الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
إِحْضَارُهُ، فَهَلْ يَجُوزُ سَمَاعُ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ وَالْحُكْمُ مِنْ غَيْرِ حُضُورِهِ أَمْ لَا، أَمْ يَجُوزُ سَمَاعُهَا دُونَ الْحُكْمِ؟ فِيهِ أَوْجُهٌ، الصَّحِيحُ الْمَنْعُ مِنْهُمَا، وَأُجْرِي الْخِلَافُ فِي الْحَاضِرِ فِي مَجْلِسِ الْحُكْمِ هَلْ يَسْمَعُ الْبَيِّنَةَ عَلَيْهِ، وَيَحْكُمُ بِغَيْرِ سُؤَالِهِ وَمُرَاجَعَتِهِ، وَالْمَنْعُ هُنَا أَظْهَرُ وَأَوْلَى.
وَإِنْ تَعَذَّرَ إِحْضَارُهُ بِتَوَارِيهِ أَوْ بِعُذْرِهِ جَازَ سَمَاعُ الدَّعْوَى وَالْبَيِّنَةُ وَالْحُكْمُ عَلَيْهِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَمَنَعَهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ، فَإِنْ قُلْنَا بِالصَّحِيحِ، فَهَلْ يَحْلِفُ الْمُدَّعِي كَمَا يَحْلِفُ الْمُدَّعِي عَلَى غَائِبٍ؟ وَجْهَانِ، وَقَطَعَ صَاحِبُ الْعُدَّةِ بِأَنَّهُ لَا يَحْلِفُ؛ لِأَنَّ الْخَصْمَ قَادِرٌ عَلَى الْحُضُورِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْبَلَدِ، فَإِنْ غَابَ إِلَى مَسَافَةٍ بَعِيدَةٍ، جَازَ الْحُكْمُ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَتْ قَرِيبَةً، فَهُوَ كَالْحَاضِرِ، وَفِي ضَبْطِ الْبَعِيدَةِ وَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا: تَقْصُرُ فِيهِ الصَّلَاةُ، وَالْقَرِيبَةُ دُونَهَا، وَأَصَحُّهُمَا: أَنَّ الْقَرِيبَةَ مَا يُمْكِنُ الْمُبَكِّرُ الرُّجُوعَ مِنْهَا إِلَى مَسْكَنِهِ لَيْلًا، فَإِنْ زَادَتْ فَبَعِيدَةٌ، وَلَوْ كَانَ لِلْمُتَمَرِّدِ وَكِيلٌ نَصَّبَهُ بِنَفْسِهِ، فَهَلْ يَتَوَقَّفُ التَّحْلِيفُ عَلَى طَلَبِهِ؟ جَوَابَانِ لِأَبِي الْعَبَّاسِ الرُّويَانِيِّ: لِأَنَّ الِاحْتِيَاطَ وَالْحَالَةُ هَذِهِ مِنْ وَظِيفَةِ الْوَكِيلِ، وَكَذَا لَوْ كَانَ لِلْغَائِبِ وَكَيْلٌ.
فَصْلٌ
مَنْ أَتَى الْقَاضِيَ مُسْتَعْدِيًا عَلَى خَصْمٍ لِيُحْضِرَهُ، فَلِخَصْمِهِ حَالَانِ.
الْأُولَى: أَنْ يَكُونَ بِالْبَلَدِ وَظَاهِرًا يُمْكِنُ إِحْضَارُهُ، فَيَجِبُ إِحْضَارُهُ، وَقَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ: يُحْضِرُ ذَوِي الْمُرُوءَاتِ فِي دَارِهِ لَا فِي مَجْلِسِهِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ. ثُمَّ الْإِحْضَارُ قَدْ يَكُونُ بِخَتْمٍ مِنْ طِينٍ رَطْبٍ أَوْ غَيْرِهِ يَدْفَعُهُ إِلَى الْمُدَّعِي، لِيَعْرِضَهُ عَلَى الْخَصْمِ. وَلْيَكُنْ مَكْتُوبًا عَلَيْهِ: أَجِبِ الْقَاضِيَ فَلَانًا، وَقَدْ يَكُونُ بِشَخْصٍ مِنَ الْأَعْوَانِ الْمُرَتَّبِينَ عَلَى بَابِ الْقَاضِي، وَتَكُونُ مُؤْنَتُهُ عَلَى الطَّالِبِ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ رِزْقٌ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، وَإِنْ بَعْثَ الْخَتْمَ، فَلَمْ يُجِبْ، بَعَثَ إِلَيْهِ الْعَوْنَ، وَإِنْ ثَبَتَ عِنْدَ الْقَاضِي امْتِنَاعُهُ بِلَا عُذْرٍ، أَوْ ثَبَتَ سَوَادٌ بِهِ بِكَسْرِ الْخَتْمِ وَنَحْوِهِ، اسْتَعَانَ عَلَى إِحْضَارِهِ بِأَعْوَانٍ
السُّلْطَانُ، فَإِذَا حَضَرَ عَزَّرَهُ بِمَا يَرَاهُ، وَتَكُونُ مُؤْنَةُ الْمُحْضَرِ وَالْحَالَةُ هَذِهِ عَلَى الْمَطْلُوبِ، لِامْتِنَاعِهِ. وَقِيلَ: عَلَى الْمُدَّعِي، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ، فَإِنِ اخْتَفَى بَعَثَ مَنْ يُنَادِي عَلَى بَابِ دَارِهِ أَنَّهُ إِنْ لَمْ يَحْضُرْ إِلَى ثَلَاثٍ سَمَّرَ بَابَ دَارِهِ، أَوْ خَتَمَ عَلَيْهِ، فَإِنْ لَمْ يَحْضُرْ بَعْدَ الثَّلَاثِ، وَسَأَلَ الْمُدَّعِي التَّسْمِيرَ أَوِ الْخَتْمَ، أَجَابَهُ إِلَيْهِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَتَقَرَّرَ عِنْدَهُ أَنَّ الدَّارَ دَارُهُ، وَإِذَا عُرِفَ لَهُ مَوْضِعٌ قَالَ ابْنُ الْقَاصِّ: يَبْعَثُ الْقَاضِي جَمَاعَةً مِنَ النِّسْوَةِ وَالصِّبْيَانِ وَالْخِصْيَانِ يَهْجُمُونَ عَلَيْهِ عَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ، وَيُفَتِّشُونَ.
وَمَتَّى كَانَ لِلْمَطْلُوبِ عُذْرٌ مَانِعٌ مِنَ الْحُضُورِ، لَمْ يُكَلَّفْ، بَلْ يُبْعَثُ إِلَيْهِ مَنْ يَحْكُمُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ خَصْمِهِ، أَوْ يَأْمُرُهُ بِنَصْبِ وَكِيلٍ لِيُخَاصِمَ عَنْهُ، فَإِنْ وَجَبَ تَحْلِيفُهُ، بَعَثَ إِلَيْهِ مَنْ يُحَلِّفُهُ، وَالْعُذْرُ كَالْمَرَضِ، أَوْ حَبْسِ ظَالِمٍ، أَوِ الْخَوْفِ مِنْهُ، وَفِي الْمَرْأَةِ الْمُخَدَّرَةِ خِلَافٌ سَيَأْتِي - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَكُونَ خَارِجَ الْبَلَدِ، فَيُنْظَرُ إِنْ كَانَ خَارِجًا عَنْ مَحَلِّ وِلَايَةِ الْقَاضِي لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُحْضِرَهُ، وَإِنْ كَانَ فِيهَا، فَإِنْ كَانَ لَهُ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ نَائِبٌ، لَمْ يُحْضِرْهُ، بَلْ يَسْمَعُ الْبَيِّنَةَ وَيَكْتُبُ إِلَيْهِ، هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ، وَقِيلَ: يَلْزَمُ إِحْضَارُهُ إِذَا طَلَبَ الْخَصْمُ، وَقِيلَ: يَتَخَيَّرُ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ، ذَكَرَهُ السَّرَخْسِيُّ فِي «الْأَمَالِي» وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ، فَثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ. أَحَدُهُمَا - وَبِهِ قَطَعَ الْعِرَاقِيُّونَ -: يُحْضِرُهُ قَرُبَتِ الْمَسَافَةُ أَمْ بَعُدَتْ، لَكِنْ لَهُ أَنْ يَبْعَثَ إِلَى بَلَدِ الْمَطْلُوبِ مَنْ يَحْكُمُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُسْتَعْدِي، وَالثَّانِي: إِنْ كَانَ دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ أَحْضَرَهُ، وَإِلَّا فَلَا، وَالثَّالِثُ: إِنْ كَانَ عَلَى مَسَافَةِ الْعَدْوَى، أَحْضَرَهُ وَإِلَّا فَلَا، وَهَذَا أَصَحُّ عِنْدَ الْإِمَامِ.
وَإِذَا قُلْنَا: لَا يُحْضِرُهُ إِذَا كَانَ هُنَاكَ حَاكِمٌ، فَكَذَا لَا يُحْضِرُهُ إِذَا كَانَ (هُنَاكَ) مَنْ يَتَوَسَّطُ وَيُصْلِحُ بَيْنَهُمَا، بَلْ يَكْتُبُ إِلَيْهِ أَنْ يَتَوَسَّطَ وَيُصْلِحَ، فَإِنْ تَعَذَّرَ فَحِينَئِذٍ يُحْضِرُهُ، وَحَيْثُ قُلْنَا: يُحْضِرُ الْخَارِجَ عَنِ الْبَلَدِ، فَذَكَرَ الْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ، وَصَاحِبُ الْعُدَّةِ أَنَّهُ إِنَّمَا يُحْضِرُهُ إِذَا أَقَامَ الْمُدَّعِي بَيِّنَةً عَلَى