الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الباب الحادي عشر في انبثاق دجلة وارتجاس الإيوان وسقوط الشرفات وخمود النيران وغير ذلك مما يذكر
ذكر ابن جرير وغيره أن كسرى أبرويز كان قد سكر دجلة العوراء وأنفق عليها مالاً عظيماً، وكان طاق ملكه قد بناه بنياناً عظيماً لما ير مثله، وكان عنده ثلاثمائة رجل من كاهن وساحر ومنجّم، وكان فيهم رجل من العرب اسمه السائب قد بعث به بأذان من اليمن، وكان كسرى إذا حزبه أمرٌ جمعهم فقال: انظروا في هذا الأمر ما هو.
فلما ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم أصبح كسرى وقد انقصم طاق ملكه من غير ثقل وانخرقت دجلة العوراء فلما رأى ذلك أحزنه فدعا كهانه وسحّاره ومنجميه وفيهم السائب فقال لهم: قد انقصم طاق ملكي من غير ثقل فانظروا في أمره بما تعلمونه من علمكم فأخذت عليهم أقطار السماء وأظلمت الأرض فلم يمض لهم ما رأوه وبات السائب في ليلة مظلمة على ربوة من الأرض ينظر فرأى برقاً من قبل الحجاز قد استطار فبلغ المشرق، فلما أصبح رأى تحت قدميه روضةً خضراء فقال فيما يعتاف: إن صدق ما أرى ليخرجنّ من الحجاز سلطان يبلغ المشرق وتخصب الأرض عليه كأفضل ما أخصبت على ملك.
فلما خلص الكهان والمنجمون بعضهم إلى بعض ورأوا ما أصابهم ورأى السائب ما رأى قال بعضهم لبعض: والله ما حيل بينكم وبين علمكم إلا لأمرٍ جاء من السماء وأنه لنبيّ يبعث أو هو مبعوث يسلب هذا الملك ملكه ويكسر وإن نعيتم إلى كسرى كسر ملكه ليقتلنكم فاتفقوا على أن يكتموه الأمر وقالوا له قد نظرنا فوجدنا وضع دجلة العوراء وطاق الملك قد وضع على النّحوس، فلما اختلف الليل والنهار فوقعت النحوس مواقعها زال كلّ ما وضع عليها، ونحن نحسب لك حسابا تضع عليه بنيانك فلا يزول. - فحسبوا فأمروه بالبناء فبنى دجلة العوراء في ثمانية أشهر وأنفق عليها أموالاً جليلة حتى فرغ منها، فلما فرغ قال لهم:
أجلس على سورها؟ قالوا: نعم. فجلس في أساورته ومرازبته، فبينما هو كذلك انشقّت دجلة وخرج ذلك البنيان من تحته، فلم يخرج إلا بآخر رمق، فلما أخرجوه جمع كهانه وسحرته ومنجميه وقتل منهم نحو مائة وقال لهم: أقرّبتكم وأجريت عليكم الأموال ثمّ إنكم تخونونني؟
فقالوا: أيها الملك أخطأنا كما أخطأ من قبلنا. ثم حسبوا له وأمروه بالبناء فبناه وفرغ منه وأمروه بالجلوس عليه فخاف أن يجلس عليه فركب وسار على البناء فبينما هو يسير إذ انشقت أيضاً،
فلم يدرك إلا بآخر رمق. فدعاهم وقال: لأقتلنكم أو لتصدقنّي. فصدقوه وأخبروه بالأمر فقال:
ويحكم هلا بيّنتم لي ذلك فأرى فيه ما أرى قالوا: منعنا الخوف. فتركهم.
وروى ابن جرير في تاريخه والبيهقي وأبو نعيم كلاهما في الدلائل، والخرائطي عن مخزوم بن هانئ عن أبيه وأتت عليه مائة وخمسون سنة قال: لما كانت الليلة التي ولد فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ارتجس فيها إيوان كسرى وسقطت منه أربع عشر شرافة وخمدت نار فارس ولم تخمد قبل ذلك بألف عام، وغاضت بحيرة ساوة ورأى الموبذان إبلاً صعاباً تقود خيلاً عراباً قد قطعت دجلة وانتشرت في بلادها، فلما أصبح كسرى أفزعه ذلك وتصبّر عليه تشجّعاً، ثم رأى أن لا يدّخر ذلك عن وزرائه ومرازبته حين عيل صبره فجمعهم ولبس تاج ملكه وقعد على سريره ثم بعث إليهم فلما اجتمعوا عنده قال: تدرون فيما بعثت؟ قالوا: لا إلا أن تخبرنا بذلك، فبينما هم كذلك إذ أتاه كتاب بخمود نار فارس فازداد غمّاً إلى غمه ثم أخبرهم بما هاله، فقال الموبذان: وأنا أصلح الله الملك قد رأيت في هذه الليلة. فقص عليهم رؤياه في الإبل، فقال: أي شيء يكون هذا يا موبذان؟ وكان أعلمهم في أنفسهم قال: حدثٌ يكون من ناحية العرب، فكتب كسرى عند ذلك: من ملك الملوك كسرى إلى النعمان بن المنذر:
أما بعد فوجّه إلي عالماً بما أريد أن أسأله عنه فوجّه إليه بعبد المسيح بن عمرو بن حسّان بن بقيلة- بضم الموحدة وفتح القاف وسكون التحتية- الغسّاني. فلما قدم عليه قال: ألك علم بما أريد أن أسالك عنه؟ قال: يسألني الملك أو يخبرني الملك، فإن كان عندي علم منه أخبرته وإلا دللته على من يعلمه. قال: فأخبره. فقال: علم ذلك عند خال لي يسكن مشارق الشام يقال له سطيح. قال: فاذهب إليه فاسأله وائتني بتأويل ما عنده. فنهض عبد المسيح حتى قدم على سطيح وقد أشفى على الموت فسلم عليه وحيّاه فلم يحر جواباً فأنشأ عبد المسيح يقول: أصمّ أم يسمع غطريف اليمن.. في أبيات ذكرها.
فلما سمع سطيح كلامه فتح عينيه ثم قال: عبد المسيح على جمل مشيح، أقبل إلى سطيح، وقد أوفى على الضريح، بعثك- ملك بني ساسان، لارتجاس الإيوان وخمود النيران، ورؤيا الموبذان. رأى إبلاً صعاباً تقود خيلاً عراباً، قد قطعت دجلة وانتشرت في بلادها. يا عبد المسيح إذا أكثرت التلاوة. وظهر صاحب الهراوة، وفاض وادي سماوة، وغاضت بحيرة ساوة، فليس الشام لسطيح شاماً، يملك منهم ملوك وملكات على عدد الشّرفات، وكل ما هو آتٍ آت. ثم قضى سطيح مكانه فأتى عبد المسيح إلى كسرى فأخبره فقال: إلى أن يملك منّا أربعة عشر ملكاً كانت أمور وأمور. فملك منهم عشرة في أربع سنين وملك الباقون إلى خلافة عثمان رضي الله تعالى عنه.
ويرحم الله تعالى الإمام أبا عبد الله محمد بن أبي زكريا يحيى بن علي الشقراطسي [ (1) ] حيث قال:
ضاءت لمولده الآفاق واتصلت
…
بشرى الهواتف في الإشراق والطّفل
وصرح كسرى تداعى من قواعده
…
وانقضّ منكسر الأرجاء ذا ميل
ونار فارس لم توقد وما خمدت
…
من ألف عام ونهر القوم لم يسل
خرّت لمولده الأوثان وانبعثت
…
ثواقب الشّهب ترمي الجنّ بالشّعل
والإمام أبا عبد الله محمد بن سعيد بن حماد الدلاصي الشهير بالبوصيري رحمه الله تعالى حيث قال:
أبان مولده عن طيب عنصره
…
يا طيب مبتدإ منه ومختتم
يوم تفرّس فيه الفرس أنّهم
…
قد أنذروا بحلول البؤس والنّقم
وبات أيوان كسرى وهو منصدعٌ
…
كشمل أصحاب كسرى غير ملتئم
والنّار خامدة الأنفاس من أسفٍ
…
عليه والنّهر ساهي العين منسدم
وساء ساوة أن غاضت بحيرتها
…
وردّ واردها بالغيظ حين ظمي
كأنّ بالنّار ما بالماء من بللٍ
…
حزناً وبالماء ما بالنّار من ضرم
والجنّ تهتف والأنوار ساطعةٌ
…
والحقّ يظهر من معنى ومن كلم
عموا وصمّوا فإعلان البشائر لم
…
يسمع وبارقة الإنذار لم تشم
من بعد ما أخبر الأقوام كاهنهم
…
بأنّ دينهم المعوجّ لم يقم
من بعد ما عاينوا في الأفق من شهبٍ
…
منقضّةٍ وفق ما في الأرض من صنم
حتّى غدا عن طريق الحقّ منهزمٌ
…
من الشياطين يقفو إثر منهزم
وقال أيضاً في قصيدته الهمزية:
ومحيّا كالشّمس منك مضيءٌ
…
أسفرت عنه ليلةٌ غرّاء
ليلة المولد الذي كان للدّي
…
ن سرورٌ بيومه وازدهاء
[ (1) ] عبد الله بن يحيى بن علي، أبو محمد الشقراطسي التّوزري: فقيه مالكي، من الشعراء. ولد بتوزر. وعلمه أبوه وسافر إلى القيروان، فأخذ عن علمائها. ورحل إلى المشرق (سنة 429 هـ) وخاض معركة في قتال الفرنج، بمصر، قال فيها، من قصيدة:
وأسمر عسال الكعوب سقيته
…
نجيع الطلى والخيل تدمى نحورها
وعاد إلى توزر، فأفتى ودرّس إلى أن توفي. له «تعليق على مسائل من المدونة» ، و «فضائل الصحابة» و «الإعلام بمعجزات النبي عليه السلام» ختمه بقصيدة له لامية تعرف بالشقراطسية أولها:
عني أدباء إفريقية بشرحها وتخميسها وتشطيرها. توفي سنة 466 هـ. الأعلام 4/ 144، 145.