الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الباب الرابع في بعض فضائل دخول الكعبة والصلاة فيها وآداب ذلك
روى ابن خزيمة [ (1) ] والطبراني والبيهقي من طريق عبد الله بن المؤمل [ (2) ]، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من دخل البيت فصلّى فيه دخل في حسنة وخرج من سيئة مغفوراً له»
[ (3) ] .
وفي لفظ: خرج مغفوراً له.
وروى الفاكهي عن ابن عمر- رضي الله تعالى عنهما- قال في دخول البيت: دخول في حسنه وخروج من سيئة.
وروى الفاكهي عن مجاهد رحمه الله تعالى قال: دخول البيت حسنه وخروج من سيئة ويخرج مغفوراً له.
وروى الفاكهي عن عبد الله بن عمر- رضي الله تعالى عنهما- أنه قال لهند بن أوس:
أرأيت الكعبة؟ من دخلها فصلى فيها خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه.
وروى الفاكهي عن عطاء رحمه الله تعالى قال: لأن أصلي في البيت ركعتين أحب إلي أن أصلي أربعاً في المسجد الحرام.
وروى الفاكهي عن الحسن رحمه الله تعالى قال: الصلاة في الكعبة تعدل مائة ألف صلاة.
وفي رسالة الحسن لأهل مكة: من دخل البيت دخل في رحمة الله عز وجل، وفي حمى الله عز وجل، وفي أمن الله عز وجل، ومن خرج خرج مغفورا له.
[ (1) ] محمد بن إسحاق بن خزيمة بن المغيرة بن صالح، أبو بكر السلمي النيسابوري الحافظ إمام الأئمة. أخذ عن المزني والربيع. وقال فيه الربيع: استفدنا منه أكثر مما استفاد منا. قال أبو علي الحافظ: كان ابن خزيمة يحفظ الفقهيات من حديثه كما يحفظ القارئ السورة. وقال ابن حبان: ما رأيت على وجه الأرض من يحسن السنن ويحفظ ألفاظها الصحاح وزياداتها حتى كأنها بين عينيه إلا محمد بن إسحاق بن خزيمة فقط، وقال الدارقطني: كان إماما ثبتا معدوم النظير، وقال ابن سريج: كان ابن خزيمة يستخرج النكت من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمنقاش، وقال الحاكم:
ومصنفاته تزيد على مائة وأربعين كتابا سوى المسائل، والمسائل المصنفة أكثر من مائة جزء، ولد سنة ثلاث وعشرين ومائتين، وتوفي في ذي القعدة سنة إحدى عشرة وثلاثمائة، وقيل: سنة اثنتي عشرة. الطبقات لابن قاضي شهبة 1/ 99، 100، والأعلام 6/ 253، وشذرات الذهب 2/ 262.
[ (2) ] عبد الله بن المؤمّل المخزومي العابدي بواحدة. عن ابن أبي مليكة وعطاء. وعنه الشافعي وأبو نعيم. قال أبو داود: منكر الحديث. وضعفه ابن عدي، وأما ابن حبان فوثقه. مات سنة سبع وستين ومائة. الخلاصة 2/ 104.
[ (3) ] أخرجه البيهقي 5/ 158 وابن خزيمة 3/ 30 وذكره الهيثمي في المجمع 3/ 296 وعزاه للطبراني في الكبير والبزار بنحوه. وفيه عبد الله بن المؤمل وثقه ابن سعد وغيره وفيه ضعف.
وروى عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن يحيى بن جعدة بن هبيرة [ (1) ] في قوله تعالى: وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً. قال: آمناً من النار.
وما أحسن ما أنشده الحافظ أبو طاهر السّلفي [ (2) ] رحمه الله تعالى لنفسه بعد دخول البيت زاده الله تعالى تشريفاً وتكريماً:
أبعد دخول البيت والله ضامن
…
أيبقى قبيح والخطايا كوامن
فحاشا وكلاّ بل تسامح كلّها
…
ويرجع كلّ وهو جذلان آمن
فائدتان:
الأولى: قال في شفاء الغرام: دخل النبي صلى الله عليه وسلم البيت أربع مرات بعد الهجرة: الأولى يوم الفتح. رواه مسلم [ (3) ] عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، الثانية: ثاني الفتح. رواه الإمام أحمد عن أسامة بن زيد رضي الله تعالى عنهما [ (4) ] الثالثة: في عمرة القضية. نقله المحب الطبري في القرى عن عروة وسعيد بن المسيب. وفي ذلك نظر لما سيأتي عن عبد الله بن أبي أوفى [ (5) ] رضي الله تعالى عنه. الرابعة: في حجة الوداع، رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة [ (6) ] .
الثانية: اتفق الأئمة الأربعة رحمهم الله تعالى على استحباب دخول الكعبة، واستحسن الإمام مالك رضي الله تعالى عنه كثرة دخولها، وأما
حديث عائشة رضي الله تعالى عنها: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من عندي وهو قرير العين طيب النفس، ثم رجع وهو حزين فقلت له فقال:
«إني دخلت الكعبة ووددت أني لم أكن فعلت، إني أخاف أن أكون أتعبت أمتي من بعدي» ، رواه الإمام أحمد والترمذي وصححه
[ (7) ] . فلا دلالة فيه لعدم الاستحباب، بل
[ (1) ] يحيى بن جعدة بن هبيرة، بن أبي وهب المخزومي، ثقة وقد أرسل عن ابن مسعود ونحوه، من الثالثة. التقريب 2/ 344.
[ (2) ] السلفي: بفتحتين وفاء إلى مذهب السّلف وبضم أوله إلى سلف بطن من الكلاع وبكسره إلى سلفة جدّ الحافظ أبي طاهر. لب اللباب 2/ 22.
[ (3) ] أخرجه مسلم 2/ 966 كتاب الحج (389/ 1329) .
[ (4) ] أخرجه أحمد في المسند 6/ 207.
[ (5) ] عبد الله بن أبي أوفى علقمة بن خالد الأسلمي أبو إبراهيم، صحابي ابن صحابي. شهد بيعة الرّضوان وروى خمسة وتسعين حديثاً، اتفقا على عشرة، وانفرد (خ) بخمسة، و (م) بواحد. وعنه عمرو بن مرة، وطلحة بن مصرّف وعديّ بن ثابت والأعمش. قال الذهبي: قيل حديثه عنه مرسل وقد سمع الأعمش ممن مات قبله، فما المانع من أن يكون سمع منه. قال الواقدي: مات سنة ست وثمانين. وقال أبو نعيم: سنة سبع. قال عمرو بن علي: هو آخر من مات بالكوفة من الصحابة. الخلاصة 2/ 41.
[ (6) ] أخرجه أبو داود 1/ 619 كتاب المناسك باب في دخول الكعبة والترمذي 3/ 223 كتاب الحج.
[ (7) ] أخرجه الترمذي 3/ 223 كتاب الحج باب ما جاء في دخول مكة (873) وقال: هذا حديث حسن صحيح وابن ماجة 2/ 1018 كتاب المناسك باب دخول الكعبة (3064) .
دخوله صلى الله عليه وسلم دليل على استحبابه، وتمنّيه عدم الدخول قد علله النبي صلى الله عليه وسلم بالشفقة على أمته، وذلك لا يدفع الاستحباب.
وحديث عبد الله بن أبي أوفى رضي الله تعالى عنه: اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فطاف بالبيت وصلى خلف المقام ركعتين ومعه من يستره من الناس، قال له رجل: أدخل النبي صلى الله عليه وسلم الكعبة؟ قال: لا. رواه الشيخان
[ (1) ] . فكذلك لا دليل فيه لعدم الاستحباب.
قال النووي: قال العلماء رحمهم الله تعالى: سبب ترك دخوله صلى الله عليه وسلم ما كان في البيت من الأصنام والصور ولم يكن المشركون يتركونه يغيرّها. فلما كان يوم الفتح أمر بإزالة الصور ثم دخلها كما في حديث ابن عباس في الصحيح.
وأما آداب الدخول فكثيرة، منها: الغسل، ومنها: نزع الخفّ والنعل، ومنها: ألا يرفع بصره إلى السقف لأن، ذلك يؤدي إلى الغفلة واللهو عن القصد.
روى الحاكم عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها كانت تقول: عجبا للمرء المسلم إذا دخل الكعبة حين يرفع بصره قبل السقف يدع ذلك إجلالاً لله تعالى وإعظاماً، دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم الكعبة ما خلف بصره موضع سجوده حتى خرج منها.
ومنها: ألاّ يزاحم أحداً زحمة شديدة يتأذى بها أو يؤذي بها أحداً. كما ذكره النووي رحمه الله تعالى:
ومنها: إن يلزم قلبه الخشوع والخضوع، وعينيه الدموع إن استطاع ذلك، وإلاً حاول صورتهما.
ومنها: ألاّ يسأل مخلوقاً. قال سفيان بن عيينة [ (2) ] رحمه الله تعالى: دخل هشام بن عبد الملك الكعبة فرأى سالم بن عبد الله بن عمر، فقال: سلني حاجتك. فقال: أستحي من الله تعالى أن أسأل في بيته غيره.
وأما ما يطلب في الكعبة من الأمور التي صنعها رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو: التسبيح والتكبير والتهليل والتحميد والثناء على الله تعالى والدعاء والاستغفار والصلاة. لأحاديث وردت في ذلك يأتي بيانها في غزوة الفتح إن شاء الله تعالى.
[ (1) ] أخرجه البخاري 3/ 546 (1600)(1791، 4188، 4255) .
[ (2) ] سفيان بن عيينة بن أبي عمر بن الهلالي مولاهم أبو محمد الأعور الكوفي، أحد أئمة الإسلام. عن عمرو بن دينار والزّهري، وزيد بن أسلم وصفوان بن سليم، وخلق كثير. وعنه شعبة ومسعر من شيوخه وابن المبارك من أقرانه وأحمد وإسحاق وابن معين وابن المديني وأمم. قال العجلي: هو أثبتهم في الزهري، كان حديثه نحو سبعة آلاف. وقال ابن عيينة: سمعت من عمرو بن دينار ما لبث نوح في قومه. وقال ابن وهب: ما رأيت أعلم بكتاب الله من ابن عيينة. وقال الشافعي: لولا مالك وابن عيينة لذهب علم الحجاز. مات سنة ثمان وتسعين ومائة، ومولده سنة سبع. الخلاصة 1/ 397.