يفارقها من الصلاة حتى تدفن (2) .

(1) ففي الصحيحين وغيرهما من غير وجه «من شهد الجنازة حتى يصلى عليها فله قيراط، ومن شهدها حتى تدفن فله قيراطان» قيل: وما القراطان؟ قال «مثل الجبلين العظيمين» وللبخاري، «من شيع» ولمسلم «من خرج معها ثم تبعها حتى تدفن» وذكر ابن القيم أنه لم يزل حريصًا على معرفة المراد بالقيراط، حتى رأى لابن عقيل أنه نصف سدس درهم مثلاً، أو نصف عشير دينار، وأنه لا يجوز أن يكون المراد هنا جنس الأجر، لأن ذلك يدخل فيه ثواب الأعمال الصالحة، كالصلاة والحج، وليس في صلاة الجنازة ما يبلغ إليه، وأنه لم يبق إلا أن يرجع إلى الأجر المعهود، وهو العائد إلى الميت، ويتعلق به صبر على المصيبة فيه، وتجهيزه، وغسله ودفنه، وغير ذلك، فكان للمصلي من ذلك الأجر قيراط، نصف دانق، سدس درهم، وإن تبعه كان له قيراطان، فيكون نسبة القيراط إلى الأجر الكامل، وهو بحسب عظم ذلك الأجر الكامل في نفسه، وكلما كان أعظم، كان القيراط منه بحسبه. اهـ. ولا سيما بحسب المشقة والإخلاص.

ولما كان المتعارف به حقيرًا، نبه الشارع على عظم القيراط الحاصل لمن فعل ذلك، وأخبر أنه مثل الجبل العظيم، وفي رواية «مثل أحد» وفي رواية في القيراطين «أصغرهما مثل أحد» ، فبين أن زنة الثواب المترتب على ذلك العمل مثل الجبلين العظيمين، وكثيرًا ما يمثل الشارع أمور الآخرة بأمور الدنيا للتقريب إلى الأفهام، وإلا فذرة من ذرات الآخرة خير من الدنيا بأسرها وأمثالها معها، وخص الصلاة عليه والدفن بالذكر لكونهما المقصود، بخلاف باقي أحوال الميت، فإنها وسائل.

(2)

لقوله صلى الله عليه وسلم «حتى تدفن» وظاهره أن من شرط حصول القيراط الثاني شهود الصلاة، ولأحمد «حتى توضع في اللحد» بدل تدفن.

ص: 107