المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

الْوَاقِعَةِ وَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا لَا، لِانْعِزَالِهِ بِالْعَمَى، كَمَا لَوِ انْعَزَلَ بِسَبَبٍ - روضة الطالبين وعمدة المفتين - جـ ١١

[النووي]

الفصل: الْوَاقِعَةِ وَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا لَا، لِانْعِزَالِهِ بِالْعَمَى، كَمَا لَوِ انْعَزَلَ بِسَبَبٍ

الْوَاقِعَةِ وَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا لَا، لِانْعِزَالِهِ بِالْعَمَى، كَمَا لَوِ انْعَزَلَ بِسَبَبٍ آخَرَ، وَأَصَحُّهُمَا: نَعَمْ إِنْ لَمْ يَحْتَجْ إِلَى الْإِشَارَةِ، كَمَا لَوْ تَحَمَّلَ الشَّهَادَةَ وَهُوَ بَصِيرٌ، ثُمَّ عَمِيَ، وَأَمَّا شَهَادَةُ الْأَعْمَى فِيمَا يَثْبُتُ بِالِاسْتِفَاضَةِ، فَسَيَأْتِي فِي الطَّرَفِ الثَّانِي - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

‌فَصْلٌ

إِذَا شَاهَدَ فِعْلَ إِنْسَانٍ، أَوْ سَمِعَ قَوْلَهُ، فَإِنْ كَانَ يَعْرِفُهُ بِعَيْنِهِ وَاسْمِهِ وَنَسَبِهِ، شَهِدَ عَلَيْهِ عِنْدَ حُضُورِهِ بِالْإِشَارَةِ إِلَيْهِ، وَعِنْدَ غَيْبَتِهِ وَمَوْتِهِ بِاسْمِهِ وَنَسَبِهِ، فَإِنْ كَانَ يَعْرِفُهُ بِاسْمِهِ وَاسْمِ أَبِيهِ دُونَ جَدِّهِ، قَالَ الْغَزَالِيُّ: يُقْتَصَرُ عَلَيْهِ فِي الشَّهَادَةِ، فَإِنْ عَرَفَهُ الْقَاضِي بِذَلِكَ جَازَ، وَكَانَ يُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: هَذِهِ شَهَادَةٌ عَلَى مَجْهُولٍ، فَلَا تَصِحُّ كَمَا سَبَقَ فِي الْقَضَاءِ عَلَى الْغَائِبِ أَنَّ الْقَاضِيَ لَوْ لَمْ يَكْتُبْ إِلَّا أَنِّي حَكَمْتُ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ، فَالْحُكْمُ بَاطِلٌ.

وَقَدْ ذَكَرَ الشَّيْخُ أَبُو الْفَرَجِ أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَعْرِفْ نَسَبَهُ قَدْرَ مَا يَحْتَاجُ إِلَى رَفْعِهِ لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ إِلَّا بِمَا عَرَفَ، لَكِنَّ الشَّهَادَةَ - وَالْحَالَةُ هَذِهِ - لَا تُفِيدُ، وَقَالَ الْإِمَامُ: لَوْ لَمْ يَعْرِفْهُ إِلَّا بِاسْمِهِ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِاسْمِ أَبِيهِ، لَكِنَّ الشَّهَادَةَ عَلَى مُجَرَّدِ الِاسْمِ قَدْ لَا تَنْفَعُ فِي الْغَيْبَةِ، وَبِالْجُمْلَةِ لَا يَشْهَدُ بِمَا لَا مَعْرِفَةَ لَهُ بِهِ. وَلَوْ سَمِعَ اثْنَيْنِ يَشْهَدَانِ أَنَّ فُلَانًا وَكَّلَ هَذَا الرَّجُلَ فِي بَيْعِ دَارِهِ، وَأَقَرَّ الْوَكِيلُ بِالْبَيْعِ، شَهِدَ عَلَى إِقْرَارِهِ بِالْبَيْعِ، وَلَمْ يَشْهَدْ بِالْوِكَالَةِ.

وَكَتَبَ الْقَفَّالُ فِي مِثْلِهِ أَنَّهُ يَشْهَدُ عَلَى شَاهِدَيِ الْوِكَالَةِ، وَكَأَنَّهُمَا أَشْهَدَاهُ عَلَى شَهَادَتِهِمَا، وَلَوْ حَضَرَ عَقْدَ نِكَاحٍ زَعَمَ الْمُوجِبُ أَنَّهُ وَلِيُّ الْمَخْطُوبَةِ، أَوْ وَكِيلُ وَلِيِّهَا وَهُوَ لَا يَعْرِفُهُ وَلِيًّا وَلَا وَكِيلًا، أَوْ عَرَفَ الْوِلَايَةَ أَوِ الْوِكَالَةَ، وَلَمْ يَعْرِفْ رِضَى الْمَرْأَةِ وَهِيَ مِمَّنْ يُعْتَبَرُ رِضَاهَا، لَمْ يَشْهَدْ عَلَى أَنَّهَا زَوْجَتُهُ، لَكِنْ يَشْهَدُ أَنَّ

ص: 261

فُلَانًا أَنْكَحَ فُلَانَةً فُلَانًا، وَقِيلَ: فُلَانٌ فَإِنْ لَمْ يَعْرِفِ الْمَرْأَةَ بِنَسَبِهَا لَمْ يَشْهَدْ إِلَّا أَنَّ فُلَانًا قَالَ: زَوَّجْتُ فُلَانَةً فُلَانًا، وَإِنْ كَانَ يَعْرِفُ الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ بِعَيْنِهِ دُونَ اسْمِهِ وَنَسَبِهِ، شَهِدَ عَلَيْهِ حَاضِرًا لَا غَائِبًا، فَإِنْ مَاتَ أُحْضِرَ لِيُشَاهِدَ صُورَتَهُ، وَيَشْهَدَ عَلَى عَيْنِهِ، فَإِنْ دُفِنَ، لَمْ يُنْبَشْ، وَقَدْ تَعَذَّرَتِ الشَّهَادَةُ عَلَيْهِ، هَكَذَا قَالَهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ، وَتَابَعَهُ الْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ، لَكِنِ اسْتَثْنَى الْغَزَالِيُّ مَا إِذَا اشْتَدَّتِ الْحَاجَةُ إِلَيْهِ، وَلَمْ يَطُلِ الْعَهْدُ بِحَيْثُ يَتَغَيَّرُ مَنْظَرُهُ وَهَذَا احْتِمَالٌ ذَكَرَهُ الْإِمَامُ، ثُمَّ قَالَ: وَالْأَظْهَرُ مَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي.

وَإِنْ لَمْ يَعْرِفِ اسْمَهُ وَنَسَبَهُ، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَعْتَمِدَ قَوْلَهُ: إِنَّهُ فُلَانٌ ابْنُ فُلَانٍ، لَكِنْ لَوْ تَحَمَّلَ الشَّهَادَةَ وَهُوَ لَا يَعْرِفُ اسْمَهُ وَنَسَبَهُ، ثُمَّ سَمِعَ النَّاسَ يَقُولُونَ: إِنَّهُ فُلَانٌ ابْنُ فُلَانٍ، وَاسْتَفَاضَ ذَلِكَ، فَلَهُ أَنْ يَشْهَدَ فِي غَيْبَتِهِ عَلَى اسْمِهِ وَنَسَبِهِ، كَمَا لَوْ عَرَفَهُمَا عِنْدَ التَّحَمُّلِ. وَلَوْ قَالَ لَهُ عَدْلَانِ عِنْدَ التَّحَمُّلِ أَوْ بَعْدَهُ: هُوَ فُلَانٌ ابْنُ فُلَانٍ، قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ: لَهُ أَنْ يَعْتَمِدَهُمَا، وَيَشْهَدَ عَلَى اسْمِهِ وَنَسَبِهِ، وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى جَوَازِ الشَّهَادَةِ عَلَى النَّسَبِ مِنْ عَدْلَيْنِ، وَفِيهِ خِلَافٌ يَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

فَرْعٌ

كَمَا أَنَّ الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ تَارَةً تَقَعُ الشَّهَادَةُ عَلَى عَيْنِهِ، وَتَارَةً عَلَى اسْمِهِ وَنَسَبِهِ، فَكَذَلِكَ الْمَشْهُودُ لَهُ، فَتَارَةً يَشْهَدُ أَنَّهُ أَقَرَّ لِهَذَا، وَتَارَةً لِفُلَانٍ ابْنِ فُلَانٍ، وَكَذَا عِنْدَ غَيْبَةِ الْمَشْهُودِ لَهُ، وَإِذَا شَهِدَ الشَّاهِدَانِ (أَنَّ لِهَذَا) عَلَى فُلَانٍ ابْنِ فُلَانٍ الْفُلَانِيِّ كَذَا، فَقَالَ الْخَصْمُ: لَسْتُ فُلَانَ ابْنَ فُلَانٍ الْفُلَانِيَّ فَفِي فَتَاوَى الْقَفَّالِ أَنَّ عَلَى الْمُدَّعِي بَيِّنَةَ أَنَّ اسْمَهُ فُلَانٌ، وَنَسَبَهُ مَا ذَكَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَيِّنَةٌ حَلَّفَهُ، فَإِنْ نَكَلَ، حَلَفَ وَاسْتَحَقَّ، وَإِنْ سَلِمَ ذَلِكَ الِاسْمُ وَالنَّسَبُ، فَادَّعَى أَنَّ هُنَاكَ مَنْ يُشَارِكُهُ فِيهِمَا، لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ حَتَّى يُقِيمَ الْبَيِّنَةَ عَلَى مَا يَدَّعِيهِ، فَإِنْ أَقَامَهَا احْتَاجَ إِلَى إِثْبَاتِ

ص: 262

زِيَادَةٍ يَمْتَازُ بِهَا الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَلَى الْآخَرِ، وَهَذَا كَمَا سَبَقَ فِي كِتَابِ الْقَاضِي إِذَا بَلَغَ الْمَكْتُوبَ إِلَيْهِ، وَأَحْضَرَ مَنْ زَعَمَ الْمُدَّعِي أَنَّهُ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ، وَلْتَكُنِ الصُّورَةُ فِيمَا إِذَا ادَّعَى أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ عَلَى هَذَا الْحَاضِرِ كَذَا، وَاسْمُهُ وَنَسَبُهُ كَذَا، أَوْ أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ عَلَى مَنِ اسْمُهُ وَنَسَبُهُ كَذَا وَهُوَ هَذَا الْحَاضِرُ، وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ بِالِاسْتِحْقَاقِ عَلَى فُلَانِ ابْنِ فُلَانٍ، فَيَسْتَفِيدُ بِهَا مُطَالَبَةَ الْحَاضِرِ إِنِ اعْتَرَفَ أَنَّهُ فُلَانُ ابْنُ فُلَانٍ، أَوْ يُقِيمُ بَيِّنَةً أُخْرَى عَلَى الِاسْمِ وَالنَّسَبِ إِنْ أَمْكَنَ، ثُمَّ يُطَالِبُهُ وَإِلَّا فَكَيْفَ يَدَّعِي عَلَى فُلَانِ ابْنِ فُلَانٍ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَرْبِطَ الدَّعْوَى بِحَاضِرٍ.

وَفِي الْفَتَاوَى أَيْضًا أَنَّهُ لَوْ أَحْضَرَ رَجُلًا عِنْدَ الْقَاضِي، وَقَالَ: إِنَّ هَذَا أَقَرَّ لِفُلَانِ ابْنِ فُلَانٍ بِكَذَا وَأَنَا ذَلِكَ الْمُقَرُّ لَهُ، فَقَالَ الرَّجُلٍ: نَعَمْ أَقْرَرْتُ، لَكِنْ هُنَا أَوْ بِمَوْضِعٍ آخَرَ رَجُلٌ آخَرُ بِهَذَا الِاسْمِ وَالنَّسَبِ، وَإِنَّمَا أَقْرَرْتُ لَهُ، لَزِمَهُ إِقَامَةُ الْبَيِّنَةِ عَلَى مَا يَدَّعِيهِ، فَإِذَا أَقَامَهَا، سُئِلَ ذَلِكَ الْآخَرُ، فَإِنْ صَدَّقَهُ، دَفَعَ الْمُقَرَّ بِهِ إِلَيْهِ، وَيَحْلِفُ الْأَوَّلُ عَلَى أَنَّهُ لَا شَيْءَ لَهُ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَذَّبَهُ، فَهُوَ لِلْمُدَّعِي، وَإِنْ قَالَ: هُنَاكَ (رَجُلٌ) آخَرُ بِهَذَا الِاسْمِ وَالنَّسَبِ وَأَنَا أَقْرَرْتُ لِأَحَدِهِمَا، لَا أَعْلَمُ عَيْنَهُ، وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ بِرَجُلٍ آخَرَ سُئِلَ ذَلِكَ الْآخَرُ، فَإِنْ قَالَ: لَا شَيْءَ لِي عَلَيْهِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَجِبَ عَلَيْهِ التَّسْلِيمُ إِلَى الْأَوَّلِ كَمَا لَوْ كَانَتْ عِنْدَهُ وَدِيعَةٌ، فَقَالَ: هِيَ لِأَحَدِكُمَا، وَلَا أَدْرِي أَنَّهَا لِأَيِّكُمَا، فَقَالَ أَحَدُهُمَا: لَيْسَتْ لِي، فَإِنَّهَا تَكُونُ لِلْآخَرِ، وَإِنْ صَدَّقَهُ الْآخَرُ، فَهُوَ كَمَا فِي صُورَةِ الْوَدِيعَةِ إِذَا قَالَ كُلُّ وَاحِدٍ: هِيَ لِي، وَقَدْ حَكَيْنَا فِي الْوَكَالَةِ فِيمَا لَوْ وَكَّلَ رَجُلًا بِالْخُصُومَةِ بِنَاءً عَلَى اسْمٍ وَنَسَبٍ ذَكَرَهُ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ بَيِّنَةٍ عَلَى أَنَّهُ وَكَيْلُهُ فُلَانُ ابْنُ فُلَانٍ، أَوْ عَلَى أَنَّ الَّذِي وَكَّلَهُ عِنْدَ الْقَاضِي هُوَ فُلَانُ ابْنُ (فُلَانٍ) وَحَكَيْنَا عَنِ الْقَاضِي حُسَيْنٍ أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ يَكْتَفِي الْقُضَاةُ فِيهَا بِالْعَدَالَةِ الظَّاهِرَةِ، وَيَتَسَاهَلُونَ

ص: 263