الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فِي الْيَقِظَةِ خِلَافُهُ كَالْأَمْرِ بِتَرْكِ وَاجِبٍ أَوْ مَنْدُوبٍ لَمْ يَجُزْ الْعَمَلُ بِهِ، وَإِنْ أَمَرَهُ بِشَيْءٍ لَمْ يَثْبُتْ عَنْهُ فِي الْيَقِظَةِ خِلَافُهُ اُسْتُحِبَّ الْعَمَلُ بِهِ. قُلْت: وَمِنْ ثَمَّ لَمْ يَجِبْ الْحَدُّ عَلَى مَنْ قَذَفَ امْرَأَةً بِأَنَّهَا وُطِئَتْ فِي النَّوْمِ، وَلَا عَلَيْهِ إذَا أَقَرَّ أَنَّهُ زَنَى فِي النَّوْمِ.
وَذَكَرَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ ": أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِرَجُلٍ إنَّهُ وَطِئَ أُمَّهُ فِي النَّوْمِ، فَحَمَلَهُ إلَى عَلِيٍّ رضي الله عنه، فَقَالَ: أَقِمْهُ فِي الشَّمْسِ، وَاضْرِبْ ظِلَّهُ. قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَلَسْنَا نَقُولُ بِهِ.
[فَصْلٌ فِي مَرَاتِبِ الْعُلُومِ]
قَالَ أَئِمَّتُنَا: مَرَاتِبُ الْعُلُومِ عَشَرَةٌ: الْأُولَى: عِلْمُ الْإِنْسَانِ بِنَفْسِهِ، وَصِفَاتِهِ وَكَلَامِهِ، وَلِذَاتِهِ. الثَّانِيَةُ: الْعِلْمُ الضَّرُورِيُّ بِاسْتِحَالَةِ الْمُسْتَحِيلَاتِ، وَانْحَطَّتْ هَذِهِ عَنْ الْأُولَى لِلْحَاجَةِ فِيهَا إلَى الْفِكْرِ فِي ذَوَاتِ الْمُتَضَادَّاتِ وَتَضَادِّهَا. الثَّالِثَةُ: الْعِلْمُ بِالْمُحَسَّاتِ وَانْحَطَّتْ عَنْ الثَّانِيَةِ، لِتَطَرُّقِ الْآفَاتِ إلَى الْحَوَاسِّ. الرَّابِعَةُ: الْعِلْمُ الْحَاصِلُ عَقِبَ خَبَرِ التَّوَاتُرِ، وَانْحَطَّتْ عَمَّا قَبْلَهَا
لِإِمْكَانِ. التَّوَاطُؤِ عَلَى الْمُخْبِرِينَ، وَأَيْضًا لَا بُدَّ مِنْ فِكْرٍ. وَلِهَذَا قَالَ الْكَعْبِيُّ: إنَّ الْعِلْمَ عَقِبَهُ نَظَرِيٌّ. الْخَامِسَةُ: الْعِلْمُ بِالْحِرَفِ وَالصِّنَاعَاتِ، وَانْحَطَّتْ لِمَا فِيهَا مِنْ الْمُعَانَاةِ وَالْمَقَاسَاتِ وَتَوَقُّعِ الْغَلَطَاتِ. السَّادِسَةُ: الْعِلْمُ الْمُسْتَنِدُ إلَى قَرَائِنِ الْأَحْوَالِ، كَخَجَلِ الْخَجِلِ، وَكَوَجَلِ الْوَجِلِ، وَغَضَبِ الْغَضْبَانِ، وَانْحَطَّتْ لِتَعَارُضِ الِاحْتِمَالَاتِ فِي مَحَالِّ الْأَحْوَالِ. السَّابِعَةُ: الْعِلْمُ الْحَاصِلُ بِالْأَدِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ وَانْحَطَّتْ؛ لِأَنَّ النَّظَرِيَّ مُنْحَطٌّ عَنْ الضَّرُورِيِّ. الثَّامِنَةُ: الْعِلْمُ بِجَوَازِ النُّبُوَّاتِ، وَجَوَازِ وُرُودِ الشَّرَائِعِ. التَّاسِعَةُ: الْعِلْمُ بِالْمُعْجِزَاتِ إذَا وَقَعَتْ. الْعَاشِرَةُ: الْعِلْمُ بِوُقُوعِ السَّمْعِيَّاتِ وَمُسْتَنَدُهَا الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ.
وَهُنَا أُمُورٌ: أَحَدُهَا: الْعِلْمُ النَّظَرِيُّ يَنْضَبِطُ بِالضَّابِطِ سَبَبُهُ الذِّهْنُ قَبْلَهُ، وَالْعِلْمُ الْعَادِيُّ يُخَلِّي الْعَكْسَ لَا يَنْضَبِطُ سَبَبُهُ حَتَّى يَحْصُلَ هُوَ فَإِذَا حَصَلَ عَلِمْنَا أَنَّ سَبَبَهُ قَدْ كَمُلَ، وَلَوْ رُوجِعْنَا فِي أَوَّلِ زَمَنِ كَمَالِهِ لَمْ يَكُنْ لَنَا شُعُورٌ بِهِ حَالَةَ الْعِلْمِ بِالْمُتَوَاتِرَاتِ، فَإِنَّ السَّامِعَ لَا يَزَالُ يَتَرَقَّى فِي الظُّنُونِ تَرَقِّيًا خَفِيًّا حَتَّى يَنْتَهِيَ إلَى عَدَدٍ حَصَلَ عِنْدَهُ الْعِلْمُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَلَوْ قِيلَ لَهُ: أَيُّ عَدَدٍ حَصَلَ
لَك عِنْدَهُ الْعِلْمُ؟ لَمْ يَفْطِنْ لِذَلِكَ.
وَكَذَلِكَ الْعُلُومُ الْعَادِيَّةُ بِجُمْلَتِهَا. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مِنْ الْعُلُومِ مَا يَقُومُ بِالنَّفْسِ وَلَا تَشْعُرُ النَّفْسُ بِهِ أَوَّلَ قِيَامِهِ، وَهُوَ مِنْ الْعَجَبِ. الثَّانِي: أَنَّ هَذِهِ الْعُلُومَ تَتَفَاوَتُ كَمَا بَيَّنَّا، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْبَدِيهِيَّاتِ وَالْحِسِّيَّاتِ رَاجِحَةٌ عَلَى النَّظَرِيَّاتِ، وَأَمَّا أَنَّ الْبَدِيهِيَّاتِ تَتَرَجَّحُ عَلَى الْحِسِّيَّاتِ أَوْ الْعَكْسُ، فَمَحَلُّ نَظَرٌ. وَيُمْكِنُ أَنْ يَتَرَجَّحَ بَعْضُ الْبَدِيهِيَّاتِ عَلَى بَعْضٍ، وَكَذَا الضَّرُورِيَّاتُ وَالنَّظَرِيَّاتُ، فَإِنَّ كُلَّ مَا كَانَ مُقَدِّمَاتُهُ أَجْلَى وَأَقَلَّ كَانَ رَاجِحًا عَلَى مَا لَيْسَ كَذَلِكَ، وَلِهَذَا يَجِدُ الْإِنْسَانُ تَفْرِقَةً بَيْنَ عِلْمِهِ بِأَنَّ الْوَاحِدَ نِصْفُ الِاثْنَيْنِ، وَأَنَّ الْكُلَّ أَعْظَمُ مِنْ الْجُزْءِ، وَبَيْنَ عِلْمِهِ بِثُبُوتِ الْجَوْهَرِ الْفَرْدِ وَالْخَلَاءِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ الْمَسَائِلِ النَّظَرِيَّةِ الْيَقِينِيَّةِ مَعَ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَقِينِيًّا عَلَى اعْتِقَادِهِ. لَا يُقَالُ: إنَّهُ وَإِنْ اعْتَقَدَ ذَلِكَ فِي نَفْسِهِ لَكِنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: يَلْزَمُ مِثْلُهُ فِي كُلِّ نَظَرِيٍّ، فَلَمْ يَحْصُلْ الْجَزْمُ بِشَيْءٍ مِنْهَا. الثَّالِثُ: قَالَ الْإِمَامُ فِي بَابِ الْأَخْبَارِ مِنْ الْبُرْهَانِ ": الْعُلُومُ الْحَاصِلَةُ عَنْ حُكْمِ الْعَادَاتِ مَبْنِيَّةٌ عَلَى قَرَائِنِ الْأَحْوَالِ، وَلَا تَنْضَبِطُ انْضِبَاطَ الْمَحْدُودَاتِ، وَهَذَا كَالْعِلْمِ بِخَجَلِ الْخَجِلِ، وَوَجِلِ الْوَجِلِ، وَغَضَبِ الْغَضْبَانِ، فَإِذَا وُجِدَتْ هَذِهِ الْقَرَائِنُ تَرَتَّبَ عَلَيْهَا عُلُومٌ بَدِيهِيَّةٌ لَا يَأْبَاهَا إلَّا جَاحِدٌ، وَلَوْ رَامَ وَاجِدُهَا ضَبْطَهَا لَمْ يَقْدِرْ