الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
لمعانيه، موضحًا مشكله فاتحًا مقفله مقيدًا مهمله، وافيًا بتغليق تعليقه، كافيًا في إرشاد الساري لطريق تحقيقه، محررًا لرواياته معربًا عن غرائبه وخفياته، فأجدني أحجم عن سلوك هذا المسرى، وأبصرنى أقدّم رجلاً وأؤخر أخرى، إذ أنا بمعزل عن هذا المنزل، لا سيما وقد قيل إن أحدًا لم يستصبح سراجه ولا استوضح منهاجه ولا اقتعد صهوته ولا افترع ذروته، ولا تبوّأ خلاله ولا تفيأ ظلاله، فهو درّة لم تثقب ومهرة لم تركب، ولله درّ القائل:
أعيى فحول العلم حل رموز ما
…
أبداه في الأبواب من أسرار
فازوا من الأوراق منه بما جنوا
…
منها ولم يصلوا إلى الأثمار
ما زال بكرًا لم يفض ختامه
…
وعراه ما حلّت عن الأزرار
حجبت معانيه التي أوراقها
…
ضربت على الأبواب كالأستار
من كل باب حين يفتح بعضه
…
ينهار منه العلم كالأنهار
لا غرو أن أمسى البخاري للورى
…
مثل البحار لمنشأ الأمطار
خضعت له الأقران فيه إذ بدا
…
خرّوا على الأذقان والأكوار
ولم أزل على ذلك مدّة من الزمان، حتى مضى عصر الشباب وبان، فانبعث الباعث إلى ذلك راغبًا، وقام خطيبًا لبنات أبكار الأفكار خاطبًا، فشمرت ذيل العزم عن ساق الحزم، وأتيت بيوت التصنيف من أبوابها، وقمت في جامع جوامع التأليف بين أئمته بمحرابها، وأطلقت لسان القلم في ساحات الحكم بعبارة صريحة واضحة، وإشارة قريبة لائحة، لخصتها من كلام الكبراء الذين رقت في معارج علوم هذا الشأن أفكارهم، وإشارات الألباء الذين أنفقوا على اقتناص شوارده أعمارهم، وبذلت الجهد في تفهم أقاويل الفهماء المثار إليهم بالبنان، وممارسة الدواوين المؤلفة في هذا الشأن، ومراجعة الشيوخ الذين حازوا قصب السبق في مضماره، ومباحثة الحذاق الذين غاصوا على جواهر الفرائد في بحاره، ولم أتحاش عن الإعادة في الإفادة عند الحاجة إلى البيان، ولا في ضبط الواضح عند علماء هذا الشأن، قصدًا لنفع الخاص والعام، راجيًا ثواب ذي الطول والإنعام، فدونك شرحًا قد أشرقت عليه من شرفات هذا الجامع أضواء نوره اللامع، وصدع خطيبه على منبره السامي بالحجج القواطع، القلوب والمسامع، أضاءت بهجته فاختفت منه كواكب الدراري، وكيف لا وقد فاض عليه النور من فتح الباري. على أنني أقول كما قال الحافظ أبو بكر البرقاني:
وما لي فيه سوى أنني
…
أراه هوى وافق المقصدا
وأرجو الثواب بكتب الصلاة
…
على السيد المصطفى أحمدا
وبالجملة فإنما أنا من لوامع أنوارهم مقتبس، ومن فواضل فضائلهم ملتمس، وخدمت به الأبواب النبوية والحضرة المصطفوية، راجيًا أن يتوّجني بتاج القبول والإقبال، ويجيزني بجائزة الرضا في الحال والمآل. وسميته (إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري). والله أسال التوفيق والإرشاد إلى سلوك طرق السداد، وأن يعينني على التكميل، فهو حسبي ونعم الوكيل.
وهذه مقدمة، مشتملة على وسائل المقاصد يهتدي بها إلى الإرشاد السالك والقاصد، جامعة لفصول، هي لفروع قواعد هذا الشرح أصول.
الفصل الأوّل
في فضيلة أهل الحديث وشرفهم في القديم والحديث
أقول مستمدًا من الله الإعانة على التوفيق للإيضاح والإبانة: روينا عن ابن مسعود
رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "نضر الله امرءًا سمع مقالتي فحفظها ووعاها وأداها فربّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه ". رواه الشافعيّ والبيهقي وكذا أبو داود والترمذيّ بلفظ: "نضر الله امرءًا سمع منّا شيئًا فبلغه كما سمعه فربّ مبلغ أوعى من سامع". وقال الترمذي: حسن صحيح. وعن أبي سعيد الخدريّ رضي الله عنه عن النبي ّ-صلى الله عليه وسلم أنه قال في حجة الوداع: "نضر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها فربّ حامل فقه ليس بفقيه" الحديث. رواه البزار بإسناد حسن وابن حبان في صحيحه من حديث زيد بن ثابت، وكذا روي من حديث معاذ بن جبل والنعمان بن بشير وجبير بن مطعم وأبي الدرداء وأبي قرصافة وغيرهم من الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وبعض أسانيدهم صحيح، كما قاله المنذري، وقوله نضر الله بتشديد الضاد المعجمة وتخفف، والنضرة: الحسن والرونق، والمعنى خصّه الله تعالى بالبهجة والسرور لأنه سعى في نضارة العلم وتجديد السُّنَّة، فجازاه في دعائه له بما يناسب حاله في المعاملة. وأيضًا فإن من حفظ ما سمعه وأدّاه كما سمعه من غير تغيير، كأنه جعل المعنى غضًّا طريًّا، وخصّ الفقه بالذكر دون العلم إيذانًا بأنّ الحامل غير عار عن العلم إذ الفقه علم بدقائق العلوم المستنبطة من الأقيسة. ولو قال غير عالم لزم جهله. وقوله ربّ وضعت للتقليل، فاستعيرت في الحديث للتكثير. وقوله إلى من هو أفقه منه صفة لدخول رب استغنى بها عن جوابها، أي رب حامل فقه أدّاه إلى من هو أفقه منه لا يفقه ما يفقهه المحمول إليه.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اللهَّم ارحم خلفائي" قلنا يا رسول الله ومن خلفاؤك؟ قال: "الذين يروون أحاديثي ويعلمونها الناس". رواه الطبرانّي في الأوسط. ولا ريب أنَّ أداء السنن إلى المسلمين نصيحة لهم من وظائف الأنبياء صلوات الله وسلامه
عليهم أجمعين. فمن قام بذلك كان خليفة لن يبلغ عنه. وكما لا يليق بالأنبياء عليهم السلام أن يهملوا أعاديهم ولا ينصحوهم، كذلك لا يحسن لطالب الحديث وناقل السُّنن أن يمنحها صديقه ويضعها عدوّه، فعلى العالم بالسُّنَّة أن يجعل أكبر همه نشر الحديث، فقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالتبليغ عنه حيث قال:"بلغوا عني ولو آية" الحديث رواه البخاري رحمه الله. قال المظهري أي بلغوا عني أحاديثي ولو كانت قليلة. قال البيضاوي رحمه الله قال: "ولو آية" ولم يقل ولو حديثًا لأن الأمر بتبليغ الحديث يفهم منه بطريق الأولوية، فإن الآيات مع انتشارها وكثرة حملتها تكفل الله تعالى بحفظها وصونها عن الضياع والتحريف اهـ.
وقال إمام الأئمة مالك رحمه الله تعالى: بلغني أن العلماء يسألون يوم القيامة عن تبليغهم العلم كما تسأل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وقال سفيان الثوري: لا أعلم علمًا أفضل من علم الحديث لمن أراد به وجه الله تعالى، إن الناس يحتاجون إليه حتى في طعامهم وشرابهم، فهو أفضل من التطوّع بالصلاة والصيام لأنه فرض كفاية. وفي حديث أسامة بن زيد رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين". وهذا الحديث رواه من الصحابة عليّ وابن عمر وابن عمرو وابن مسعود وابن عباس وجابر بن سمرة ومعاذ وأبو هريرة رضي الله عنهم، وأورده ابن عديّ من طرق كثيرة كلها ضعيفة، كما صرّح به الدارقطني وأبو نعيم وابن عبد البرّ، لكن يمكن أن يتقوّى بتعدّد طرقه ويكون حسنًا كما جزم به ابن كيكلدي العلائي، وفيه تخصيص حملة السُّنَّة بهذه المنقبة العلية، وتعظيم لهذه الأمة المحمدية وبيان لجلالة قدر المحدّثين وعلوّ مرتبتهم في العالين، لأنهم يحمون مشارع الشريعة ومتون الروايات من تحريف الغالين وتأويل الجاهلين، بنقل النصوص المحكمة لرد المتشابه إليها.
وقال النووي في أوّل تهذيبه: هذا إخبار منه صلى الله عليه وسلم بصيانة هذا العلم وحفظه وعدالة ناقليه، وأن الله تعالى يوفق له في كل عصر خلفًا من العدول يحملونه وينفون عنه التحريف فلا يضيع، وهذا تصريح بعدالة حامليه في كل عصر. وهكذا وقع
ولله الحمد، وهو من أعلام النبوّة، ولا يضرّ كون بعض الفسّاق يعرف شيئًا عن علم الحديث، فإن الحديث إنما هو إخبار بأن العدول يحملونه لا أنَّ غيرهم لا يعرف شيئًا منه اهـ.
على أنه قد يقال ما يعرفه الفسّاق من العلم ليس بعلم حقيقة لعدم عملهم، كما أشار إليه المولى سعد الدين التفتازانيّ في تقرير قول التلخيص: وقد ينزل العالم منزلة الجاهل، وصرّح به الإمام الشافعي في قوله: ولا العلم إلا مع التقى ولا العقل إلا مع الأدب. ولعمري إن هذا الشأن من أقوى أركان الدين وأوثق عُرى اليقين. لا يرغب في نشره إلا صادق تقيّ ولا يزهده إلا كل منافق شقيّ. قال ابن القطان: ليس في الدنيا مبتدع إلا وهو يبغض أهل الحديث. وقال الحاكم: لولا كثرة طائفة المحدثين على حفظ الأسانيد لدرس منار الإسلام ولتمكن أهل الإلحاد والبتدعة من وضع الأحاديث وقلب الأسانيد.
وعن عبد الله بن عمرو بن العاصي رضي الله عنه أن رسول الله قال: "العلم ثلاثة آية محكمة أو سُنّة قائمة أو فريضة عادلة وما سوى ذلك فهو فضل". رواه أبو داود وابن ماجة. قال في شرح المشكاة: والتعريف في العلم للعهد وهو ما علم من الشارع وهو العلم النافع في الدين، وحينئذ العلم مطلق فينبغي تقييده بما يفهم منه المقصود، فيقال علم الشريعة معرفة ثلاثة أشياء والتقسيم حاصر، وبيانه أن قوله آية محكمة يشتمل على معرفة كتاب الله تعالى وما يتوقف عليه معرفته، لأن المحكمة هي التي أحكمت عبارتها بأن حفظت من الاحتمال والاشتباه، فكانت أمّ الكتاب، فتحمل المتشابهات عليها وترد إليها، ولا يتم ذلك إلا للماهر الحاذق في علم التفسير والتأويل، الحاوي لمقدّمات يفتقر إليها من الأصلين وأقسام العربية، وقوله سُنّة قائمة، معنى قيامها ثباتها ودوامها بالمحافظة عليها من قامت السوق إذا نفقت، لأنها إذا حوفظ عليها كانت كالشيء النافق الذي تتوجّه إليه الرغبات ويتنافس فيه المخلصون بالطلبات، ودوامها إما أن يكون بحفظ أسانيدها من معرفة أسماء الرجال والجرح والتعديل، ومعرفة الأقسام من الصحيح والحسن والضعيف المتشعب منه أنواع كثيرة، وما يتصل بها من المتممات مما يسمى علم الاصطلاح مما يأتي في الفصل الثالث إن شاء الله تعالى. وإما أن يكون بحفظ متونها من التغيير والتبديل بالإتقان وتفهم معانيها واستنباط العلوم منها كما سيأتي إن شاء الله تعالى في هذا الشرح بعون الله سبحانه، لأن جلّها بل كلها من جوامع كلمه التي خصّ بها لا سيما هذه الكلمة الفاذّة الجامعة مع قصر متنها وقرب طرفيها علوم الأوّلين والآخرين. وقوله أو فريضة عادلة أي مستقيمة مستنبطة من الكتاب والسُّنة والإجماع. وقوله:"وما سوى ذلك فهو فضل" أي لا مدخل له في أصل علوم الدين، بل ربما يستعاذ منه حينًا كقوله:"أعوذ بك من علم لا ينفع" ولله درّ أبي بكر حميد القرطبيّ فلقد أحسن وأجاد حيث قال:
نور الحديث مبين فادن واقتبس
…
واحد الركاب له نحو الرضا الندس
واطلبه بالصين فهو العلم إن رفعت
…
أعلامه برباها يا ابن الدلس
فلا تضعْ في سوى تقييد شارده
…
عمرًا يفوتك بين اللحظ والنفس
وخل سمعك عن بلوى أخي جدل
…
شغل اللبيب بها ضرب من الهوس
ما إن سمت بأبي بكر ولا عمر
…
ولا أتت عن أبي هرّ ولا أنس
إلا هوى وخصومات ملفقة
…
ليست برطب إذا عدت ولا يبس
فلا يغرك من أربابها هذر
…
أجدى وجدك منها نغمة الجرس
أعرهم أذنًا صمًّا إذا نطقوا
…
وكن إذا سألوا تعزى إلى خرس
ما العلم إلا كتاب الله أو أثر
…
يجلو بنور هداه كل ملتبس
نور لمقتبس خير لملتمس
…
حمى لمحترس نعم لمبتئس