الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[حُكْمُ الْأَعْيَانِ الْمُنْتَفَعِ بِهَا قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ]
إذَا ثَبَتَ هَذَا فَنَقُولُ: فِي الْأَعْيَانِ الْمُنْتَفَعِ بِهَا قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ مَذَاهِبُ: أَحَدُهَا: أَنَّهَا عَلَى الْإِبَاحَةِ، وَبِهِ قَالَ مُعْتَزِلَةُ الْبَصْرَةِ.، وَأَهْلُ الرَّأْيِ وَأَهْلُ الظَّاهِرِ كَمَا قَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ. وَقَالَ أَبُو زَيْدٍ الدَّبُوسِيُّ فِي تَقْوِيمِ الْأَدِلَّةِ ": إنَّهُ قَوْلُ عُلَمَاءِ الْحَنَفِيَّةِ. وَقَالَ ابْنُ بَرْهَانٍ: إنَّهُ الصَّحِيحُ عِنْدَ الْمُعْتَزِلَةِ. وَحَكَاهُ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ فِي الْقَوَاطِعِ " عَنْ الْقَاضِي أَبِي حَامِدٍ الْمَرُّوذِيّ وَعَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ مِنْ أَصْحَابِنَا. قَالَ: وَحُكِيَ عَنْ ابْنِ سُرَيْجٍ أَيْضًا. وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَكْثَرِ الْمُعْتَزِلَةِ وَحَكَاهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الزُّبَيْرِيِّ مِنْ قُدَمَاءِ أَصْحَابِنَا فِي كِتَابِهِ عَنْ كَثِيرٍ مِنْ أَصْحَابِنَا مِنْهُمْ أَبُو الطَّيِّبِ بْنُ الْخَلَّالِ وَغَيْرُهُ. وَحَكَاهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ الطَّبَرِيُّ عَنْ الْقَاضِي أَبِي حَامِدٍ وَحَكَاهُ سُلَيْمٌ الرَّازِيَّ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ، وَابْنِ سُرَيْجٍ، وَأَكْثَرِ الْحَنَفِيَّةِ، وَأَهْلِ الظَّاهِرِ. وَحَكَاهُ عَبْدُ الْوَهَّابِ وَالْبَاجِيُّ عَنْ أَبِي الْفَرَجِ الْمَالِكِيِّ.
وَقَالَ صَاحِبُ الْمَصَادِرِ " اخْتَارَهُ الشَّرِيفُ الْمُرْتَضَى، وَهُوَ الصَّحِيحُ. وَقَالَ صَاحِبُ الْوَاضِحِ " مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ: إنَّهُ قَوْلُ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ وَالْمُسْلِمِينَ، وَبِهِ قَالَ أَبُو عَلِيٍّ وَابْنُهُ أَبُو هَاشِمٍ الْجُبَّائِيَّانِ، وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْبَصْرِيُّ، وَنَصَرَهُ عَبْدُ الْجَبَّارِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهَا عَلَى الْحَظْرِ، وَبِهِ قَالَ مُعْتَزِلَةُ بَغْدَادَ. وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الزُّبَيْرِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا: إنَّهُ الْحَقُّ. وَبِهِ قَالَ أَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَعَلِيُّ بْنُ أَبَانَ الطَّبَرِيُّ، وَأَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْقَطَّانِ: وَمِمَّنْ حَكَاهُ عَنْ ابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَسُلَيْمٌ الرَّازِيَّ. وَحَكَاهُ أَيْضًا عَنْ بَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ. قَالَ: إلَّا أَنَّهُمْ خَصُّوا التَّنَفُّسَ بِالْهَوَاءِ وَالِانْتِقَالِ مِنْ مَكَان إلَى مَكَان فَقَالُوا: هُوَ عَلَى الْإِبَاحَةِ، وَحُكِيَ عَنْ الْمَالِكِيَّةِ، وَفُهِمَ مِنْ مَذْهَبِ عَبْدِ الْمَلِكِ فِي الْمَوَّازِيَّةِ "، وَقَدْ سُئِلَ عَنْ الطِّفْلِ هَلْ هُوَ حَلَالٌ؟ فَقَالَ: لَا: إنَّ اللَّهَ لَمْ يُحِلَّهُ. وَقَالَ صَاحِبُ الْمَصَادِرِ ": اخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِالْحَظْرِ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ كُلُّ مَا لَا يَقُومُ الْبَدَنُ إلَّا بِهِ وَلَا يَتِمُّ الْعَيْشُ إلَّا مَعَهُ عَلَى الْإِبَاحَةِ، وَمَا عَدَاهُ عَلَى الْحَظْرِ، وَمِنْهُمْ مَنْ سَوَّى بَيْنَ الْكُلِّ فِي الْحَظْرِ. انْتَهَى.
وَهُوَ كَمَا قَالَ مِنْ وُجُودِ الْخِلَافِ. فَقَدْ قَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ الْإسْفَرايِينِيّ فِي شَرْحِ التَّرْتِيبِ ": كَانَ أَوَائِلُ الْقَدَرِيَّةِ يُطْلَقُ أَنَّ الْبَغْدَادِيِّينَ أَنَّهَا عَلَى الْحَظْرِ، وَالْبَصْرِيِّينَ عَلَى الْإِبَاحَةِ. وَفَصَّلَهُ أَبُو هَاشِمٍ، وَكَانَ مُوَفَّقًا فِي تَحْقِيقِ الْمَذَاهِبِ، فَقَالَ: الْأَشْيَاءُ قَبْلَ الشَّرْعِ عِنْدَ الْبَغْدَادِيِّينَ كَالْكَعْبِيِّ وَأَتْبَاعِهِ عَلَى الْحَظْرِ، فِي مَا عَدَا مَا لِلْإِنْسَانِ مِنْهُ فِكَاكٌ وَلَا يُضْطَرُّ إلَيْهِ، فَأَمَّا مَا يَكُونُ مُضْطَرًّا كَالتَّنَفُّسِ وَالْكَوْنِ فَلَا.
قَالَ الْأُسْتَاذُ: وَكَانَ الدَّقَّاقُ مِمَّنْ يُنْسَبُ إلَى أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ يَذْهَبُ مَذْهَبَ الْكَعْبِيِّ وَيَقُولُ: إنَّهَا عَلَى الْحَظْرِ، وَكَانَ أَبُو حَامِدٍ مِنْ أَجِلَّاءِ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ يَذْهَبُ مَذْهَبَ الْبَصْرِيِّينَ وَيَقُولُ: إنَّهَا عَلَى الْإِبَاحَةِ، وَإِنَّمَا بَيَّنَّا مَذْهَبَهُمَا عَلَى أُصُولِ الِاعْتِزَالِ، فَنَظَرَ إلَى أَقَاوِيلِهِمَا مَنْ لَا مَعْرِفَةَ لَهُ بِالْأُصُولِ، فَظَنَّهُمَا مِنْ أَصْحَابِنَا لِانْتِسَابِهِمَا فِي الْفُرُوعِ إلَى الشَّافِعِيِّ وَهُوَ أَبُو عَلِيٍّ الطَّبَرِيُّ.
[أَفْعَالُ الْعُقَلَاءِ قَبْلَ الشَّرْعِ] قَالَ: وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي أَفْعَالِ الْعُقَلَاءِ قَبْلَ الشَّرْعِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إنَّهَا عَلَى الْحَظْرِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: عَلَى الْإِبَاحَةِ. اهـ. وَحَكَى الْبَاجِيُّ الْقَوْلَ بِالْحَظْرِ عَنْ الْأَبْهَرِيِّ، وَحَكَى عَبْدُ الْوَهَّابِ عَنْهُ الْوَقْفَ. الثَّالِثُ: أَنَّهَا عَلَى الْوَقْفِ لَا نَقُولُ: إنَّهَا مُبَاحَةٌ وَلَا مَحْظُورَةٌ. وَقَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ فِي الْقَوَاطِعِ ": وَهُوَ قَوْلُ كَثِيرٍ مِنْ أَصْحَابِنَا مِنْهُمْ أَبُو بَكْرٍ الصَّيْرَفِيُّ وَالْفَارِسِيُّ وَأَبُو عَلِيٍّ الطَّبَرِيُّ. وَبِهِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيُّ وَأَتْبَاعُهُ وَكَذَا حَكَاهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ الطَّبَرِيُّ. وَبِهِ قَالَ بَعْضُ الْمُعْتَزِلَةِ، وَحَكَاهُ ابْنُ حَزْمٍ عَنْ أَهْلِ الظَّاهِرِ.
وَقَالَ: إنَّهُ الْحَقُّ الَّذِي لَا يَجُوزُ غَيْرُهُ إلَّا أَنَّ طَرِيقَ الْوَقْفِ مُخْتَلِفٌ، فَعِنْدَنَا لِعَدَمِ دَلِيلِ الثُّبُوتِ وَهُوَ الْخَبَرُ عَنْ اللَّهِ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ عِبَارَةٌ عَنْ الْخِطَابِ فَحَيْثُ لَا خِطَابَ لَا حُكْمَ. وَقِيلَ: لِأَنَّهُ لَيْسَ لِلَّهِ هُنَاكَ حُكْمٌ أَصْلًا. وَالْحَقُّ أَنَّهُ لَا بُدَّ لِهَذِهِ الْأَفْعَالِ مِنْ حُكْمٍ عِنْدَ اللَّهِ، وَقَدْ تَعَذَّرَ الْوُقُوفُ عَلَيْهِ لِخَفَائِهِ، فَيُوقَفُ فِي الْجَوَابِ إلَى الشَّرْعِ.
[سَبَبُ الْوَقْفِ عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِهِ] وَالْقَائِلُونَ بِالْوَقْفِ اخْتَلَفُوا فِي سَبَبِهِ: فَقَالَتْ الْأَشَاعِرَةُ: لِأَنَّ الْوُجُوبَ وَغَيْرَهُ مِنْ الْأَحْكَامِ أُمُورٌ شَرْعِيَّةٌ وَلَا شَرْعَ فَتَنْتَفِي هَذِهِ الْأَحْكَامُ. وَقَالَ بَعْضُ الْمُعْتَزِلَةِ: لِعَدَمِ الدَّلَالَةِ عَلَى أَحَدِهَا مَعَ تَجْوِيزِ أَنْ يَكُونَ الْعَقْلُ دَلِيلًا بِالْوَقْفِ لِأَجَلِ عَدَمِ الدَّلِيلِ. حَكَاهُ صَاحِبُ الْمَصَادِرِ " وَقَوَّاهُ وَنَقَلَهُ عَنْ الْمُفِيدِ مِنْ الشِّيعَةِ. وَقَالَ الْبَاجِيُّ: إنَّهُ قَوْلُ أَكْثَرِ أَصْحَابِهِمْ، وَنَقَلَهُ عَبْدُ الْوَهَّابِ فِي الْمُلَخَّصِ " عَنْ ابْنِ عَتَّابٍ. قَالَ: وَكَانَ يَحْكِيهِ عَنْ الْقَاضِي إسْمَاعِيلَ. وَبِهِ قَالَ أَبُو بَكْرٍ الْأَبْهَرِيُّ وَالصَّيْرَفِيُّ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَصْحَابِنَا الْمُتَكَلِّمِينَ.
وَقَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ: مَعْنَى الْوَقْفِ عِنْدَنَا أَنَّا إذَا سَبَرْنَا أَدِلَّةَ الْعُقُولِ دَلَّتْنَا عَلَى أَنَّهُ لَا وَاجِبَ عَلَى أَحَدٍ قَبْلَ الشَّرْعِ فِي التَّرْكِ وَالْفِعْلِ. ثُمَّ الْفَرْقُ بَيْنَ قَوْلِهِمْ وَقَوْلِ أَصْحَابِ أَهْلِ الْإِبَاحَةِ: أَنَّ الْقَائِلِينَ بِالْوَقْفِ عِنْدَهُمْ كُلُّ مَنْ اعْتَقَدَ فِيهِ نَوْعًا مِنْ الِاعْتِقَادِ لَمْ يَتَوَجَّهْ عَلَيْهِ الذَّمُّ، وَالْقَائِلُونَ بِالْإِبَاحَةِ لَا يُجَوِّزُونَ اعْتِقَادَ الْحَظْرِ فِي الْإِبَاحَةِ، وَمَنْ قَالَهُ وَاعْتَقَدَهُ فَقَدْ أَخْطَأَ وَتَوَجَّهَ عَلَيْهِ الذَّمُّ. انْتَهَى.
فَظَنَّ سُلَيْمٌ الرَّازِيَّ اتِّحَادَ الْمَذْهَبَيْنِ. فَقَالَ: إنَّ الْقَائِلِينَ بِالْوَقْفِ قَالُوا: إنَّ مَنْ تَأَوَّلَ شَيْئًا أَوْ فَعَلَ فِعْلًا لَا يُوصَفُ بِأَنَّهُ أَثِمَ حَتَّى يَدُلَّ دَلِيلُ الشَّرْعِ عَلَيْهِ، فَكَأَنَّهُمْ وَافَقُوا فِي الْحُكْمِ وَخَالَفُوا فِي الِاسْمِ. وَسَيَأْتِي مِثْلُهُ عَنْ الْقَاضِي عَبْدِ الْوَهَّابِ. وَقَالَ الْأُسْتَاذُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: ذَهَبَ أَهْلُ الْحَقِّ إلَى أَنَّ فِي الْعَقْلِ بِمُجَرَّدِهِ دَلِيلًا عَلَى أَنْ لَا وَاجِبَ عَلَى الْإِنْسَانِ قَبْلَ بَعْثَةِ الرُّسُلِ، وَأَنَّ لِلَّهِ أَنْ يُوجِبَ عَلَيْنَا مَا شَاءَ مِمَّا أَمْكَنَ بِرَسُولٍ بَعَثَهُ. قَالُوا: وَلَوْ اسْتَدَلَّ مُسْتَدِلٌّ مِنْ غَيْرِ وُجُوبٍ عَلَيْهِ أَمْكَنَهُ الْوُصُولُ إلَى جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَاهُ بِمَا نَصَبَهُ عَلَيْهِ مِنْ الْأَدِلَّةِ، وَيَسْتَحِيلُ قَلْبُهَا عَمَّا هِيَ عَلَيْهَا. قَالَ: وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِمْ: إنَّ أَفْعَالَ الْعِبَادِ عَلَى الْوَقْفِ قَبْلَ الشَّرْعِ. وَتَفْسِيرُهُ: أَنَّ كُلَّ مَنْ فَعَلَ شَيْئًا قَبْلَ وُرُودِ الرُّسُلِ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فَلَا يُقْطَعُ لَهُ بِثَوَابٍ وَلَا عِقَابٍ. قُلْت: وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْوَقْفِ انْتِفَاءُ الْحُكْمِ لَا التَّرَدُّدُ فِي أَنَّ الْأَمْرَ مَا هُوَ؟ أَبُو نَصْرِ بْنُ الْقُشَيْرِيّ، وَأَبُو الْفَتْحِ بْنُ بَرْهَانٍ. فَقَالَ: الْقَائِلُونَ بِالْوَقْفِ لَمْ يُرِيدُوا بِهِ أَنَّ الْوَقْفَ حُكْمٌ ثَابِتٌ وَلَكِنْ عَنَوْا بِهِ عَدَمَ الْحُكْمِ.
وَقَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ فِي الْقَوَاطِعِ ": لَيْسَ مَعْنَى الْوَقْفِ أَنَّهُ يُحْكَمُ بِهِ؛ لِأَنَّ الْوَقْفَ حُكْمُ نَقْلِ الْحَظْرِ وَالْإِبَاحَةِ، وَالْمَانِعُ مِنْ الْقَوْلِ بِالْحَظْرِ وَالْإِبَاحَةِ مَانِعٌ مِنْ الْقَوْلِ بِالْوَقْفِ، وَإِنَّمَا مَعْنَى الْوَقْفِ أَنَّهُ لَا يُحْكَمُ لِلشَّيْءِ بِحَظْرٍ وَلَا إبَاحَةٍ لَكِنْ يُتَوَقَّفُ فِي الْحُكْمِ لِشَيْءٍ مَا إلَى أَنْ يَرِدَ بِهِ الشَّرْعُ. قَالَ: وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى أَنَّ الْعَقْلَ بِمُجَرَّدِهِ لَا يَدُلُّ عَلَى حُسْنٍ وَلَا قُبْحٍ وَإِنَّمَا ذَلِكَ مَوْكُولٌ إلَى الشَّرْعِ. فَنَقُولُ: الْمُبَاحُ مَا أَبَاحَهُ الشَّرْعُ، وَالْمَحْظُورُ مَا حَظَرَهُ، فَإِذَا لَمْ يَرِدْ الشَّرْعُ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا لَمْ يَبْقَ إلَّا الْوَقْفُ إلَى أَنْ يَرِدَ السَّمْعُ بِحُكْمٍ فِيهِ. اهـ. وَقَالَ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ فِي الْمُلَخَّصِ ": تَأْوِيلُ قَوْلِ أَصْحَابِنَا الْوَقْفُ لَا يَرْجِعُ إلَى إثْبَاتِ صِفَةٍ هِيَ عَلَيْهَا فِي الْعَقْلِ وَلَكِنْ إلَى أَنَّ التَّصَرُّفَ فِيهَا غَيْرُ مَحْكُومٍ بِأَنَّهُ مُبَاحٌ أَوْ مَحْظُورٌ خِلَافًا لِمَنْ اعْتَقَدَ أَنَّهُ مَحْكُومٌ لَهُ بِأَحَدِ الْأَمْرَيْنِ. فَعَبَّرْنَا عَنْ نَفْيِ الْحُكْمِ بِأَنَّهُمَا عَلَى الْوَقْفِ. وَلَا مَعْنَى لِقَوْلِ مَنْ قَالَ: إذَا كَانَ هَذَا مِنْ حُكْمِهَا ثَابِتًا عِنْدَكُمْ فِي الْعَقْلِ فَقَدْ جَعَلْتُمْ لَهَا حُكْمًا ثَالِثًا فِي الْعَقْلِ، وَأَنَّ ذَلِكَ نَقْضٌ لِقَوْلِكُمْ: لَا حُكْمَ لَهَا فِي الْعَقْلِ؛ لِأَنَّ غَرَضَنَا مِنْ ذَلِكَ مَا ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّهُ لَا حُكْمَ لَهَا بِحَظْرٍ وَلَا إبَاحَةٍ وَهَذَا خِلَافٌ فِي عِبَارَةٍ. انْتَهَى.
وَاعْلَمْ أَنَّ أَبَا الْحُسَيْنِ بْنَ الْقَطَّانِ حَكَى فِي الْمَسْأَلَةِ أَرْبَعَةَ مَذَاهِبَ: الْإِبَاحَةَ وَالْحَظْرَ، وَالثَّالِثَ: الْوَقْفَ عَلَى الْأَدِلَّةِ، فَمَا قَامَ عَلَيْهِ الدَّلِيلُ وَنَفَى النَّافِي عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهَا. قَالَ: وَهُوَ قَوْلُ مَنْ قَالَ: إنَّهَا لَيْسَتْ مَحْظُورَةً وَلَا مُبَاحَةً. وَالرَّابِعُ: أَنَّ الْإِبَاحَةَ تَحْتَاجُ إلَى مُبِيحٍ وَالْحَظْرَ يَحْتَاجُ إلَى حَاظِرٍ فَيُشِيرُ بِمَا يُوجِبُ حُكْمَهُ فِيهِمَا. انْتَهَى.
وَهَذَا الْخِلَافُ إنَّمَا هُوَ فِي تَفْسِيرِ الْوَقْفِ كَمَا سَبَقَ. ثُمَّ قَالَ: وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ: إنَّ تَحْرِيكَ الْيَدِ وَنَحْوَهُ قَدْ حَصَلَ الْإِذْنُ فِيهِ بِالْعَقْلِ؛ لِأَنَّ الْجَوَارِحَ لَا تَنْفَكُّ مِنْ حَرَكَةٍ. ثُمَّ نَقَلَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصَّيْرَفِيِّ
أَنَّهُ كَانَ يَذْهَبُ إلَى بُطْلَانِ الْعَقْلِ، وَأَنَّ التَّحْرِيمَ وَالتَّحْلِيلَ إنَّمَا يَتَعَقَّلُ بِالشَّرْعِ. قَالَ: وَهَذَا لَا يُنَازِعُهُ فِيهِ أَحَدٌ، وَإِنَّمَا نَقُولُ لَهُ: هَلْ لِلْعَقْلِ فِي هَذَا " لَوْ " انْفَرَدَ؟ وَهَلْ يَجِبُ أَنْ يُصَارَ إلَيْهِ؟ فَإِنْ قَالَ: لَا. قُلْنَا: لَيْسَ كَلَامُنَا فِيهِ. وَإِنْ أَرَادَ الْجَوَازَ أَقَمْنَا الْأَدِلَّةَ عَلَى أَنَّ لِلْعَقْلِ دَخْلًا فِي الْجَوَازِ. انْتَهَى. وَقَالَ الْمَازِرِيُّ: الرَّاجِحُ عِنْدَنَا الْوَقْفُ. وَنَعْنِي بِهِ الْقَطْعَ عَلَى أَنْ لَا حُكْمَ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ فِي حَقِّنَا. قَالَ: وَأَشَارَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ إلَى أَنَّ الْخِلَافَ بَيْنَ الْقَائِلِ بِالْإِبَاحَةِ وَالْقَائِلِ بِالْوَقْفِ لَفْظِيٌّ وَظَنَّ أَنَّهُمْ يُرِيدُونَ بِالْإِبَاحَةِ هَاهُنَا اسْتِوَاءَ الْفِعْلِ وَتَرْكَهُ فِي بَابِ الذَّمِّ وَغَيْرِهِ. لَكِنَّ غَيْرَهُ مِنْ أَئِمَّتِنَا النَّاقِلِينَ لِهَذَا الْمَذْهَبِ عَنْ الْمُعْتَزِلَةِ لَمْ يَحْمِلْهُ عَلَى ذَلِكَ. وَاعْلَمْ أَنَّ مَنْ قَالَ مِنْ أَصْحَابِنَا بِالْحَظْرِ أَوْ الْإِبَاحَةِ لَيْسَ مُوَافِقًا لِلْمُعْتَزِلَةِ عَلَى أُصُولِهِمْ بَلْ لِمُدْرِكٍ شَرْعِيٍّ. أَمَّا التَّحْرِيمُ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ} [المائدة: 4] وَمَفْهُومُهُ أَنَّ الْمُتَقَدِّمَ قَبْلَ الْحِلِّ التَّحْرِيمُ. فَدَلَّ عَلَى أَنَّ حُكْمَ الْأَشْيَاءِ كُلِّهَا عَلَى الْحَظْرِ. وَأَمَّا الْإِبَاحَةُ، فَقَوْلُهُ تَعَالَى:{خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا} [البقرة: 29] فَهَذِهِ مَدَارِكُ شَرْعِيَّةٌ دَالَّةٌ عَلَى الْحَالِ قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ فَلَوْ لَمْ تَرِدْ هَذِهِ النُّصُوصُ لَقَالَ هَؤُلَاءِ الْفُقَهَاءُ: لَا عِلْمَ لَنَا بِتَحْرِيمٍ، وَلَا إبَاحَةٍ. بِخِلَافِ الْمُعْتَزِلَةِ فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ: الْمُدْرِكُ عِنْدَنَا الْعَقْلُ وَلَا يَضُرُّنَا عَدَمُ وُرُودِ الشَّرْعِ.
تَنْبِيهَاتٌ [التَّنْبِيهُ] الْأَوَّلُ
[تَفْرِيعُ مَسْأَلَةِ شُكْرِ الْمُنْعِمِ عَلَى التَّحْسِينِ وَالتَّقْبِيحِ] إنَّ الْأَصْحَابَ جَعَلُوا مَسْأَلَةَ شُكْرِ الْمُنْعِمِ وَالْأَفْعَالَ مُفَرَّعَةً عَلَى التَّحْسِينِ وَالتَّقْبِيحِ وَلَيْسَ بِجَيِّدٍ. أَمَّا الْأَوَّلُ: فَلِأَنَّ الشُّكْرَ هُوَ اجْتِنَابُ الْقَبِيحِ وَارْتِكَابُ الْحَسَنِ، وَهُوَ عَيْنُ مَسْأَلَةِ التَّحْسِينِ وَالتَّقْبِيحِ. فَكَيْفَ يُقَالُ: إنَّهَا فَرْعُهَا؟ وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ ابْنُ بَرْهَانٍ فِي الْأَوْسَطِ " فَقَالَ: هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ عَيْنُ مَسْأَلَةِ التَّحْسِينِ وَالتَّقْبِيحِ، وَلَا نَقُولُ: هِيَ فَرْعُهَا. إذْ لَا بُدَّ وَأَنْ يُتَخَيَّلَ بَيْنَ الْفَرْعِ وَالْأَصْلِ نَوْعُ مُنَاسَبَةٍ، وَهِيَ هِيَ. بَيَانُهُ: أَنَّا نَقُولُ مُعَاشِرَ الْمُعْتَزِلَةِ: إنْ عَنَيْتُمْ بِالشُّكْرِ قَوْلَ الْقَائِلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالشُّكْرُ لِلَّهِ، فَقَدْ ارْتَكَبْتُمْ مُحَالًا، إذْ الْعَقْلُ لَا يَهْتَدِي لِإِيجَابِ كَلِمَةٍ، وَإِنْ عَنَيْتُمْ بِالشُّكْرِ مَعْرِفَةَ اللَّهِ فَبَاطِلٌ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الشُّكْرَ يَسْتَدْعِي تَقْدِيمَ مَعْرِفَةٍ، وَلِهَذَا قِيلَ: أَعْرَفُ اللَّهِ أَشْكَرُ. فَإِنْ قَالُوا: عَنَيْنَا بِوُجُوبِهِ عَقْلًا مَا عَنَيْتُمْ أَنْتُمْ بِوُجُوبِهِ سَمْعًا. قُلْنَا: نَحْنُ نَعْنِي بِوُجُوبِ شُكْرِ الْمُنْعِمِ سَمْعًا امْتِثَالَ أَوَامِرِهِ، وَالِانْتِهَاءَ عَنْ نَوَاهِيهِ. قَالُوا: فَنَحْنُ أَيْضًا نُرِيدُ بِذَلِكَ الْإِتْيَانَ بِمُسْتَحْسَنَاتِ الْعُقُولِ وَالِامْتِنَاعَ عَنْ مُسْتَقْبَحَاتِهَا. فَقَدْ تَبَيَّنَ بِهَذَا التَّفْسِيرِ أَنَّ هَذِهِ هِيَ عَيْنُ مَسْأَلَةِ التَّحْسِينِ وَالتَّقْبِيحِ حَذْوَ الْقُذَّةِ بِالْقُذَّةِ. فَبُطْلَانُ مَذْهَبِهِمْ هُنَا مَعْلُومٌ مِنْ تِلْكَ إلَّا أَنَّ
الْعُلَمَاءَ أَفْرَدُوا هَذِهِ مِنْ تِلْكَ الْجُمْلَةِ؛ لِعِبَارَاتٍ رَشِيقَةٍ تَخْتَصُّ بِهَا وَمَعَانٍ مُوَفَّقَةٍ نَذْكُرُهَا يَظْهَرُ مِنْهَا سُقُوطُ كَلَامِهِمْ فِيهَا.
وَأَمَّا الثَّانِي: فَلِأَنَّ مَا لَا يَقْضِي الْعَقْلُ فِيهَا بِشَيْءٍ لَا يُتَّجَهُ تَفْرِيعُهُ عَلَى الْأَصْلِ السَّابِقِ، فَإِنَّ الْأَصْلَ إنَّمَا هُوَ حَيْثُ يَقْضِي الْعَقْلُ هَلْ يَتْبَعُ حُكْمَهُ؟ وَإِنَّمَا الْأَصْحَابُ قَالُوا: هَبْ أَنَّ ذَلِكَ الْأَصْلَ صَحِيحٌ فَلِمَ قَضَيْتُمْ حَيْثُ لَا قَضَاءَ لِلْعَقْلِ؟ وَلَيْسَ هَذَا تَفْرِيعًا عَلَى هَذَا الْأَصْلِ. [التَّنْبِيهُ] الثَّانِي: [فَائِدَةُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ] قَالَ بَعْضُ الْمُتَكَلِّمِينَ: لَا مَعْنَى لِلْكَلَامِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مَا خَلَا زَمَانٌ مِنْ سَمْعٍ، لَكِنْ لَا يُمْنَعُ الْكَلَامُ فِيمَا يَقْتَضِيهِ الْعَقْلُ لَوْ لَمْ يَكُنْ سَمِعَ. حَكَاهُ سُلَيْمٌ الرَّازِيّ، وَإِلْكِيَا الْهِرَّاسِيُّ. ثُمَّ قَالَ: وَهُوَ بَعِيدٌ، فَإِنَّهُ يُمْكِنُ تَقْدِيرُ الْمَسْأَلَةِ فِيمَنْ خُلِقَ فِي جَزِيرَةٍ، وَلَمْ يُبَلَّغْ أَهْلُهَا دَعْوَةَ الْمِلْكِ فَهَلْ يَعْلَمُ أَهْلُهَا إبَاحَةَ هَذِهِ الْأَجْنَاسِ أَمْ لَا؟ وَإِنْ حَاوَلَ مُحَاوِلٌ تَرْتِيبَ فَائِدَةٍ شَرْعِيَّةٍ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لَمْ يَعْدَمْهَا. فَإِنَّ مَا لَمْ يُوجَدْ فِيهِ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ كَانَ عَلَى حُكْمِ الْعُقُولِ مِنْ الْإِبَاحَةِ فِي رَأْيٍ أَوْ عَلَى الْحَظْرِ فِي رَأْيٍ، وَإِنْ كَانَ مِنْ الْعُلَمَاءِ مَنْ لَا يُجَوِّزُ خُلُوَّ وَاقِعَةٍ عَنْ حُكْمٍ لِلَّهِ مُتَلَقًّى مِنْ الشَّرْعِ كَالصَّيْرَفِيِّ، وَهُوَ اخْتِيَارُ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ. وَهُوَ الْحَقُّ عِنْدَنَا.
فَعَلَى هَذَا الشَّافِعِيُّ يَبْنِي عَلَى الْإِبَاحَةِ تَلَقِّيًا مِنْ الْأَئِمَّةِ. وَأَبُو حَنِيفَةَ يَبْنِي عَلَى الْحَظْرِ تَلَقِّيًا مِنْ الشَّرْعِ، فَلَا مَخْرَجَ عَنْ الشَّرْعِ. اهـ. وَحَكَى ابْنُ فُورَكٍ عَنْ ابْنِ الصَّائِغِ: أَنَّهُ قَالَ: لَمْ يَخْلُ الْعَقْلُ قَطُّ مِنْ السَّمْعِ، وَلَا نَازِلَةٌ إلَّا وَفِيهَا سَمْعٌ أَوْ لَهَا تَعَلُّقٌ بِهِ. أَوْ لَهَا حَالٌ يُسْتَصْحَبُ. قَالَ: فَيَنْبَغِي أَنْ يَعْتَمِدَ عَلَى هَذَا، وَيُغْنِي عَنْ النَّظَر فِي حَظْرٍ، وَإِبَاحَةٍ، وَوَقْفٍ.
وَقَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ: فَائِدَةُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَعَ قَوْلِنَا إنَّهُ لَمْ يَخْلُ زَمَانُ الْعُقَلَاءِ عَنْ شَرْعٍ وَتَكْلِيفٍ مِنْ اللَّهِ يَظْهَرُ فِي حَادِثَةٍ تَقَعُ لَيْسَ فِيهَا نَصٌّ وَلَا إجْمَاعٌ وَلَا قِيَاسٌ: فَيَكُونُ الْحُكْمُ فِيهَا عِنْدَ جُمْهُورِ أَصْحَابِنَا الْوَقْفَ مَعَ نَفْيِ الْمَدْحِ وَالذَّمِّ عَمَّنْ اعْتَقَدَ فِيهَا حَظْرًا أَوْ إبَاحَةً أَوْ وَقْفًا. وَيَكُونُ حُكْمُهَا الْحَظْرَ عِنْدَ الْقَائِلِ بِهِ قَبْلَهُ. قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ الطَّبَرِيُّ وَتَبِعَهُ صَاحِبُ الْقَوَاطِعِ ": فَائِدَةُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي الْفِقْهِ أَنَّ مَنْ حَرَّمَ شَيْئًا أَوْ أَبَاحَهُ، فَقَالَ: طَلَبْت دَلِيلَ الشَّرْعِ فَلَمْ أَجِدْهُ فَبَقِيتُ عَلَى حُكْمِ الْعَقْلِ مِنْ تَحْرِيمٍ أَوْ إبَاحَةٍ هَلْ يَصِحُّ ذَلِكَ أَمْ لَا؟ وَهَلْ هَذَا دَلِيلٌ يَلْزَمُ خَصْمُهُ أَمْ لَا؟ وَهَذَا أَمْرٌ يَحْتَاجُ الْفَقِيهُ إلَى مَعْرِفَتِهِ وَالْوُقُوفِ عَلَى حَقِيقَتِهِ. قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ: سَمِعْت ابْنَ دَاوُد يَحْتَجُّ عَلَى إبَاحَةِ اسْتِعْمَالِ أَوَانِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ فِي غَيْرِ الشُّرْبِ.
فَقَالَ: الْأَصْلُ فِي الْأَشْيَاءِ الْإِبَاحَةُ، وَقَدْ وَرَدَ الشَّرْعُ بِتَحْرِيمِ الشُّرْبِ فَوَجَبَ أَنْ يَبْقَى مَا عَدَاهُ عَلَى التَّحْلِيلِ.
فَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ لِهَذَا الْمُحْتَجِّ: مَذْهَبُ دَاوُد أَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ مَوْقُوفَةٌ عَلَى مَا يَرِدُ بِهِ الشَّرْعُ، وَحِينَئِذٍ فَلَا يَجُوزُ إثْبَاتُ إبَاحَتِهَا بِهَذَا الطَّرِيقِ، وَلَا تَكُونُ إبَاحَتُهَا بِعَدَمِ دَلِيلٍ شَرْعِيٍّ أَوْلَى مِنْ حَظْرِهَا، وَبَطَلَ بِهَذَا حُجَّةُ الْمُحْتَجِّ. اهـ. وَمِمَّا يَتَخَرَّجُ عَلَى هَذَا مَا لَوْ لَمْ يَجِدْ الْعَامِّيُّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَلَا غَيْرِهَا وَاقِعَةً لَهُ، وَلَا نَاقِلَ حُكْمِهَا. قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: فَهَذِهِ مَسْأَلَةُ فَتْرَةِ الشَّرِيعَةِ وَحَمْلُهَا كَمَا قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ. وَالصَّحِيحُ مِنْهُ: لَا تَكْلِيفَ حَكَاهُ عَنْهُ فِي الرَّوْضَةِ وَأَقَرَّهُ، وَخَرَّجَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ " عَلَيْهِ النَّبَاتَ الْمَجْهُولَ سَمِيَّتَهُ، وَاللَّبَنَ الْمَجْهُولَ كَوْنُهُ لَبَنَ مَأْكُولٍ أَوْ غَيْرِهِ. وَرَجَّحَ الْإِبَاحَةَ، وَهَذَا ضَعِيفٌ؛ لِأَنَّ اللَّبَنَ قَدْ عُلِمَ حُكْمُ الشَّرْعِ فِيهِ، وَمَا يُبَاحُ مِنْهُ وَمَا يَحْرُمُ. فَالْمَوْجُودُ فِيهِ حُكْمٌ وَلَكِنَّهُ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ تَحْرِيمٍ وَإِبَاحَةٍ فَلَا يَحْسُنُ تَخْرِيجُهُ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ. وَأَمَّا النَّبَاتُ فَلَا يَبْعُدُ تَخْرِيجُهُ فِيهِ كَحَيَوَانٍ لَمْ يَرِدْ فِيهِ نَصٌّ بِحِلٍّ وَلَا حُرْمَةٍ. وَقَدْ ذَكَرَ الرَّافِعِيُّ فِي الْأَطْعِمَةِ: أَنَّ الْمَاوَرْدِيَّ خَرَّجَهُ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ، وَكَذَلِكَ خَرَّجَ عَلَيْهِ الْمَاوَرْدِيُّ الشَّعْرَ الْمَشْكُوكَ فِي طَهَارَتِهِ وَنَجَاسَتِهِ، وَالنَّهْرَ الْمَشْكُوكَ فِي كَوْنِهِ مَمْلُوكًا أَوْ مُبَاحًا: وَهُوَ تَخْرِيجٌ ضَعِيفٌ؛ لِمَا بَيَّنَّا فِي اللَّبَنِ الْمَجْهُولِ.
وَلَوْ وَقَعَ رَجُلٌ عَلَى طِفْلٍ مِنْ الْأَطْفَالِ إنْ أَقَامَ عَلَى أَحَدِهِمْ قَتَلَهُ، وَإِنْ انْتَقَلَ إلَى آخَرَ مِنْ جِيرَانِهِ قَتَلَهُ. قَالَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ فِي قَوَاعِدِهِ ": قَدْ قِيلَ: لَيْسَ فِي الْمَسْأَلَةِ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ، وَهِيَ بَاقِيَةٌ عَلَى الْأَصْلِ فِي انْتِفَاءِ الشَّرَائِعِ قَبْلَ نُزُولِهَا، وَلَمْ نَرَ لِلشَّرِيعَةِ التَّخْيِيرَ بَيْنَ هَاتَيْنِ الْمَفْسَدَتَيْنِ. فَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ مُسْلِمًا، وَبَعْضُهُمْ كَافِرًا فَهَلْ يَلْزَمُهُ الِانْتِقَالُ إلَى الْكَافِرِ؛ لِأَنَّ قَتْلَهُ أَخَفُّ مَفْسَدَةً مِنْ قَتْلِ الطِّفْلِ الْمَحْكُومِ بِإِسْلَامِهِ؟
الْأَظْهَرُ عِنْدِي: أَنَّهُ يَلْزَمُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّا نُجَوِّزُ قَتْلَ أَوْلَادِ الْكُفَّارِ عِنْدَ التَّتَرُّسِ بِهِمْ حَيْثُ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِي أَطْفَالِ الْمُسْلِمِينَ، وَبَنَى فِي مَوْضِعٍ آخَرَ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ مَا إذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْفِعْلِ مَصْلَحَةٌ مَا، وَلَا مَفْسَدَةٌ مَا كَتَحْرِيكِ الْأُصْبُعِ فِي الْهَوَاءِ لِغَيْرِ دَفْعٍ وَلَا نَفْعٍ. قَالَ: فَاَلَّذِي أَرَاهُ أَنَّهُ مُقَرَّرٌ عَلَى مَا كَانَ قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ، إذْ لَيْسَ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مَطْلُوبُ الْفِعْلِ وَلَا مَطْلُوبُ التَّرْكِ وَلَا مَأْذُونٌ فِيهِ بَلْ يَكُونُ كَفِعْلِ الْمَجَانِينِ وَالصِّبْيَانِ وَمَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ الدَّعْوَةُ، وَبَنَى الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ فِي كِتَابِ الْقَضَاءِ عَلَى هَذَا الْخِلَافِ أَيْضًا تَقْرِيرَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم غَيْرَهُ عَلَى فِعْلٍ مِنْ الْأَفْعَالِ هَلْ يَدُلُّ عَلَى الْجَوَازِ مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ، أَوْ مِنْ جِهَةِ الْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيَّةِ. وَكَوْنُ الْأَصْلِ هُوَ الْإِبَاحَةَ؟ فَإِنْ قُلْنَا: أَصْلُ الْأَشْيَاءِ عَلَى التَّحْرِيمِ دَلَّ التَّقْرِيرُ عَلَى الْجَوَازِ شَرْعًا، وَإِنْ قُلْنَا: أَصْلُهَا الْإِبَاحَةُ فَلَا. وَسَيَأْتِي فِي كِتَابِ السُّنَّةِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَالتَّحْقِيقُ: أَنَّ تَخْرِيجَ هَذِهِ الْفُرُوعِ كُلِّهَا لَا يَسْتَقِيمُ لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْأَصْلَ الْمُخَرَّجَ عَلَيْهِ مَمْنُوعٌ فِي الشَّرْعِ، وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ الْأَئِمَّةُ عَلَى تَقْدِيرِ التَّنْزِيلِ لِبَيَانِ إبْطَالِ أَصْلِ التَّحْسِينِ وَالتَّقْبِيحِ الْعَقْلِيَّيْنِ بِالْأَدِلَّةِ السَّمْعِيَّةِ. فَإِنَّ الشَّرْعَ عِنْدَهُمْ كَاشِفٌ لَا يُمْكِنُ وُرُودُهُ بِخِلَافِ الْعَقْلِ، وَمَنْ أَطْلَقَ مِنْ الْأَصْحَابِ الْخِلَافَ يَنْبَغِي حَمْلُهُ عَلَى أَنَّهُ هَلْ يَجُوزُ الْهُجُومُ عَلَيْهِ ابْتِدَاءً أَمْ يَجِبُ التَّوَقُّفُ إلَى الْبَحْثِ عَنْ الْأَدِلَّةِ الْخَاصَّةِ؟ فَإِنْ لَمْ نَجِدْ مَا يَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِهِ، فَهُوَ حَلَالٌ بَعْدَ الشَّرْعِ بِلَا خِلَافٍ. وَإِنَّمَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَأْخَذُ الْخِلَافِ أَنَّ الْحَلَالَ هَلْ هُوَ مَا لَمْ يَدُلَّ دَلِيلٌ عَلَى تَحْرِيمِهِ أَوْ مَا دَلَّ دَلِيلٌ عَلَى إبَاحَتِهِ؟