الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الباب الحادي عشر في تعظيم مكة وحرمها، وتعظيم الذنب فيها
عن أبي شريح العدوي رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام الغد من يوم الفتح فقال: «إن مكة حرّمها الله ولم يحرّمها الناس، فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك فيها دماً ولا يعضد بها شجرة، فإن أحد ترخّص لقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها فقولوا له: إن الله تعالى قد أذن لرسوله ولم يأذن لكم، وإنما أذن لي ساعة من نهار، وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس، وليبلّغ الشاهد الغائب» .
رواه الإمام الشافعي والشيخان
[ (1) ] .
وعنه أيضاً قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله حرم هذا البيت يوم خلق السموات والأرض وصاغه يوم صاغ الشمس والقمر وما حياله من السماء حرام، وإنه لا يحل لأحد بعدي وإنما أحلّ لي ساعة من النهار ثم عاد كما كان» .
رواه الطبراني
[ (2) ] .
وعن عياش بن أبي ربيعة [ (3) ] رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تزال هذه الأمة بخير ما عظّموا هذه الحرمة حقّ تعظيمها فإذا ضيّعوا ذلك هلكوا» .
رواه ابن ماجة
[ (4) ] .
وعن صفية بنت شيبة [ (5) ]- رضي الله تعالى عنها- قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
«يا أيها الناس إن الله حرّم مكة يوم خلق السموات والأرض، وهي حرام إلى يوم القيامة، لا يعضد شجرها ولا ينفر صيدها ولا تؤخذ لقطتها إلا لمنشد» . فقال العباس: إلاّ الإذخر فإنه للبيوت والقبور. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إلا الإذخر» .
[ (1) ] أخرجه الشافعي في المسند 1/ 295 (769) ، والبخاري 4/ 50 كتاب جزاء الصيد (1832) ، ومسلم 2/ 987 كتاب الحج (446- 1354) .
[ (2) ] ذكره الهيثمي في المجمع 3/ 286 وعزاه للطبراني في الأوسط وقال فيه عطاء بن السائب وقد اختلط.
[ (3) ] عياش بن أبي ربيعة بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم القرشي، المخزومي، واسم أبيه عمرو، يلقب ذا الرّمحين، أسلم قديما، وهاجر الهجرتين، وكان أحد من يدعو له النبي صلى الله عليه وسلم، من المستضعفين، واستشهد باليمامة، وقيل باليرموك، وقيل مات سنة خمس عشرة. التقريب 2/ 95.
[ (4) ] أخرجه ابن ماجة (3110) قال في الزوائد وفي إسناده يزيد بن أبي زياد، واختلط بآخره.
[ (5) ] صفية بنت شيبة بن عثمان العبدريّة. قال البرقاني: ليست بصحابية. ووثقها ابن حبان. الخلاصة 3/ 385.
رواه البخاري تعليقا. ووصله ابن ماجة
[ (1) ] .
وعن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة: «إن هذا البلد حرّمه الله يوم خلق السموات والأرض والشمس والقمر ووضع هذين الأخشبين، فهو حرام بحرمة الله تعالى إلى يوم القيامة، وإنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلي ولا يحل لأحد بعدي، ولم يحل لي إلا ساعة من نهار، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، لا يختلى خلاؤها ولا يعضد شجرها ولا ينفر صيدها، ولا تلتقط لقطتها إلا لمن عرّفها إلى أخرة» .
رواه ابن أبي شيبة والخمسة
[ (2) ] .
وروى الأزرقي عن الزهري مرسلا إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الناس لم يحرّموا مكة ولكن الله تعالى حرّمها فهي حرام إلى يوم القيامة، وإن من أعتى الناس على الله تعالى رجلاً قتل في الحرم ورجلاً قتل غير قاتله، ورجلاً أخذ بذحول الجاهلية»
[ (3) ] .
الذحول جمع ذحل بذال معجمة فحاء مهملة، وزان فلس: الحقد والعداوة. وطلب بذحله أي بثأره، وهو المراد هنا.
وروى الأزرقي عن قتادة رحمه الله تعالى قال: ذكر لنا أن الحرم حرّم بحياله إلى العرش.
وروى أيضا عن مجاهد قال: إن هذا الحرم حرّم مناه وقصده من السموات السبع.
والأرضين السبع، وإن هذا البيت رابع أربعة عشر بيتاً في كل سماء بيت، وفي كل أرض بيت، ولو وقعن بعضهن على بعض.
وروى الأزرقي عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «البيت المعمور الذي في السماء يقال له الضراح وهو على منا الكعبة، يعمره كل يوم سبعون ألف ملك لم يزره قط، وإن للسماء السابعة لحرماً على منا حرم الكعبة»
[ (4) ] .
وروى الأزرقي والطبراني والبيهقي في الشعب عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ستة لعنتهم وكل نبيّ مجاب الدعوة: الزائد في كتاب الله، والمكذب بقدر الله، والمتسلّط بالجبروت ليذلّ من أعزّ الله ويعز من أذل الله، والتارك لسنّتي، والمستحل من عترتي ما حرم الله، والمستحلّ لحرم الله»
[ (5) ] .
[ (1) ] أخرجه البخاري 3/ 253 كتاب الجنائز باب الإذخر والحشيش في العنبر وابن ماجة (3109) .
[ (2) ] أخرجه البخاري 4/ 56 (1834) ومسلم 2/ 986 (445- 1353) .
[ (3) ] أخرجه عبد الرزاق في المصنف (9188) وذكره السيوطي في الدر 1/ 122 وعزاه للأزرقي في تاريخ مكة عن الزهري.
[ (4) ] ذكره السيوطي في الدر 1/ 22 وعزاه للأزرقي عن ابن عباس وذكره صاحب الكنز (8874) .
[ (5) ] ذكره السيوطي في الدر 1/ 122 وعزاه للأزرقي والطبراني والبيهقي في الشعب عن عائشة.
ذكر تعظيم ما [ (1) ] لا يعقل للحرم روى ابن أبي الدنيا في «ذم الملاهي» عن جويرية بن أسماء [ (2) ] عن عمه رحمهما الله تعالى قال: حججت مع قوم فنزلنا منزلاً ومعنا امرأة، فنامت فانتبهت وحيّة منطوية عليها جمعت رأسها مع ذنبها بين ثدييها فهالنا ذلك وارتحلنا فلم تزل مطوية عليها لا تضرّها شيئاً، حتى دخلنا أنصاب الحرم فانسابت فدخلنا مكة فقضينا نسكنا وانصرفنا، حتى إذا كنا بالمكان الذي تطوّقت عليها فيه الحية، وهو المنزل الذي نزلنا فنامت فاستيقظت والحية منطوية عليها، ثم صفّرت الحية فإذا بالوادي يسيل علينا حيّات فنهشنها حتى بقيت عظاماً، فقلت لجارية لها: ويحك أخبرينا عن هذه المرأة. قالت: بغت ثلاث مرات، كل مرة تلد ولداً فإذا وضعته سجرت التّنور ثم ألقته فيه.
وروى الأزرقي عن ابن أبي نجيح- رحمه الله تعالى- قال: لم تكن كبار الحيتان تأكل صغارها في الحرم زمن الطوفان.
وروى ابن أبي شيبة عن ابن سابط [ (3) ]- رحمه الله تعالى- قال: كأن الناس إذا كان الموسم في الجاهلية خرجوا ولم يبق أحد بمكة، وإنه تخلّف رجل سارق فعمد إلى قطعة من ذهب فوضعها ليأخذ أخرى، فلما أدخل رأسه همزه البيت فوجدوا رأسه في البيت واسته خارج البيت فألقوه للكلاب.
وروى الجندي عن طاوس [ (4) ]- رحمه الله تعالى- قال: إن أهل الجاهلية لم يكونوا يصيبون في الحرم شيئاً إلا عجّل لهم ويوشك أن يرجع إلى ذلك.
والأحاديث والآثار في تعظيم حرمة الحرم أكثر من أن تحصر.
وروى الأزرقي عن حويطب بن عبد العزى [ (5) ] رضي الله تعالى عنه- قال: كنا جلوساً بفناء الكعبة في الجاهلية فجاءت امرأة إلى البيت تعوذ به من زوجها فجاء زوجها فمد يده إليها فيبست يده، فلقد رأيته في الإسلام وإنه لأشلّ.
[ (1) ] في أ: من لا.
[ (2) ] جويرية بن أسماء بن عبيد الضّبعي بضم المعجمة البصري. عن نافع والزهري. وعنه ابن أخيه عبد الله بن محمد، وحبّان بن هلال. وثقه أحمد. توفي سنة ثلاث وسبعين ومائة. الخلاصة 1/ 174.
[ (3) ] عبد الرحمن بن سابط، ويقال ابن عبد الله بن سابط وهو الصحيح، ويقال ابن عبد الله بن عبد الرحمن الجمحي المكي، ثقة كثير الإرسال، من الثالثة، مات سنة ثمان عشرة. التقريب 1/ 48.
[ (4) ] طاوس بن گيسان اليماني، أبو عبد الرحمن، الحميري مولاهم، الفارسي يقال اسمه ذكوان، وطاوس لقب، ثقة فقيه، فاضل، من الثالثة، مات سنة ست ومائة، وقيل بعد ذلك. التقريب 1/ 377.
[ (5) ] حويطب بن عبد العزى بن أبي قيس بن عبد ودّ، من بني عامر بن لؤيّ: صحابيّ قرشيّ، من المعمرين، تجاوز المئة.
حارب الإسلام إلى أن فتحت مكة، فأسلم. وشهد مع النبي صلى الله عليه وسلم حنينا والطائف. وكان من أهل مكة فانتقل إلى المدينة ومات بها. توفي سنة 54 هـ. الأعلام 2/ 289.
وروى الأزرقي عن ابن جريج- رحمه الله تعالى- قال: الحطيم ما بين الركن والمقام وزمزم والحجر، وكان إساف ونائلة (رجل وامرأة) دخلا الكعبة فقبّلها فيها فمسخا حجرين فأخرجا من الكعبة فنصب أحدهما في مكان زمزم والآخر في وجه الكعبة يعتبر بهما الناس ويزدجروا عن مثل ما ارتكبا، فسمّي هذا الموضع الحطيم لأن الناس كانوا يحطمون هنالك بالأيمان ويستجاب فيه الدعاء على الظالم للمظلوم، فقلّ من دعا هنالك على ظالم إلا هلك، وقلّ من حلف هنالك إثماً إلا عجلت عليه العقوبة، وكان ذلك يحجز بين الناس عن الظلم ويتهيب الناس الأيمان هنالك، فلم يزل ذلك كذلك حتى جاء الله تعالى بالإسلام فأخّر الله تعالى ذلك لما أراد إلى يوم القيامة.
تنبيه: في الأحاديث السابقة أن الله تعالى حرّم مكة. ولا يخالف ذلك ما
رواه الإمام أحمد ومسلم والنسائي وغيرهم، عن جابر بن عبد الله- رضي الله تعالى عنهما- إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:«إن إبراهيم حرم مكة، وإني حرّمت المدينة»
[ (1) ] لأن المعنى: أن إبراهيم حرم مكة بأمر الله تعالى لا باجتهاده، أو أن الله قضى يوم خلق السموات والأرض أن إبراهيم سيحرّم مكة. أو المعنى: أن إبراهيم أول من أظهر تحريمها بين الناس وكانت قبل ذلك عند الله حراماً، وأول من أظهره بعد الطوفان.
وقال القرطبي [ (2) ] معنى الأحاديث السابقة: أن الله تعالى حرّم مكة ابتداء من غير سبب ينسب لأحد. ولا لأحد فيه مدخل، ولأجل هذا أّكد هذا المعنى بقوله:«ولم يحرمها الناس» .
والمراد بقوله: ولم يحرمها الناس أن تحريمها ثابت بالشرع لا مدخل للعقل فيه. أو المراد: أنها من محرّمات الله تعالى فيجب امتثال ذلك، وليس ذلك من محرمات الناس، يعني في الجاهلية كما حرّموا أشياء من عند أنفسهم، فلا يسوغ الاجتهاد في تركه. وقيل معناه: أن حرمتها مستمرة من أول الخلق وليس مما اختصت به شريعة النبي صلى الله عليه وسلم.
[ (1) ] أخرجه مسلم 2/ 992 كتاب الحج (458- 1362) .
[ (2) ] محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح الأنصاري الخزرجي الأندلسي، أبو عبد الله، القرطبي: من كبار المفسرين، صالح متعبد. من أهل قرطبة. رحل إلى الشرق واستقر بمنية بن خصيب في شمالي أسيوط، بمصر وتوفي فيها. من كتبه «الجامع لأحكام القرآن» وكان ورعا متعبدا، طارحا للتكلف، يمشي بثوب واحد وعلى رأسه طاقية. توفي سنة 671 هـ. الأعلام 5/ 322.