الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
143 - شَقِيْقُ بنُ ثَوْرٍ أَبُو الفَضْلِ السَّدُوْسِيُّ *
الأَمِيْرُ، أَبُو الفَضْلِ السَّدُوْسِيُّ، سَيِّدُ بَكْرِ بنِ وَائِلٍ فِي الإِسْلَامِ، وَكَانَ رَأْسَهُم يَوْمَ صِفِّيْنَ مَعَ عَلِيٍّ، وَيَوْمَ الجَمَلِ.
يَرْوِي عَنْ: عُثْمَانَ، وَعَلِيٍّ.
وَعَنْهُ: أَبُو وَائِلٍ، وَخَلَاّدُ بنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ.
وَلَهُ وِفَادَةٌ عَلَى مُعَاوِيَةَ.
وَقُتِلَ أَبُوْهُ فِي فَتْحِ تُسْتَرَ.
قِيْلَ: إِنَّ شَقِيْقاً هَذَا لَمَّا احتُضِرَ، قَالَ:
لَيْتَهُ لَمْ يَسُدْ قَوْمَهُ، فَكَمْ مِنْ بَاطِلٍ قَدْ حَقَّقْنَاهُ، وَحَقٍّ أَبْطَلْنَاهُ (1) .
تُوُفِّيَ: سَنَةَ خَمْسٍ وَسِتِّيْنَ.
144 - المُخْتَارُ بنُ أَبِي عُبَيْدٍ الثَّقَفِيُّ الكَذَّابُ **
كَانَ وَالِدُهُ الأَمِيْرُ أَبُو عُبَيْدٍ بنُ مَسْعُوْدِ بنِ عَمْرِو بنِ عُمَيْرِ بنِ عَوْفِ بنِ عُقْدَةَ بنِ عَنَزَةَ بنِ عَوْفِ بنِ ثَقِيفٍ، قَدْ أَسْلَمَ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَلَمْ نَعْلَمْ لَهُ صُحْبَةً.
اسْتَعْمَلَهُ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ عَلَى جَيْشٍ، فَغَزَا العِرَاقَ، وَإِلَيْهِ تُنْسَبُ
(*) التاريخ الكبير 4 / 246، الجرح والتعديل 4 / 372، مشاهير علماء الأمصار: ت 669، جمهرة أنساب العرب: 318، تاريخ ابن عساكر 8 / 52 آ، تهذيب الكمال: 588، تاريخ الإسلام 3 / 18، تذهيب التهذيب 2 / 18 آ، تهذيب التهذيب 4 / 361، خلاصة تذهيب الكمال: 142، تهذيب ابن عساكر 6 / 335.
(1)
ابن عساكر 8 / 53 آ.
(* *) المحبر: 70، 302، 491، المعارف: 400، تاريخ الطبري 5 / 569، و6 / 7، 38.
وما بعدها، 93 مروج الذهب 3 / 273، جمهرة أنساب العرب: 268، الاستيعاب: 1465، أسد الغابة 5 / 122، الكامل 4 / 211، 267، تاريخ الإسلام 2 / 377، و3 / 70، البداية والنهاية 8 / 289، الإصابة 3 / 518، شذرات الذهب 1 / 74، 75.
وَقْعَةُ جِسْرِ أَبِي عُبَيْدٍ.
وَنَشَأَ المُخْتَارُ، فَكَانَ مِنْ كُبَرَاءِ ثَقِيْفٍ، وَذَوِي الرَّأْيِ، وَالفَصَاحَةِ، وَالشَّجَاعَةِ، وَالدَّهَاءِ، وَقِلَّةِ الدِّيْنِ.
وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: (يَكُوْنُ فِي ثَقِيْفٍ كَذَّابٌ وَمُبِيْرٌ (1)) .
فَكَانَ الكَذَّابُ هَذَا، ادَّعَى أَنَّ الوَحْيَ يَأْتِيهِ، وَأَنَّهُ يَعْلَمُ الغَيْبَ، وَكَانَ المُبِيْرُ الحَجَّاجَ - قَبَّحَهُمَا اللهُ -.
قَالَ أَحْمَدُ فِي (مُسْنِدِهِ) : حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا عِيْسَى بنُ عُمَرَ (2) ، حَدَّثَنَا السُّدِّيُّ، عَنْ رِفَاعَةَ الفِتْيَانِيِّ (3)، قَالَ:
دَخَلْتُ عَلَى المُخْتَارِ، فَأَلْقَى لِي وِسَادَةً، وَقَالَ: لَوْلَا أَنَّ جِبْرِيْلَ قَامَ عَنْ هَذِهِ، لأَلْقَيْتُهَا لَكَ.
فَأَرَدْتُ أَنْ أَضْرِبَ عُنُقَهُ، فَذَكَرْتُ حَدِيْثاً حَدَّثَنِيْهِ عَمْرُو بنُ الحمقِ، قَالَ:
قَالَ رَسُوْلُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: (أَيُّمَا مُؤْمِنٍ أَمَّنَ مُؤْمِناً عَلَى دَمِهِ فَقَتَلَهُ، فَأَنَا مِنَ القَاتِلِ بَرِيْءٌ (4)) .
وَرَوَى: مُجَالِدٌ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، قَالَ:
أَقْرَأَنِي الأَحْنَفُ كِتَابَ المُخْتَارِ إِلَيْهِ يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ، وَكَانَ المُخْتَارُ قَدْ سَارَ مِنَ الطَّائِفِ بَعْدَ مَصْرِعِ الحُسَيْنِ إِلَى مَكَّةَ، فَأَتَى ابْنَ الزُّبَيْرِ، وَكَانَ قَدْ طُرِدَ لِشرِّهِ إِلَى الطَّائِفِ، فَأَظْهَرَ المُنَاصَحَةَ،
(1) أخرجه مسلم (2545) في فضائل الصحابة من حديث أسماء بنت أبي بكر، وأخرجه أحمد 2 / 62، والترمذي (2220) و (3944) من حديث ابن عمر.
(2)
تحرف في المطبوع إلى " عمير ".
(3)
بكسر الفاء وسكون التاء وفتح الياء وبعد الالف نون: نسبة إلى فتيان بن ثعلبة بن معاوية ابن زيد كما في " المشتبه " و" اللباب " و" تبصير المنتبه " و" توضيح المشتبه ": 2 الورقة: 192.
وأخطأ الحافظ في " التقريب " فقال: " القتباني " بكسر القاف وسكون التاء بعدها موحدة.
(4)
إسناده حسن، وهو في " المسند " 5 / 223، وأخرجه أحمد 5 / 222، وابن ماجه (2688) من طريقين، عن عبد الملك بن عمير، عن رفاعة بن شداد الفتياني قال: كنت أقوم على رأس المختار، فلما تبينت كذابته، هممت وايم الله أن أسل سيفي، فأضرب عنقه، حتى ذكرت حديثا حدثنيه عمرو بن الحمق قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " من أمن رجلا على نفسه، فقتله، أعطي لواء الغدر يوم القيامة " وإسناده صحيح.
وَتَرَدَّدَ إِلَى ابْنِ الحَنَفِيَّةِ، فَكَانُوا يَسْمَعُوْنَ مَا يُنْكَرُ.
فَلَمَّا مَاتَ يَزِيْدُ، اسْتَأْذَنَ ابْنَ الزُّبَيْرِ فِي الرَّوَاحِ إِلَى العِرَاقِ، فَرَكَنَ إِلَيْهِ، وَأَذِنَ لَهُ، وَكَتَبَ إِلَى نَائِبِهِ بِالعِرَاقِ عَبْدِ اللهِ بنِ مُطِيْعٍ يُوصِيْهِ بِهِ، فَكَانَ يَخْتلِفُ إِلَى ابْنِ مُطِيْعٍ.
ثُمَّ أَخَذَ يَعِيْبُ فِي البَاطِنِ ابْنَ الزُّبَيْرِ، وَيُثْنِي عَلَى ابْنِ الحَنَفِيَّةِ، وَيَدْعُو إِلَيْهِ، وَأَخَذَ يَشْغَبُ عَلَى ابْنِ مُطِيْعٍ، وَيَمْكُرُ، وَيَكْذِبُ، فَاسْتَغْوَى جَمَاعَةً، وَالْتَفَّتْ عَلَيْهِ الشِّيْعَةُ، فَخَافَهُ ابْنُ مُطِيْعٍ، وَفَرَّ مِنَ الكُوْفَةِ، وَتَمَكَّنَ هُوَ، وَدَعَا ابْنَ الزُّبَيْرِ إِلَى مُبَايعَةِ مُحَمَّدِ ابْنِ الحَنَفِيَّةِ، فَأَبَى، فَحَصَرَهُ، وَضَيَّقَ عَلَيْهِ، وَتَوَعَّدَهُ، فَتَأَلَّمَتِ الشِّيْعَةُ لَهُ، وَرَدَّ المُخْتَارَ إِلَى مَكَّةَ.
ثُمَّ بَعَثَ مَعَهُ ابْنُ الزُّبَيْرِ إِبْرَاهِيْمَ بنَ مُحَمَّدِ بنِ طَلْحَةَ عَلَى خَرَاجِ الكُوْفَةِ، فَقَدِمَ المُخْتَارُ وَقَدْ هَاجَتِ الشِّيْعَةُ لِلطَّلَبِ بِالثَّأْرِ، وَعَلَيْهِم سُلَيْمَانُ بنُ صُرَدٍ.
فَأَخَذَ المُخْتَارُ يُفْسِدُهُم، وَيَقُوْلُ: إِنِّيْ جِئْتُ مِنْ قِبَلِ المَهْدِيِّ ابْنِ الوَصِيِّ - يُرِيْدُ: ابْنَ الحَنَفِيَّةِ -.
فَتَبِعَهُ خَلْقٌ، وَقَالَ: إِنَّ سُلَيْمَانَ لَا يَصْنَعُ شَيْئاً، إِنَّمَا يُلْقِي بِالنَّاسِ إِلَى التَّهْلُكَةِ، وَلَا خِبْرَةَ لَهُ بِالحَرْبِ.
وَخَافَ عُمَرُ بنُ سَعْدِ بنِ أَبِي وَقَّاصٍ، فَذَهَبَ عَبْدُ اللهِ بنُ يَزِيْدَ الخَطْمِيُّ نَائِبُ ابْنِ الزُّبَيْرِ، وَإِبْرَاهِيْمُ بنُ مُحَمَّدٍ إِلَى ابْنِ صُرَدٍ، فَقَالَا:
إِنَّكُم أَحَبُّ أَهْلِ بَلَدِنَا إِلَيْنَا، فَلَا تَفْجَعُوْنَا بِأَنْفُسِكُم، وَلَا تَنْقُصُوا عَدَدَنَا بِخُرُوجِكُم، قِفُوا حَتَّى نَتَهَيَّأَ.
قَالَ ابْنُ صُرَدٍ: قَدْ خَرَجْنَا لأَمْرٍ، وَلَا نُرَانَا إِلَاّ شَاخِصِيْنَ.
فَسَارَ، وَمَعَهُ كُلُّ مُسْتَمِيْتٍ، وَمَرُّوا بِقَبْرِ الحُسَيْنِ، فَبَكَوْا، وَأَقَامُوا يَوْماً عِنْدَهُ، وَقَالُوا: يَا رَبِّ، قَدْ خَذَلْنَاهُ، فَاغْفِرْ لَنَا، وَتُبْ عَلَيْنَا.
ثُمَّ نَزَلُوا قَرْقِيْسِيَا، فَتَمَّ المَصَافُّ بِعَيْنِ الوَرْدَةِ، وَقُتِلَ ابْنُ صُرَدٍ وَعَامَّةُ التَّوَّابِيْنَ، وَمَرِضَ عُبَيْدُ اللهِ بِالجَزِيْرَةِ، فَاشْتَغَلَ بِذَلِكَ وَبقِتَالِ أَهْلِهَا عَنِ العِرَاقِ سَنَةً، وَحَاصَرَ المَوْصِلَ.
وَأَمَّا المُخْتَارُ، فَسُجِنَ مُدَّةً، ثُمَّ خَرَجَ، فَحَارَبَهُ أَهْلُ الكُوْفَةِ، فَقَتلَ رِفَاعَةَ بنَ شَدَّادٍ، وَعَبْدَ اللهِ بنَ سَعْدٍ، وَعِدَّةً.
وَغَلَبَ عَلَى الكُوْفَةِ، وَهَرَبَ مِنْهُ
نَائِبُ ابْنِ الزُّبَيْرِ، فَقَتَلَ جَمَاعَةً مِمَّنْ قَاتَلَ الحُسَيْنَ، وَقَتَلَ الشِّمْرَ بنَ ذِي الجَوْشِنِ، وَعُمَرَ بنَ سَعْدٍ، وَقَالَ: إِنَّ جِبْرِيْلَ يَنْزِلُ عَلَيَّ بِالوَحْيِ.
وَاخْتَلَقَ كِتَاباً عَنِ ابْنِ الحَنَفِيَّةِ إِلَيْهِ يَأْمُرُهُ بِنَصْرِ الشِّيْعَةِ، وَثَارَ إِبْرَاهِيْمُ بنُ الأَشْتَرِ فِي عَشِيْرَتِهِ، فَقَتلَ صَاحِبَ الشُّرَطَةِ، وَسُرَّ بِهِ المُخْتَارُ، وَقَوِيَ، وَعَسْكَرُوا بِدَيْرِ هِنْدٍ، فَحَارَبَهُم نَائِبُ ابْنِ الزُّبَيْرِ، ثُمَّ ضَعُفَ وَاخْتَفَى، وَأَخَذَ المُخْتَارُ فِي العَدْلِ، وَحُسْنِ السِّيْرَةِ.
وَبَعَثَ إِلَى النَّائِبِ بِمَالٍ، وَقَالَ: اهْرُبْ.
وَوَجَدَ المُخْتَارُ فِي بَيْتِ المَالِ سَبْعَةَ آلَافِ أَلْفِ دِرْهَمٍ، فَأَنْفَقَ فِي جَيْشِهِ، وَكَتَبَ إِلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ: إِنِّيْ رَأَيْتُ عَامِلَكَ مُدَاهِناً لِبَنِي أُمَيَّةَ، فَلَمْ يَسَعْنِي أَنْ أُقِرَّهُ.
فَانْخَدَعَ لَهُ ابْنُ الزُّبَيْرِ، وَكَتَبَ إِلَيْهِ بِوِلَايَةِ الكُوْفَةِ، فَجَهَّزَ ابْنَ الأَشْتَرِ لِحَرْبِ عُبَيْدِ اللهِ بنِ زِيَادٍ، فِي آخِرِ سَنَةِ سِتٍّ وَسِتِّيْنَ، وَمَعَهُ كُرْسِيٌّ عَلَى بَغْلٍ أَشْهَبَ.
وَقَالَ المُخْتَارُ: هَذَا فِيْهِ سِرٌّ، وَهُوَ آيَةٌ لَكُم، كَمَا كَانَ التَّابُوتُ لِبَنِي إِسْرَائِيْلَ.
فَحَفُّوا بِهِ يَدْعُوْنَ، فَتَأَلَّمَ ابْنُ الأَشْتَرِ، وَقَالَ:
اللَّهُمَّ لَا تُؤَاخِذْنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا، سُنَّةَ بَنِي إِسْرَائِيْلَ إِذْ عَكَفُوا عَلَى العِجْلِ.
فَعَنْ طُفَيْلِ بنِ جَعْدَةَ بنِ هُبَيْرَةَ، قَالَ:
كَانَ لِي جَارٌ زَيَّاتٌ، لَهُ كُرْسِيٌّ، فَاحْتَجْتُ (1)، فَقُلْتُ لِلْمُخْتَارِ: إِنِّيْ كُنْتُ أَكْتُمُكَ شَيْئاً، وَالآنَ أَذْكُرُهُ.
قَالَ: وَمَا هُوَ؟
قُلْتُ: كُرْسِيٌّ كَانَ أَبِي يَجْلِسُ عَلَيْهِ، كَانَ يَرَى أَنَّ فِيْهِ أَثَارَةً مِنْ عِلْمٍ.
قَالَ: سُبْحَانَ اللهِ! لِمَ أَخَّرتَه؟
فَجِيْءَ بِهِ وَعَلَيْهِ سِتْرٌ، فَأَمَرَ لِي بِاثْنَيْ عَشَرَ أَلْفاً، وَدَعَا بِالصَّلَاةِ جَامِعَةً، فَاجْتَمَعُوا، فَقَالَ:
إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي الأُمَمِ الخَالِيَةِ أَمْرٌ إِلَاّ وَهُوَ كَائِنٌ فِيْكُم، وَقَدْ كَانَ فِي بَنِي إِسْرَائِيْلَ التَّابُوتُ، وَإِنَّ فِيْنَا
(1) تحرف في المطبوع إلى " قد احتجب ".
مِثْلَهُ، اكْشِفُوا هَذَا.
فَكَشَفُوا الأَثْوَابَ، وَقَامَتِ السَّبَائِيَّةُ (1) ، فَرَفَعُوا أَيْدِيَهُم، فَأَنْكَرَ شَبَثُ بنُ رِبْعِيٍّ، فَضُرِبَ.
فَلَمَّا انْتَصَرُوا عَلَى عُبَيْدِ اللهِ، افْتُتِنُوا بِالكُرْسِيِّ، وَتغَالَوْا فِيْهِ، فَقُلْتُ: إِنَّا للهِ، وَنَدِمْتُ.
فَلَمَّا زَادَ كَلَامُ النَّاسِ، غُيِّبَ.
وَكَانَ المُخْتَارُ يَرْبِطُهُم بِالمُحَالِ وَالكَذِبِ، وَيَتَأَلَّفُهُم بِقَتْلِ النَّوَاصِبِ (2) .
عَنِ الشَّعْبِيِّ، قَالَ: خَرَجْتُ أَنَا وَأَبِي مَعَ المُخْتَارِ، فَقَالَ لَنَا: أَبْشِرُوا، فَإِنَّ شُرطَةَ اللهِ قَدْ حَسُّوهُم بِالسُّيُوْفِ بِقُرْبِ (3) نَصِيْبِيْنَ.
فَدَخَلْنَا المَدَائِنَ، فَوَاللهِ إِنَّهُ لَيَخْطُبُنَا، إِذْ جَاءتْهُ البُشْرَى بِالنَّصْرِ، فَقَالَ: أَلَمْ أُبَشِّرْكُم بِهَذَا؟
قَالُوا: بَلَى.
فَقَالَ لِي هَمْدَانِيٌّ: أَتُؤْمِنُ الآنَ؟
قُلْتُ: بِمَاذَا؟
قَالَ: بِأَنَّ المُخْتَارَ يَعْلَمُ الغَيْبَ، أَلَمْ يَقُلْ لَنَا: إِنَّهُم هُزِمُوا؟
قُلْتُ: إِنَّمَا زَعَمَ أَنَّ ذَلِكَ بِنَصِيْبِيْنَ، وَإِنَّمَا وَقَعَ ذَلِكَ بِالخَازِرِ (4) مِنَ المَوْصِلِ.
قَالَ: وَاللهِ لَا تُؤْمِنُ يَا شَعْبِيُّ حَتَّى تَرَى العَذَابَ الأَلِيْمَ.
وَقِيْلَ: كَانَ رَجُلٌ يَقُوْلُ: قَدْ وُضِعَ لَنَا اليَوْمَ وَحْيٌ، مَا سَمِعَ النَّاسُ بِمِثْلِهِ؛ فِيْهِ نَبَأُ مَا يَكُوْنُ.
وَعَنْ مُوْسَى بنِ عَامِرٍ، قَالَ: إِنَّمَا كَانَ يَضَعُ لَهُم عَبْدُ اللهِ بنُ نَوْفٍ، وَيَقُوْلُ:
إِنَّ المُخْتَارَ أَمَرَنِي بِهِ، وَيَتَبَرَّأُ مِنْ ذَلِكَ المُخْتَارُ.
فَقَالَ سُرَاقَةُ البَارِقِيُّ:
(1) تحرف في المطبوع إلى " السباسبة " والسبائية: أتباع عبد الله بن سبأ.
(2)
أورده المؤلف في " تاريخه " 2 / 373 من طريق ابن المبارك، عن إسحاق بن يحيى بن طلحة، حدثتي معبد بن خالد، حدثني طفيل بن جعدة بن هبيرة.. (3) تحرف في المطبوع إلى " ففرقت ".
(4)
قال ياقوت: الخازر: بعد الالف زاي مكسورة، وهو نهر بين إربل والموصل، ثم بين الزاب الأعلى والموصل، وهو موضع كانت عنده وقعة بين عبيد الله بن زياد، وإبراهيم بن مالك الاشتر النخعي في أيام المختار في سنة 67 هـ.
وانظر تفصيلها في " تاريخ الإسلام " 2 / 375 وما بعدها للمؤلف.
كَفَرْتُ بِوَحْيِكُم وَجَعَلْتُ نَذْراً
…
عَلَيَّ هِجَاءكُم حَتَّى المَمَاتِ
أُرِي عَيْنَيَّ مَا لَمْ تَرْأَيَاهُ
…
كِلَانَا عَالِمٌ بِالتُّرَّهَاتِ
وَوَقَعَ المَصَافُّ، فَقُتِلَ ابْنُ زِيَادٍ، قَدَّهُ ابْنُ الأَشْتَرِ نِصْفَيْنِ.
وَكَانَ بَطَلَ النَّخَعِ، وَفَارِسَ اليَمَانِيَّةِ، فَدَخَلَ المَوْصِلَ، وَاسْتَوْلَى عَلَى الجَزِيْرَةِ.
ثُمَّ وَجَّهَ المُخْتَارُ أَرْبعَةَ آلَافِ فَارِسٍ فِي نَصْرِ مُحَمَّدِ ابْنِ الحَنَفِيَّةِ، فَكَلَّمُوا ابْنَ الزُّبَيْرِ، وَأَخْرَجُوهُ مِنَ الشِّعْبِ، وَأَقَامُوا فِي خِدْمَتِه أَشْهُراً، حَتَّى بَلَغَهُم قَتْلُ المُخْتَارِ، فَإِنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ عَلِمَ مَكْرَهُ، فَنَدَبَ لِحَرْبِهِ أَخَاهُ مُصْعَباً.
فَقَدِمَ مُحَمَّدُ بنُ الأَشْعَثِ، وَشَبَثُ (1) بنُ رِبْعِيٍّ إِلَى البَصْرَةِ يَسْتَصْرِخَانِ النَّاسَ عَلَى الكَذَّابِ، ثُمَّ الْتَقَى مُصْعَبٌ وَجَيْشُ المُخْتَارِ، فَقُتِلَ ابْنُ الأَشْعَثِ، وَعُبَيْدُ اللهِ بنُ عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ، وَانْفَلَّ الكُوْفِيُّوْنَ، فَحَصَرَهُم مُصْعَبٌ فِي دَارِ الإِمَارَةِ.
فَكَانَ المُخْتَارُ يَبْرُزُ فِي فُرْسَانِهِ، وَيُقَاتِلُ، حَتَّى قَتَلَهُ طَرِيْفٌ الحَنَفِيُّ وَأَخُوْهُ طَرَّافٌ، فِي رَمَضَانَ، سَنَةَ سَبْعٍ وَسِتِّيْنَ، وَأَتَيَا بِرَأْسِهِ مُصْعَباً، فَوَهَبَهُمَا ثَلَاثِيْنَ أَلْفاً، وَقُتِلَ مِنَ الفَرِيْقَيْنِ سَبْعُ مائَةٍ.
وَقِيْلَ: كَانَ المُخْتَارُ فِي عِشْرِيْنَ أَلْفاً.
ثُمَّ إِنَّ مُصْعَباً أَسَاءَ، فَأَمَّنَ بِقَصْرِ الإِمَارَةِ خَلْقاً، ثُمَّ قَتَلَهُم غَدْراً، وَذُبِحَتْ عَمْرَةُ بِنْتُ النُّعْمَانِ بنِ بَشِيْرٍ صَبْراً، لأَنَّهَا شَهِدَتْ أَنَّ زَوْجَهَا المُخْتَارَ عَبْدٌ صَالِحٌ.
وَأَقْبَلَ فِي نَجْدَةِ مُصْعَبٍ المُهَلَّبُ بنُ أَبِي صُفْرَةَ فِي الرِّجَالِ وَالأَمْوَالِ.
وَلَمَّا خُذِلَ المُخْتَارُ، قَالَ لِصَاحِبِهِ: مَا مِنَ المَوْتِ بُدٌّ، وَحَبَّذَا مَصَارِعُ الكِرَامِ.
وَقَلَّ عَلَيْهِ القُوْتُ فِي الحِصَارِ وَالمَاءُ، وَجَاعُوا فِي القَصْرِ، فَبَرَزَ المُخْتَارُ لِلْمَوْتِ فِي تِسْعَةَ عَشَرَ مُقَاتِلاً.
فَقَالَ المُخْتَارُ: أَتُؤَمِّنُوْنِي؟
قَالُوا: لَا، إِلَاّ عَلَى الحُكْمِ.
قَالَ: لَا أُحَكِّمُ فِي
(1) تحرفت في المطبوع إلى " شئيت ".
نَفْسِي.
وَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ، وَأَمْكَنَ أَهْلُ القَصْرِ مِنْ أَنْفُسِهِم، فَبَعَثَ إِلَيْهِم عَبَّادَ بنَ حُصَيْنٍ، فَكَانَ يُخْرِجُهُم مُكَتَّفِيْنَ، وَيَقْتُلُهُم.
فَقَالَ رَجُلٌ لِمُصْعَبِ بنِ الزُّبَيْرِ: الحَمْدُ للهِ الَّذِي ابْتَلَانَا بِالأَسْرِ، وَابْتَلَاكَ أَنْ تَعْفُوَ، وَهُمَا مَنْزِلَتَانِ؛ إِحْدَاهُمَا رِضَى اللهِ، وَالأُخْرَى سَخَطُهُ، مَنْ عَفَا، عَفَا اللهُ عَنْهُ، وَمَنْ قَتَلَ، لَمْ يَأْمَنِ القِصَاصَ، نَحْنُ أَهْلُ قِبْلَتِكُم وَعَلَى مِلَّتِكُم، لَسْنَا تُرْكاً وَلَا دَيْلَماً، قَاتَلْنَا إِخْوَانَنَا كَمَا اقْتَتَلَ أَهْلُ الشَّامِ بَيْنَهُم، ثُمَّ اصْطَلَحُوا، وَقَدْ مَلَكْتُم، فَأَسْجِحُوا.
فَرَقَّ مُصْعَبٌ، وَهَمَّ أَنْ يَدَعَهُم، فَوَثَبَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ مُحَمَّدِ بنِ الأَشْعَثِ، وَقَالَ: اخْتَرْنَا أَوِ اخْتَرْهُم.
وَقَالَ آخَرُ: قُتِلَ أَبِي فِي خَمْسِ مائَةٍ مِنْ هَمْدَانَ وَتُخَلِّيْهِم؟!
وَسُمِرَتْ كَفُّ المُخْتَارِ إِلَى جَانِبِ المَسْجَدِ.
وَرَوَى: إِسْحَاقُ بنُ سَعِيْدٍ، عَنْ أَبِيْهِ، قَالَ:
جَاءَ مُصْعَبٌ يَزُوْرُ ابْنَ عُمَرَ، فَقَالَ: أَيْ عَمِّ! أَسْأَلُكَ عَنْ قَوْمٍ خَلَعُوا الطَّاعَةَ، وَقَاتَلُوا حَتَّى إِذَا غُلِبُوا، تَحَصَّنُوا، وَطَلَبُوا الأَمَانَ، فَأُعْطُوا، ثُمَّ قُتِلُوا.
قَالَ: كَمِ العَدَدُ؟
قَالَ: خَمْسَةُ آلَافٍ.
فَسَبَّحَ ابْنُ عُمَرَ، ثُمَّ قَالَ: يَا مُصْعَبُ! لَوْ أَنَّ امْرَءاً أَتَى مَاشِيَةَ الزُّبَيْرِ، فَذَبَحَ مِنْهَا خَمْسَةَ آلَافِ شَاةٍ فِي غَدَاةٍ، أَكُنْتَ تَعُدُّهُ مُسْرِفاً؟
قَالَ: نَعَمَ.
قَالَ: فَتَرَاهُ إِسْرَافاً فِي البَهَائِمِ، وَقَتَلْتَ مَنْ وَحَّدَ اللهَ، أَمَا كَانَ فِيهِم مُكْرَهٌ أَوْ جَاهِلٌ تُرْجَى تَوْبَتُهُ؟! اصْبُبْ يَا ابْنَ أَخِي مِنَ المَاءِ البَارِدِ مَا اسْتَطَعْتَ فِي دُنْيَاكَ.
وَقَدْ كَانَ المُخْتَارُ مُعْظِماً لابْنِ عُمَرَ، يُنْفِذُ إِلَيْهِ بِالأَمْوَالِ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ تَحْتَهُ صَفِيَّةُ أُخْتُ المُخْتَارِ.
وَنَشَأَ المُخْتَارُ بِالمَدِيْنَةِ، يُعْرَفُ بِالمَيْلِ إِلَى بَنِي هَاشِمٍ، ثُمَّ سَارَ إِلَى البَصْرَةِ يُظْهِرُ بِهَا ذِكْرَ الحُسَيْنِ فِي أَيَّامِ مُعَاوِيَةَ، فَأُخْبِرَ بِهِ عُبَيْدُ اللهِ بنُ زِيَادٍ، فَأُمْسِكَ، وَضَرَبَهُ مائَةً، وَدرَّعَهُ عَبَاءةً، وَنَفَاهُ إِلَى الطَّائِفِ.
فَلَمَّا عَاذَ ابْنُ الزُّبَيْرِ بِالبَيْتِ، خَرَجَ إِلَيْهِ.