المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

كَانَ الْمُدَّعَى دَيْنًا، فَفِي انْتِزَاعِ نَصِيبِ الْغَائِبِ وَجْهَانِ جَارِيَانِ فِيمَنْ - روضة الطالبين وعمدة المفتين - جـ ١١

[النووي]

الفصل: كَانَ الْمُدَّعَى دَيْنًا، فَفِي انْتِزَاعِ نَصِيبِ الْغَائِبِ وَجْهَانِ جَارِيَانِ فِيمَنْ

كَانَ الْمُدَّعَى دَيْنًا، فَفِي انْتِزَاعِ نَصِيبِ الْغَائِبِ وَجْهَانِ جَارِيَانِ فِيمَنْ أَقَرَّ لِغَائِبٍ بِدَيْنٍ، وَحَمَلَهُ إِلَى الْقَاضِي، هَلْ عَلَى الْقَاضِي أَنْ يَسْتَوْفِيَهُ، وَالْأَصَحُّ فِي الصُّورَتَيْنِ عَدَمُ الْوُجُوبِ، وَحَكَاهُ ابْنُ كَجٍّ فِي مَسْأَلَتِنَا عَنِ النَّصِّ.

وَاعْلَمْ أَنَّهُ سَبَقَ فِي كِتَابِ الشَّرِكَةِ أَنَّ أَحَدَ الْوَارِثِينَ لَا يَنْفَرِدُ بِقَبْضِ شَيْءٍ مِنَ التَّرِكَةِ، وَلَوْ قَبَضَ شَارَكَهُ الْآخَرُ فِيهِ، وَقَالُوا هُنَا: يَأْخُذُ الْحَاكِمُ نَصِيبَهُ، كَأَنَّهُمْ جَعَلُوا غَيْبَةَ الشَّرِيكِ عُذْرًا فِي تَمْكِينِ الْحَاضِرِ مِنَ الِانْفِرَادِ، وَلَوِ ادَّعَى عَلَى رَجُلٍ أَنَّ أَبَاهُ أَوْصَى لَهُ وَلِفُلَانٍ بِكَذَا، وَأَقَامَ شَاهِدَيْنِ وَفُلَانٌ غَائِبٌ أَوْ صَبِيٌّ، لَمْ يُؤْخَذْ نَصِيبُ فُلَانٍ بِحَالٍ، وَإِذَا حَضَرَ وَبَلَغَ فَعَلَيْهِ إِعَادَةُ الدَّعْوَى وَالْبَيِّنَةِ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ الدَّعْوَى فِي الْإِرْثِ لِشَخْصٍ وَاحِدٍ.

فَرْعٌ

لَوْ كَانَ لِلْوَارِثِ الْغَائِبِ وَكِيلٌ وَقَدْ أَقَامَ الْحَاضِرُ الْبَيِّنَةَ، قَالَ أَبُو عَاصِمٍ: يَقْبِضُ الْوَكِيلُ نَصِيبَ الْغَائِبِ دُونَ الْقَاضِي، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ، قَبَضَ الْقَاضِي، وَيُؤَجَّرُ لِئَلَّا تَفُوتَ الْمَنَافِعُ.

‌فَصْلٌ

هَلْ يَثْبُتُ الْوَقْفُ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ، إِنْ قُلْنَا: الْمِلْكُ فِيهِ لِلْوَاقِفِ أَوِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ، فَنَعَمْ، وَإِنْ قُلْنَا: لِلَّهِ تَعَالَى، فَوَجْهَانِ، أَوْ قَوْلَانِ، أَحَدُهُمَا: لَا، وَبِهِ قَالَ الْمُزَنِيُّ وَأَبُو إِسْحَاقَ كَالْعِتْقِ، وَالثَّانِي: نَعَمْ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ وَابْنُ سَلَمَةَ، وَالْعِرَاقِيُّونَ يَمِيلُونَ إِلَى تَرْجِيحِ الْأَوَّلِ، وَيَنْسُبُونَهُ إِلَى عَامَّةِ الْأَصْحَابِ، لَكِنَّ الثَّانِيَ أَقْوَى فِي الْمَعْنَى وَهُوَ الْمَنْصُوصُ، وَصَحَّحَهُ الْإِمَامِ وَالْبَغَوِيُّ وَغَيْرُهُمَا، وَجَزَمَ بِهِ الْغَزَالِيُّ.

وَلَوِ ادَّعَى وَرَثَةُ مَيِّتٍ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ غَصَبَ هَذِهِ الدَّارَ، وَقَالُوا: كَانَتْ

ص: 284

لِأَبِينَا وَقَفَهَا عَلَيْنَا وَعَلَى فُلَانٍ، تَثْبُتُ دَعْوَى الْغَصْبِ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ، وَيَثْبُتُ بِهِمَا أَيْضًا الْوَقْفُ إِنْ أَثْبَتْنَاهُ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ، وَإِلَّا فَيَثْبُتُ بِإِقْرَارِهِمْ. وَلَوْ مَاتَ عَنْ بَنِينَ، فَادَّعَى ثَلَاثَةٌ مِنْهُمْ أَنَّ أَبَاهُمْ وَقَفَ عَلَيْهِمْ هَذِهِ الدَّارَ، وَأَنْكَرَ سَائِرُ الْوَرَثَةِ، فَأَقَامُوا شَاهِدًا لِيَحْلِفُوا مَعَهُ تَفْرِيعًا عَلَى ثُبُوتِ الْوَقْفِ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ، فَلِدَعْوَاهُمْ صُورَتَانِ إِحْدَاهُمَا:

أَنْ يَدَّعُوا وَقَفَ تَرْتِيبٍ، فَيَقُولُوا: وَقَفَ عَلَيْنَا وَبَعْدَنَا عَلَى أَوْلَادِنَا وَعَلَى الْفُقَرَاءِ، فَلَهُمْ بَعْدَ إِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ: أَنْ يَحْلِفُوا جَمِيعًا، فَيَثْبُتُ الْوَقْفُ، وَلَا حَقَّ لِسَائِرِ الْوَرَثَةِ فِي الدَّارِ، فَإِذَا انْقَرَضَ الْمُدَّعُونَ، أَخَذَ الْبَطْنُ الثَّانِي الدَّارَ وَقْفًا، وَهَلْ يَأْخُذُونَهُ بِيَمِينٍ أَمْ بِلَا يَمِينٍ؟ وَجْهَانِ، وَيُقَالُ قَوْلَانِ، الْأَصَحُّ عِنْدَ الْجُمْهُورِ: بِلَا يَمِينٍ وَهُوَ ظَاهِرُ نَصِّهِ فِي «الْمُخْتَصَرِ» وَإِذَا انْتَهَى الِاسْتِحْقَاقُ إِلَى الْبَطْنِ الثَّالِثِ وَالرَّابِعِ عَادَ الْخِلَافُ، فَإِنْ قُلْنَا: يَأْخُذُونَ بِيَمِينٍ مَكَانَ الْحَقِّ بَعْدَ الْبَنِينَ الثَّلَاثَةِ لِلْفُقَرَاءِ، نُظِرَ إِنْ كَانُوا مَحْصُورِينَ، كَفُقَرَاءِ قَرْيَةٍ وَمَحَلَّةٍ، فَكَذَلِكَ الْجَوَابُ، وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا مَحْصُورِينَ فَهَلْ يَبْطُلُ الْوَقْفُ وَتَعُودُ الدَّارُ إِرْثًا، أَمْ يُصْرَفُ إِلَيْهِمْ بِلَا يَمِينٍ أَمْ يُصْرَفُ إِلَى أَقْرَبِ النَّاسِ إِلَى الْوَاقِفِ بِنَاءً عَلَى تَعَذُّرِ مَصْرِفِهِ كَالْوَقْفِ الْمُنْقَطِعِ؟ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ.

قُلْتُ: الْأَصَحُّ يَأْخُذُونَ بِلَا يَمِينٍ وَتَسْقُطُ هُنَا لِتَعَذُّرِهَا وَلَا يَبْطُلُ الْوَقْفُ بَعْدَ صِحَّتِهِ وَوُجُودِ الْمَصْرَفِ بِخِلَافِ الْمُنْقَطِعِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَلَوْ مَاتَ أَحَدُ الْحَالِفِينَ، صُرِفَ نُصِيبُهُ إِلَى الْآخَرِينَ، فَإِنْ مَاتَ آخَرُ، صُرِفَ الْجَمِيعُ إِلَى الثَّالِثِ؛ لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَ الْبَطْنِ الثَّانِي إِنَّمَا هُوَ بَعْدَ انْقِرَاضِ الْأَوَّلِينَ، ثُمَّ أَخْذُ الْآخِرِينَ يَكُونُ بِلَا يَمِينٍ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَقِيلَ: وَجْهَانِ كَالْبَطْنِ الثَّانِي.

ص: 285

الْحَالُ الثَّانِي: أَنْ يَنْكِلُوا جَمِيعًا عَنِ الْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ، فَالدَّارُ تَرِكَةٌ يُقْضَى مِنْهَا الدَّيْنُ وَالْوَصِيَّةُ، وَيُقْسَمُ الْبَاقِي بَيْنَ الْوَرَثَةِ، وَيَكُونُ حِصَّةُ الْمُدَّعِينَ وَقْفًا بِإِقْرَارِهِمْ، وَحِصَّةُ سَائِرِ الْوَرَثَةِ طَلْقًا لَهُمْ، فَإِذَا مَاتَ الْمُدَّعُونَ، لَمْ يُصْرَفْ نَصِيبُهُمْ إِلَى أَوْلَادِهِمْ عَلَى سَبِيلِ الْوَقْفِ إِلَّا بِيَمِينٍ عَلَى الْأَصَحِّ، وَقِيلَ: يُصْرَفُ إِلَيْهِمْ وَقْفًا بِلَا يَمِينٍ، وَلَوْ أَرَادَ الْأَوْلَادُ أَنْ يَحْلِفُوا وَيَأْخُذُوا جَمِيعَ الدَّارِ وَقْفًا، فَلَهُمْ ذَلِكَ عَلَى الْأَظْهَرِ، لِأَنَّهُمْ أَصْحَابُ حَقٍّ، فَإِذَا أَبْطَلَ آبَاؤُهُمْ حَقَّهُمْ بِالنُّكُولِ، فَلَهُمْ أَنْ لَا يُبْطِلُوا حَقَّهُمْ، وَيَجْرِي الْقَوْلَانِ، سَوَاءٌ قُلْنَا: لَوْ لَمْ يَحْلِفُوا لَا يَكُونُ شَيْءٌ مِنْهَا وَقْفًا، أَمْ قُلْنَا: حِصَّةُ الْأَوَّلِينَ تَبْقَى وَقْفًا، وَإِنْ لَمْ يَحْلِفُوا، وَهَلْ يَجْرِي الْقَوْلَانِ فِي حَيَاةِ الْأَوَّلِينَ إِذَا نَكَلُوا؟ وَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا: نَعَمْ، لِبُطْلَانِ حَقِّهِمْ، وَتَعَذُّرِ الصَّرْفِ إِلَيْهِمْ بِنُكُولِهِمْ، كَمَا لَوْ مَاتُوا، وَأَصَحُّهُمَا: لَا؛ لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَ الْبَطْنِ الثَّانِي شَرْطُهُ انْقِرَاضُ الْأَوَّلِ.

الْحَالُ الثَّالِثُ: أَنْ يَحْلِفَ بَعْضُهُمْ دُونَ بَعْضٍ، فَإِذَا حَلَفَ وَاحِدٌ، وَنَكَلَ اثْنَانِ، أَخَذَ الْحَالِفُ الثُّلُثَ وَقْفًا، وَأَمَّا الْبَاقِي، فَهُوَ تَرِكَةٌ تُقْضَى مِنْهَا الدُّيُونُ وَالْوَصَايَا، فَمَا فَضَلَ، فَفِيهِ وَجْهَانِ، قَالَ فِي «الشَّامِلِ» : يُقَسَّمُ بَيْنَ جَمِيعِ الْوَرَثَةِ، فَمَا خَصَّ الْبَنِينَ الثَّلَاثَةَ كَانَ وَقْفًا عَلَى النَّاكِلَيْنِ؛ لِأَنَّ الْحَالِفَ مُعْتَرِفٌ لَهُمَا بِذَلِكَ.

وَالْأَصَحِّ وَبِهِ قَطَعَ الْمَحَامِلِيُّ وَالْبَغَوِيُّ وَغَيْرُهُمَا أَنَّهُ يُقْسَمُ بَيْنَ الْمُنْكِرِينَ مِنَ الْوَرَثَةِ وَاللَّذَيْنِ نَكَلَا دُونَ الْحَالِفِ؛ لِأَنَّهُ مُقِرٌّ بِانْحِصَارِ حَقِّهِ فِيمَا أَخَذَ، ثُمَّ حِصَّةُ النَّاكِلَيْنِ تَكُونُ وَقْفًا بِإِقْرَارِهِمَا، فَإِذَا مَاتَ النَّاكِلَانِ وَالْحَالِفُ حَيٌّ، فَنُصِيبُهُمَا لِلْحَالِفِ عَلَى مَا شَرَطَ الْوَاقِفُ بِإِقْرَارِهِمَا، وَفِي اشْتِرَاطِ يَمِينِهِ الْوَجْهَانِ، فَإِذَا مَاتَ الْحَالِفُ، فَالِاسْتِحْقَاقُ لِلْبَطْنِ الثَّانِي، وَفِي حَلِفِهِمُ الْخِلَافُ السَّابِقُ، وَإِنْ كَانَ الْحَالِفُ مَيِّتًا عِنْدَ مَوْتِ النَّاكِلَيْنِ، فَأَرَادَ أَوْلَادُهُمَا أَنْ يَحْلِفُوا، فَعَلَى الْقَوْلَيْنِ السَّابِقَيْنِ فِي أَوْلَادِ الْجَمِيعِ إِذَا نَكَلُوا، الْأَظْهَرُ لَهُمُ الْحَلِفُ، وَفِي نَصِيبِ الْحَالِفِ الْمَيِّتِ

ص: 286

قَبْلَهُمَا ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ:

أَحَدُهَا: يُصْرَفُ إِلَى النَّاكِلَيْنِ، فَعَلَى هَذَا فِي حَلِفِهِمَا الْخِلَافُ، فَإِنْ قُلْنَا: يَحْلِفَانِ، فَنَكَلَا سَقَطَ هَذَا الْوَجْهُ، وَالثَّانِي: يُصْرَفُ إِلَى الْبَطْنِ الثَّانِي، وَهُوَ الْأَصَحُّ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَهُوَ ظَاهِرُ إِشَارَتِهِ فِي «الْأُمِّ» لِأَنَّهُمَا أَبْطَلَا حَقَّهُمَا بِنُكُولِهِمَا، وَصَارَا كَالْمَعْدُومَيْنِ. وَالثَّالِثُ أَنَّهُ وَقْفٌ تَعَذَّرَ مَصْرَفُهُ، فَعَلَى هَذَا هَلْ يَبْطُلُ أَمْ يَبْقَى، وَإِذَا بَقِيَ فَهَلْ يُصْرَفُ إِلَى أَقْرَبِ النَّاسِ إِلَى الْوَاقِفِ أَمْ كَيْفَ حَالُهُ؟ فِيهِ خِلَافٌ سَبَقَ فِي الْوَقْفِ بِتَفْرِيعِهِ، وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ يَبْقَى وَقْفًا، وَيُصْرَفُ إِلَى أَقْرَبِ النَّاسِ إِلَى الْوَاقِفِ، فَعَلَى هَذَا إِذَا زَالَ التَّعَذُّرُ بِمَوْتِ النَّاكِلَيْنِ، صُرِفَ إِلَى الْبَطْنِ الثَّانِي، وَيَجِيءُ فِي حَلِفِ أَقْرَبِ النَّاسِ إِذَا قُلْنَا: يُصْرَفُ إِلَيْهِمِ الْخِلَافُ.

فَرْعٌ

إِذَا تَصَادَقَتِ الْوَرَثَةُ عَلَى أَنَّ الدَّارَ وَقْفُ أَبِيهِمْ، ثَبَتَ الْوَقْفُ، وَلَا حَاجَةَ إِلَى شَاهِدٍ وَيَمِينٍ.

فَرْعٌ

ادَّعَوْا عَلَى رَجُلٍ دَارًا فِي يَدِهِ أَنَّهُ وَقَفَهَا عَلَيْهِمْ، أَوْ عَلَى وَرَثَةٍ أَنَّ مُوَرِّثَهُمْ وَقَفَهَا عَلَيْهِمْ وَأَقَامُوا شَاهِدًا نُظِرَ: أَحَلَفُوا مَعَ شَاهِدِهِمْ، أَمْ نَكَلُوا، أَمْ حَلَفَ بَعْضُهُمْ، وَنَكَلَ بَعْضُهُمْ، وَتَجِيءُ الْأَحْوَالُ الثَّلَاثَةُ كَمَا سَبَقَ، لَكِنْ حَيْثُ جَعَلْنَا كُلَّ الْمُدَّعَى أَوْ بَعْضَهُ تَرِكَةً هُنَاكَ، تُرِكَ هُنَا فِي يَدِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ.

الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَدَّعُوا وَقْفَ تَشْرِيكٍ، فَيَقُولُ الْبَنُونُ الثَّلَاثَةُ فِي الْمِثَالِ الْمَذْكُورِ: هُوَ وَقْفٌ عَلَيْنَا وَعَلَى أَوْلَادِنَا وَأَوْلَادِ أَوْلَادِنَا مَا تَنَاسَلْنَا،

ص: 287

فَإِذَا انْقَرَضْنَا، فَعَلَى الْفُقَرَاءِ، فَأَقَامُوا بِذَلِكَ شَاهِدًا، وَإِنْ حَلَفُوا مَعَهُ أَخَذُوا الدَّارَ وَقْفًا، ثُمَّ إِذَا حَدَثَ لِأَحَدِهِمْ وَلَدٌ، فَمُقْتَضَى الْوَقْفِ شَرِكَتُهُ، فَيُوقَفُ رُبُعُ الْغَلَّةِ إِلَى أَنْ يَبْلُغَ، فَيُصْرَفَ إِلَيْهِ إِنْ حَلَفَ، وَلَمْ يَجْعَلُوهُ عَلَى الْخِلَافِ فِي أَنَّ الْبَطْنَ الثَّانِيَ هَلْ يَحْتَاجُونَ إِلَى يَمِينٍ إِذَا حَلَفَ الْبَطْنُ الْأَوَّلُ، بَلْ جَزَمُوا بِاحْتِيَاجِهِ إِلَى الْيَمِينِ بَعْدَ الْبُلُوغِ إِلَّا السَّرَخْسِيَّ، فَحَكَى فِيهِ وَجْهًا.

ثُمَّ إِنَّ الرُّبُعَ الْمَوْقُوفَ هَلْ يُوقَفُ فِي يَدِ الْبَنِينَ الثَّلَاثَةِ، أَمْ يُنْتَزَعُ، وَيَجْعَلُهُ فِي يَدِ أَمِينٍ؟ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا: الثَّانِي، فَإِنْ نَكَلَ بَعْدَ بُلُوغِهِ صُرِفَ الْمَوْقُوفُ إِلَى الثَّلَاثَةِ، وَجُعِلَ كَأَنَّهُ لَمْ يُولَدْ، هَذَا هُوَ الْمَنْصُوصُ، وَبِهِ قَالَ الْجُمْهُورُ، وَحُكِيَ وَجْهٌ أَوْ تَخْرِيجٌ أَنَّ نَصِيبَ الْمَوْلُودِ وَقْفٌ تَعَذَّرَ مَصْرَفُهُ، فَيَجِيءُ الْخِلَافُ السَّابِقُ؛ لِأَنَّ الثَّلَاثَةَ مُعْتَرِفُونَ بِأَنَّهُ لَهُ، فَكَيْفَ يَأْخُذُونَهُ بِامْتِنَاعِهِ بِالْيَمِينِ، وَلَوْ مَاتَ بَعْدَ الْبُلُوغِ وَالنُّكُولِ، لَمْ يَسْتَحِقَّهَا.

فَأَمَّا رَقَبَةُ الْوَقْفِ وَغَلَّتُهَا بَعْدَ مَوْتِ الْوَلَدِ، فَمُقْتَضَى الشَّرْطِ أَنْ يَسْتَغْرِقَهَا الثَّلَاثَةُ الْحَالِفُونَ، وَلَيْسَ عَلَيْهِمْ تَجْدِيدُ يَمِينٍ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَكَأَنَّ الْمَوْلُودَ لَمْ يَكُنْ. وَلَوْ مَاتَ أَحَدُ الْحَالِفِينَ فِي صِغَرِ الْوَلَدِ وُقِفَ مِنْ يَوْمِ مَوْتِهِ لِلْوَلَدِ ثُلُثُ الْغَلَّةِ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَحِقِّينَ صَارُوا ثَلَاثَةً فَإِنْ بَلَغَ وَحَلَفَ، أَخَذَ الرُّبُعَ وَالثُّلُثَ الْمَوْقُوفَيْنَ، وَإِنْ نَكَلَ صَرَفَ الرُّبُعَ إِلَى الِابْنَيْنِ الْبَاقِيَيْنِ وَوَرَثَةِ الْمَيِّتِ، وَصَرَفَ الثُّلُثَ إِلَى الْبَاقِينَ خَاصَّةً، وَيَعُودُ فِيهِ التَّخْرِيجُ السَّابِقُ.

وَلَوْ بَلَغَ الْوَلَدُ مَجْنُونًا أَدَمْنَا الْوَقْفَ طَمَعًا فِي إِفَاقَتِهِ، فَإِنْ وُلِدَ لَهُ قَبْلَ أَنْ يُفِيقَ وُقِفَ لَهُ الْخُمُسُ، وَلِلْمَوْلُودِ الْخُمُسُ مِنْ يَوْمِ وِلَادَةِ الْوَلَدِ، فَإِنْ أَفَاقَ الْمَجْنُونُ، وَبَلَغَ وَلَدُهُ وَحَلَفَا، أَخَذَ الْمَجْنُونُ الرُّبُعَ مِنْ يَوْمِ وِلَادَتِهِ إِلَى يَوْمِ وِلَادَةِ وَلَدِهِ، وَالْخُمُسَ مِنْ يَوْمِئِذٍ، وَأَخَذَ وَلَدُهُ الْخُمُسَ مِنْ يَوْمَئِذٍ. وَلَوْ مَاتَ الْمَجْنُونُ فِي جُنُونِهِ

ص: 288

بَعْدَمَا وُلِدَ وَلَدٌ لَهُ، فَالْقِلَّةُ الْمَوْقُوفَةُ لِوَرَثَتِهِ إِذَا حَلَفُوا، وَيُوقَفُ لِوَلَدِهِ مِنْ يَوْمِ ثُبُوتِهِ رُبُعُ الْغَلَّةِ، هَذَا كُلُّهُ إِذَا حَلَفَ الْمُدَّعُونَ الثَّلَاثَةُ أَوَّلًا، فَإِنْ نَكَلُوا عَنِ الْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ، فَلِمَنْ حَدَّثَ بَعْدَهُمْ أَيَحْلِفُ بِلَا خِلَافٍ؛ لِأَنَّهُ شَرِيكُ الْأَوَّلِينَ بِتَلَقِّي الْوَقْفِ مِنَ الْوَاقِفِ لَا مَحَالَةَ، وَإِنْ حَلَفَ بَعْضُهُمْ دُونَ بَعْضٍ، أَخَذَ الْحَالِفُ نَصِيبَهُ، وَبَقِيَ الْبَاقِي عَلَى مَا كَانَ. وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.

الْبَابُ الْخَامِسُ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ

هِيَ مَقْبُولَةٌ فِي غَيْرِ الْعُقُوبَاتِ، كَالْأَمْوَالِ وَالْأَنْكِحَةِ وَالْبَيْعِ، وَسَائِرِ الْعُقُودِ، وَالْفُسُوخِ، وَالطَّلَاقِ، وَالْعَتَاقِ، وَالرَّضَاعِ، وَالْوِلَادَةِ، وَعُيُوبِ النِّسَاءِ سَوَاءٌ حَقُّ الْآدَمِيِّ، وَحَقُّ اللَّهِ تَعَالَى، كَالزَّكَاةِ وَوَقْفِ الْمَسَاجِدِ، وَالْجِهَاتِ الْعَامَّةِ.

وَأَمَّا الْعُقُوبَاتُ، فَالْمَذْهَبُ الْقَبُولُ فِي الْقِصَاصِ، وَحَدِّ الْقَذْفِ، وَالْمَنْعِ فِي حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى. قَالَ ابْنُ الْقَاصِّ: وَالْإِحْصَانُ كَالْحَدِّ. وَلَوْ شَهِدَ اثْنَانِ عَلَى شَهَادَةِ آخَرَيْنِ أَنَّ الْحَاكِمَ حَدَّ فُلَانًا، قُبِلَتْ بِلَا خِلَافٍ، ذَكَرَهُ ابْنُ الصَّبَّاغِ؛ لِأَنَّهُ حَقُّ آدَمِيٍّ فَإِنَّهُ إِسْقَاطُ حَدٍّ عَنْهُ، ثُمَّ فِي الْبَابِ أَرْبَعَةُ أَطْرَافٍ:

(الْأَوَّلُ) فِي تَحَمُّلِهَا وَإِنَّمَا يَجُوزُ التَّحَمُّلُ إِذَا عَلِمَ أَنَّ عِنْدَ الْأَصْلِ شَهَادَةً جَازِمَةً بِحَقٍّ ثَابِتٍ، وَلِمَعْرِفَتِهِ أَسْبَابٌ، أَحَدُهَا أَنْ يَسْتَرْعِيَهُ الْأَصْلُ، فَيَقُولُ: أَنَا شَاهِدٌ بِكَذَا، وَأَشْهَدْتُكَ عَلَى شَهَادَتِي، أَوْ يَقُولُ: أُشْهِدُكَ أَوِ اشْهَدْ عَلَى شَهَادَتِي بِكَذَا، أَوْ يَقُولُ: إِذَا اسْتُشْهِدْتَ عَلَى شَهَادَتِي، فَقَدْ أَذِنْتُ لَكَ فِي أَنْ تَشْهَدَ، أَمَّا إِذَا سَمِعَ إِنْسَانًا يَقُولُ: لِفُلَانٍ عَلَى فُلَانٍ كَذَا، أَوِ اشْهَدْ أَنَّ لِفُلَانٍ عَلَى فُلَانٍ كَذَا، لَا عَلَى صُورَةِ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَشْهَدَ عَلَى شَهَادَتِهِ؛ لِأَنَّ النَّاسَ قَدْ يَتَسَاهَلُونَ فِي إِطْلَاقِ ذَلِكَ

ص: 289

عَلَى عِدَّةٍ وَنَحْوِهَا، وَكَذَا لَوْ قَالَ: عِنْدِي شَهَادَةٌ بِكَذَا فَلَوْ قَالَ: عِنْدِي شَهَادَةٌ مَجْزُومَةٌ أَوْ شَهَادَةٌ أُثْبِتُهَا أَوْ لَا أَتَمَارَى فِيهَا وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، فَوَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا وَأَوْفَقُهُمَا لِإِطْلَاقِ الْأَكْثَرِينَ: الْمَنْعُ أَيْضًا. وَيُشْتَرَطُ تَعَرُّضُ الْأَصْلِ لِلَفْظِ الشَّهَادَةِ، فَلَوْ قَالَ: أَعْلَمُ، أَوْ أَخْبُرُ، أَوْ أَسْتَيْقِنُ، لَمْ يَكْفِ كَمَا لَوْ أَتَى الشَّاهِدُ عِنْدَ إِقَامَةِ الشَّهَادَةِ بِهَذِهِ الْأَلْفَاظِ، فَإِنَّ الْقَاضِيَ لَا يَحْكُمُ بِهَا، قَالَ الْإِمَامُ: وَأَبْعَدَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ، فَأَقَامَ اللَّفْظَ الَّذِي لَا تَرَدُّدَ فِيهِ مَقَامَ لَفْظِ الشَّهَادَةِ، وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَقُولَ فِي الِاسْتِرْعَاءِ: أُشْهِدُكَ عَلَى شَهَادَتِي، وَعَنْ شَهَادَتِي، لَكِنَّهُ أَتَمُّ، فَقَوْلُهُ: أُشْهِدُكَ عَلَى شَهَادَتِي تَحْمِيلٌ، وَقَوْلُهُ: عَنْ شَهَادَتِي إِذْنٌ فِي الْأَدَاءِ كَأَنَّهُ قَالَ: أَدِّهَا عَنِّي، وَلِإِذْنِهِ أَثَرٌ، وَلِهَذَا لَوْ قَالَ بَعْدَ التَّحَمُّلِ: لَا تُؤَدِّ عَنِّي امْتَنَعَ عَلَيْهِ الْأَدَاءُ، وَقِيلَ: يُشْتَرَطُ ذَلِكَ فِي الِاسْتِرْعَاءِ، حَكَاهُ ابْنُ الصَّبَّاغِ، وَإِذَا حَصَلَ الِاسْتِرْعَاءُ، لَمْ يَخْتَصَّ التَّحَمُّلُ بِمَنِ اسْتَرْعَاهُ.

السَّبَبُ الثَّانِي: أَنْ يَسْمَعَهُ يَشْهَدَ عِنْدَ الْقَاضِي أَنَّ لِفُلَانٍ عَلَى فُلَانٍ كَذَا، فَلَهُ أَنْ يَشْهَدَ عَلَى شَهَادَتِهِ وَإِنْ لَمْ يَسْتَرْعِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَصَدَّى لِإِقَامَةِ الشَّهَادَةِ عِنْدَ الْقَاضِي إِلَّا تَحَقُّقُ الْوُجُوبِ، وَلِلْقَاضِي أَيْضًا أَنْ يَشْهَدَ عَلَى شَهَادَتِهِ عِنْدَ قَاضٍ آخَرَ، وَالشَّهَادَةُ عِنْدَ الْمُحَكَّمِ كَالشَّهَادَةِ عِنْدَ الْقَاضِي سَوَاءٌ جَوَّزْنَا التَّحْكِيمَ أَمْ لَا، وَقَالَ الْإِصْطَخْرِيُّ: إِنَّمَا تَجُوزُ إِذَا جَوَّزْنَاهُ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَشْهَدُ عِنْدَ الْمُحَكَّمِ إِلَّا وَهُوَ جَازِمٌ بِثُبُوتِ الْمَشْهُودِ بِهِ.

ص: 290

السَّبَبُ الثَّالِثُ: أَنْ يُبَيِّنَ سَبَبَ الْوُجُوبِ، فَيَقُولُ: أَشْهَدُ أَنَّ لِفُلَانٍ عَلَى فُلَانٍ كَذَا مِنْ ثَمَنِ مَبِيعٍ، أَوْ قَرْضٍ، أَوْ أَرْشِ جِنَايَةٍ، فَتَجُوزُ الشَّهَادَةُ عَلَى شَهَادَتِهِ، وَإِنْ لَمْ يَشْهَدْ عِنْدَ الْقَاضِي، وَلَمْ يُؤْخَذْ مِنْهُ اسْتِرْعَاءٌ؛ لِأَنَّ الْإِسْنَادَ إِلَى السَّبَبِ يَقْطَعُ احْتِمَالَ الْوَعْدِ وَالتَّسَاهُلِ، هَذَا مَا يُوجَدُ لِعَامَّةِ الْأَصْحَابِ، وَنَقَلَ الشَّيْخُ أَبُو حَاتِمٍ الْقَزْوِينِيُّ وَجْهًا أَنَّ الْإِسْنَادَ إِلَى السَّبَبِ لَا يَكْفِي لِلتَّحَمُّلِ، وَوَجْهًا أَنَّ الشَّهَادَةَ عِنْدَ الْقَاضِي لَا تَكْفِي أَيْضًا، بَلْ يُشْتَرَطُ الِاسْتِرْعَاءُ، وَالصَّحِيحُ مَا سَبَقَ.

فَرْعٌ

إِذَا قَالَ: عَلَيَّ لِفُلَانٍ أَلْفٌ، فَوَجْهَانِ، قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: لَا يَجُوزُ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْهِ بِهَذَا الْقَدْرِ، بَلْ يُشْتَرَطُ مَعَ ذَلِكَ قَرِينَةٌ تُشْعِرُ بِالْوُجُوبِ بِأَنْ يُسْنِدَهُ إِلَى سَبَبٍ، فَيَقُولَ: مِنْ ثَمَنِ مَبِيعٍ، أَوْ يَسْتَرْعِيَهُ، فَيَقُولَ: فَاشْهَدْ عَلَيَّ بِهِ، وَالثَّانِي وَهُوَ الصَّحِيحُ: أَنَّ مُجَرَّدَ الْإِقْرَارِ كَافٍ لِلتَّحَمُّلِ بِخِلَافِ الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ يُعْتَبَرُ فِيهَا مَا لَا يُعْتَبَرُ فِي الْإِقْرَارِ، وَلِهَذَا يُقْبَلُ إِقْرَارُ الْفَاسِقِ وَالْمُغَفَّلِ وَالْمَجْهُولِ دُونَ شَهَادَتِهِمْ.

فَرْعٌ

الْفَرْعُ عِنْدَ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ يُبَيِّنُ جِهَةَ التَّحَمُّلِ، فَإِنِ اسْتَرْعَاهُ الْأَصْلُ، قَالَ: أَشْهَدُ أَنَّ فُلَانًا شَهِدَ أَنَّ لِفُلَانٍ عَلَى فُلَانٍ كَذَا، وَأَشْهَدَنِي عَلَى شَهَادَتِهِ، وَإِنْ لَمْ يَسْتَرْعِهِ، بَيَّنَ أَنَّهُ شَهِدَ عِنْدَ الْقَاضِي أَوْ أَنَّهُ أَسْنَدَ الْمَشْهُودَ بِهِ إِلَى سَبَبٍ، قَالَ الْإِمَامُ: وَذَلِكَ لِأَنَّ الْغَالِبَ عَلَى النَّاسِ

ص: 291

الْجَهْلُ بِطَرِيقِ التَّحَمُّلِ، فَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يُعْلَمُ، وَوَثِقَ بِهِ الْقَاضِي، جَازَ أَنْ يُكْتَفَى بِقَوْلِهِ: أَشْهَدُ عَلَى شَهَادَةِ فُلَانٍ بِكَذَا، وَيُسْتَحَبُّ لِلْقَاضِي أَنْ يَسْأَلَهُ بِأَيِّ سَبَبٍ ثَبَتَ هَذَا الْمَالُ، وَهَلْ أَخْبَرَكَ بِهِ الْأَصْلُ؟ هَذَا إِذَا لَمْ يُبَيِّنِ السَّبَبَ.

الطَّرَفُ الثَّانِي فِي صِفَاتِ شَاهِدِ الْأَصْلِ، وَمَا يَطْرَأُ عَلَيْهِ. لَا يَصِحُّ تَحَمُّلُ الشَّهَادَةِ عَلَى شَهَادَةِ فَاسِقٍ، أَوْ كَافِرٍ، أَوْ عَبْدٍ، أَوْ صَبِيٍّ، أَوْ عَدُوٍّ، لِأَنَّهُمْ غَيْرُ مَقْبُولَيِ الشَّهَادَةَ، فَلَوْ تَحَمَّلَ وَالْأَصْلُ بِصِفَاتِ الشُّهُودِ، ثُمَّ طَرَأَ مَا يَمْنَعُ قَبُولَهَا، أَوِ الْوُصُولَ إِلَيْهَا، نُظِرَ إِنْ كَانَ الطَّارِئُ مَوْتًا أَوْ غَيْبَةً أَوْ مَرَضًا، لَمْ يُؤَثِّرْ، وَإِنْ عَرَضَ فِسْقٌ أَوْ عَدَاوَةٌ أَوْ رِدَّةٌ، لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَةُ الْفَرْعِ مَا دَامَتْ هَذِهِ الْأَحْوَالُ بِالْأَصْلِ، فَإِنْ زَالَتْ هَلْ يَشْهَدُ الْفَرْعُ بِالتَّحَمُّلِ الْأَوَّلِ، أَمْ يُشْتَرَطُ تَحَمُّلٌ جَدِيدٌ؟ وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا: الثَّانِي، قَالَهُ ابْنُ سُرَيْجٍ، وَصَحَّحَهُ الْإِمَامُ. وَلَوْ حَدَثَ الْفِسْقُ، أَوِ الرِّدَّةُ بَعْدَ الشَّهَادَةِ، وَقَبْلَ الْقَضَاءِ امْتَنَعَ الْقَضَاءُ، وَلَوْ طَرَأَ عَلَى الْأَصْلِ جُنُونٌ، فَقِيلَ: تَبْطُلُ شَهَادَةُ الْفَرْعِ كَالْفِسْقِ، وَالصَّحِيحُ الَّذِي قَالَهُ الْجُمْهُورُ: لَا أَثَرَ لَهُ، كَالْمَوْتِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُوقِعُ رِيبَةً فِيمَا مَضَى، وَيَجْرِي الْوَجْهَانِ فِيمَا لَوْ عَمِيَ، وَأَوْلَى بِأَنْ لَا يُؤَثِّرَ؛ لِأَنَّهُ لَا يُبْطِلُ أَهْلِيَّةَ الشَّهَادَةِ بِالْكُلِّيَّةِ. وَلَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ، قَالَ الْإِمَامُ: إِنْ كَانَ غَائِبًا لَمْ يُؤَثِّرْ، وَإِنْ كَانَ حَاضِرًا، لَمْ يَشْهَدِ الْفَرْعُ، بَلْ يَنْتَظِرُ زَوَالَهُ؛ لِأَنَّهُ قَرِيبُ الزَّوَالِ، وَمُقْتَضَى هَذَا أَنْ يَكُونَ الْجَوَازُ كَذَلِكَ فِي (كُلِّ) مَرَضٍ يُتَوَقَّعُ زَوَالُهُ، كَتَوَقُّعِ زَوَالِ الْإِغْمَاءِ.

قُلْتُ: لَيْسَ كَمَا قَالَ الرَّافِعِيُّ رحمه الله، بَلِ الصَّوَابُ أَنَّ الْمَرَضَ لَا يُلْحَقُ بِالْإِغْمَاءِ، وَإِنْ تَوَقَّعَ زَوَالَهُ قَرِيبًا؛ لِأَنَّ الْمَرِيضَ أَهْلٌ لِلشَّهَادَةِ بِخِلَافِ الْمُغْمَى عَلَيْهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَلَا أَثَرَ لِحُدُوثِ شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْمَعَانِي بَعْدَ الْقَضَاءِ، وَكَذَا لَوْ شَهِدَ الْفَرْعُ فِي غَيْبَةِ الْأَصْلِ، ثُمَّ حَضَرَ بَعْدَ الْقَضَاءِ، لَمْ يُؤَثِّرْ، وَإِنْ حَضَرَ

ص: 292

قَبْلَهُ، امْتَنَعَ الْقَضَاءُ، لِحُصُولِ الْقُدْرَةِ عَلَى الْأَصْلِ، وَكَذَا لَوْ كَذَّبَ الْأَصْلُ الْفَرْعَ قَبْلَ الْقَضَاءِ، امْتَنَعَ الْقَضَاءُ، وَالتَّكْذِيبُ بَعْدَهُ لَا يُؤَثِّرُ. وَلَوْ قَضَى الْقَاضِي بِالْفَرْعِ، ثُمَّ قَامَتْ بَيِّنَةٌ بِأَنَّ الْأَصْلَ كَذَّبَ الْفَرْعَ قَبْلَ الْقَضَاءِ، فَالْقَضَاءُ مَنْقُوضٌ. ذَكَرَهُ الْإِمَامُ.

فَرْعٌ

هَذَا الَّذِي سَبَقَ حُكْمُ صِفَةِ الْأَصْلِ، أَمَّا الْفَرْعُ، فَلَوْ تَحَمَّلَ الشَّهَادَةَ، وَهُوَ عَبْدٌ، أَوْ صَبِيٌّ، أَوْ فَاسِقٌ، أَوْ أَخْرَسُ، صَحَّ تَحَمُّلُهُ، كَتَحَمُّلِ الْأَصْلِ فِي هَذِهِ الْأَحْوَالِ، ثُمَّ الْأَدَاءُ يَكُونُ بَعْدَ زَوَالِهَا.

فَرْعٌ

لَا تُقْبَلُ الشَّهَادَةُ عَلَى الشَّهَادَةِ إِلَّا مِنَ الرِّجَالِ، وَلَا مَدْخَلَ لِلنِّسَاءِ فِيهَا وَإِنْ كَانَتِ الْأُصُولُ أَوْ بَعْضُهُمْ نِسَاءً، وَكَانَتِ الشَّهَادَةُ فِي وِلَادَةٍ أَوْ رَضَاعٍ أَوْ مَالٍ؛ لِأَنَّ شَهَادَةَ الْفَرْعِ تُثْبِتُ الْأَصْلَ لَا مَا شَهِدَ بِهِ الْأَصْلُ، وَنَفْسُ الشَّهَادَةِ لَيْسَتْ بِمَالٍ، وَيَطَّلِعُ عَلَيْهَا الرِّجَالُ. وَحَكَى ابْنُ كَجٍّ وَجْهًا فِي الْوِلَادَةِ وَهُوَ شَاذٌّ.

الطَّرَفُ الثَّالِثُ: فِي عَدَدِ شُهُودِ الْفَرْعِ، فَإِنْ شَهِدَ اثْنَانِ عَلَى شَهَادَةِ أَصْلٍ، وَآخَرَانِ عَلَى شَهَادَةِ الثَّانِي، فَقَدْ تَمَّ النِّصَابُ، وَلَوْ شَهِدَ فَرْعٌ عَلَى أَصْلٍ، وَفَرْعٌ آخَرُ عَلَى شَهَادَةِ الْأَصْلِ الثَّانِي، لَمْ يَصِحَّ قَطْعًا، وَلَوْ شَهِدَ فَرْعَانِ عَلَى شَهَادَةِ الْأَصْلَيْنِ مَعًا، فَفِي قَبُولِهِ قَوْلَانِ، أَظْهَرُهُمَا: الْجَوَازُ، وَهُوَ الَّذِي رَجَّحَهُ الْعِرَاقِيُّونَ، وَالْإِمَامُ، وَالْغَزَالِيُّ، وَالرُّويَانِيُّ، وَصَاحِبُ الْعُدَّةِ، وَخَالَفَهُمُ الْبَغَوِيُّ، وَالسَّرَخْسِيُّ، فَإِنْ قُلْنَا بِالْمَنْعِ، فَأَقَامَ شَاهِدَيْنِ عَلَى شَهَادَةِ الْأَصْلَيْنِ مَعًا، فَلَهُ أَنْ يَحْبِسَهُمَا عَلَى أَيِّهِمَا، وَيَحْلِفَ مَعَهُ، وَلَوْ شَهِدَ أَرْبَعَةٌ عَلَى شَهَادَةِ الْأَصْلَيْنِ جَازَ عَلَى الصَّحِيحِ، وَجَمِيعُ مَا ذَكَرْنَا فِيمَا إِذَا شَهِدَ الْفُرُوعُ عَلَى شَهَادَةِ رَجُلَيْنِ، فَإِنْ شَهِدُوا عَلَى

ص: 293

شَهَادَةِ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ، فَعَلَى قَوْلِ الْمَنْعِ فِي الِاثْنَيْنِ يُشْتَرَطُ سِتَّةٌ يَشْهَدُ كُلُّ اثْنَيْنِ مِنْهُمْ عَلَى شَهَادَةِ وَاحِدٍ، وَعَلَى الْأَظْهَرِ يَكْفِي اثْنَانِ لِلْجَمِيعِ، وَعَلَى مَا نَقَلَهُ ابْنُ كَجٍّ فِي قَبُولِ النِّسَاءِ عَلَى النِّسَاءِ فِي الْوِلَادَةِ هَلْ يَكْفِي شَهَادَةُ أَرْبَعٍ عَلَى شَهَادَةِ أَرْبَعٍ، أَمْ يُشْتَرَطُ سِتَّ عَشْرَةَ، لِيَشْهَدَ كُلُّ أَرْبَعٍ عَلَى وَاحِدَةٍ؟ وَجْهَانِ.

وَلَوْ شَهِدَ عَلَى شَهَادَةِ الْفُرُوعِ فُرُوعٌ، وَشَرْطُنَا أَنْ يَشْهَدَ فَرْعَانِ عَلَى كُلِّ أَصْلٍ، وَجَبَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَى شَهَادَةِ كُلِّ فَرْعٍ مِنَ الْفُرُوعِ الْأَرْبَعَةِ اثْنَانِ، فَيَجْتَمِعُ ثَمَانِيَةٌ، ثُمَّ شَهَادَتُهُمْ لَا تَثْبُتُ إِلَّا بِسِتَّةَ عَشَرَ، وَعَلَى هَذَا الْقِيَاسِ. وَإِذَا أَجْرَيْنَا الشَّهَادَةَ عَلَى الشَّهَادَةِ فِي حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى، فَهَلْ تَثْبُتُ الشَّهَادَةُ عَلَى شُهُودِ الزِّنَى بِأَرْبَعَةٍ، أَمْ يَكْفِي اثْنَانِ؟ قَوْلَانِ كَالْقَوْلَيْنِ فِي الْإِقْرَارِ بِالزِّنَى، فَإِنِ اكْتَفَيْنَا بِاثْنَيْنِ، وَجَوَّزْنَا شَهَادَةَ فَرَعَيْنِ عَلَى شَهَادَةِ الْأَصْلَيْنِ مَعًا، كَفَى اثْنَانِ، وَإِنْ شَرَطْنَا لِكُلِّ أَصْلٍ اثْنَيْنِ، اشْتُرِطَ ثَمَانِيَةٌ، وَإِنْ شَرَطْنَا فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ فِي الزِّنَى أَرْبَعَةً، فَإِنْ جَوَّزْنَا شَهَادَةَ فَرْعَيْنِ عَلَى الْأَصْلَيْنِ مَعًا، كَفَى أَرْبَعَةٌ عَلَى الْأُصُولِ الْأَرْبَعَةِ، وَإِنْ شَرَطْنَا أَنْ يَشْهَدَ عَلَى شَهَادَةِ كُلِّ أَصْلٍ فَرْعَانِ، اشْتَرَطْنَا هُنَا سِتَّةَ عَشَرَ كُلَّ أَرْبَعَةٍ عَلَى أَصْلٍ.

الطَّرَفُ الرَّابِعُ: فِي أَنَّ شَهَادَةَ الْفُرُوعِ مَتَى تُسْمَعُ. وَإِنَّمَا تُسْمَعُ إِذَا تَعَذَّرَ الْوُصُولُ إِلَى شَهَادَةِ الْأَصْلِ، أَوْ تَعَسَّرَ، وَقِيلَ: تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْفَرْعِ مَعَ حُضُورِ الْأَصْلِ، كَالرِّوَايَةِ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّ بَابَ الرِّوَايَةِ وَاسِعٌ، وَلِهَذَا تُقْبَلُ مِنَ الْمَرْأَةِ وَالْعَبْدِ، وَالشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ وَجُوِّزَتْ لِلضَّرُورَةِ، وَلَا ضَرُورَةَ هُنَا. فَمِنْ وُجُوهِ التَّعَذُّرِ الْمَوْتُ وَالْعَمَى، وَمِنَ التَّعَسُّرِ الْمَرَضُ، وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ لَا يُمْكِنَهُ الْحُضُورُ، وَإِنَّمَا الْمُعْتَبَرُ أَنْ يَنَالَهُ بِالْحُضُورِ مَشَقَّةٌ ظَاهِرَةٌ، وَيُلْحَقُ خَوْفُ الْغَرِيمِ وَسَائِرُ مَا تُتْرَكُ بِهِ الْجُمُعَةُ بِالْمَرَضِ، هَكَذَا أَطْلَقَ الْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ، وَلْيَكُنْ ذَلِكَ فِي الْأَعْذَارِ الْخَاصَّةِ دُونَ مَا يَعُمُّ الْأَصْلَ وَالْفَرْعَ، كَالْمَطَرِ وَالْوَحَلِ الشَّدِيدِ، وَلَا يُكَلَّفُ

ص: 294