الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وَهَذَا بَنَاهُ عَلَى أَنَّ الْمَعْدُومَ يَصِحُّ تَعَلُّقُ الْأَمْرِ بِهِ. وَقَالَ فِي " الِاقْتِصَادِ ": وَالْحَقُّ: أَنَّهُ يُطْلَقُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي الْأَزَلِ آمِرٌ وَنَاهٍ، وَإِنْ كَانَ لَا مَأْمُورَ هُنَاكَ. كَمَا جُوِّزَ تَسْمِيَتُهُ قَادِرًا قَبْلَ وُجُودِ الْمَقْدُورِ. قَالَ: وَالْبَحْثُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لَفْظِيٌّ يَرْجِعُ إلَى اللُّغَةِ مِنْ حَيْثُ جَوَازُ الْإِطْلَاقِ، وَأَمَّا مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى فَالِاقْتِضَاءُ الْقَدِيمُ مَعْقُولٌ، وَإِنْ كَانَ سَابِقًا عَلَى وُجُودِ الْمَأْمُورِ كَمَا فِي حَقِّ الْوَلَدِ.
[خِطَابُ التَّكْلِيفِ وَخِطَابُ الْوَضْعِ]
[خِطَابُ التَّكْلِيفِ وَخِطَابُ الْوَضْعِ] خِطَابُ الشَّرْعِ قِسْمَانِ: أَحَدُهُمَا: خِطَابُ التَّكْلِيفِ بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالْإِبَاحَةِ: وَمُتَعَلَّقُهُ الْأَحْكَامُ الْخَمْسَةُ: الْوُجُوبُ، وَالتَّحْرِيمُ وَالنَّدْبُ، وَالْكَرَاهَةُ وَالْإِبَاحَةُ؛ لِأَنَّ لَفْظَ التَّكْلِيفِ يَدُلُّ عَلَيْهِ، وَإِطْلَاقُ التَّكْلِيفِ عَلَى الْكُلِّ مَجَازٌ مِنْ بَابِ إطْلَاقِ الْكُلِّ وَإِرَادَةِ الْجُزْءِ؛ لِأَنَّ التَّكْلِيفَ فِي الْحَقِيقَةِ إنَّمَا هُوَ لِلْوُجُوبِ، وَالتَّحْرِيمُ وَالنِّسْيَانُ يُؤَثِّرُ فِي هَذَا الْقِسْمِ، وَلِهَذَا لَا يَأْثَمُ النَّاسِي بِتَرْكِ الْمَأْمُورِ، وَلَا بِفِعْلِ الْمَنْهِيِّ. الثَّانِي: خِطَابُ الْوَضْعِ: الَّذِي أَخْبَرَنَا أَنَّ اللَّهَ وَضَعَهُ، وَيُسَمَّى خِطَابَ الْإِخْبَارِ، وَهُوَ خَمْسَةٌ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْوَصْفَ الظَّاهِرَ الْمُنْضَبِطَ الْمُتَضَمِّنَ حِكْمَةَ الَّذِي رُبِطَ بِهِ الْحُكْمُ إنْ نَاسَبَ الْحُكْمَ فَهُوَ السَّبَبُ وَالْعِلَّةُ وَالْمُقْتَضِي. وَإِنْ
نَافَاهُ فَالْمَانِعُ، وَتَالِيهِ الشَّرْطُ، ثُمَّ الصِّحَّةُ، ثُمَّ الْعَزِيمَةُ، وَتُقَابِلُهَا الرُّخْصَةُ. فَالْأَوَّلُ: أَوْقَاتُ الصَّلَاةِ وَنِصَابُ الزَّكَاةِ. وَالثَّانِي: كَالدَّيْنِ فِي الزَّكَاةِ، وَالْقَتْلِ فِي الْمِيرَاثِ، وَالنَّجَاسَةِ فِي الصَّلَاةِ. وَالثَّالِثُ: كَالْحَوْلِ فِي الزَّكَاةِ وَالطَّهَارَةِ فِي الصَّلَاةِ. وَالرَّابِعُ: الْحُكْمُ عَلَى الشَّيْءِ بِالصِّحَّةِ وَالْفَسَادِ وَالْبُطْلَانِ. وَالْخَامِسُ: كَحِلِّ الْمَيْتَةِ لِلْمُضْطَرِّ. وَسَنَتَكَلَّمُ عَلَى جُمْلَةِ الْأَقْسَامِ فِي فَصْلِ خِطَابِ الْوَضْعِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَزَادَ الْجِيلِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا فِي كِتَابِ " الْإِعْجَازِ " وَالْقَرَافِيُّ: التَّقْدِيرَاتِ، وَهِيَ إعْطَاءُ الْمَوْجُودِ حُكْمَ الْمَعْدُومِ وَبِالْعَكْسِ. فَالْأَوَّلُ: كَالنَّجَاسَاتِ الْمَعْفُوِّ عَنْهَا تُقَدَّرُ فِي حُكْمِ الْمَعْدُومَةِ. وَالثَّانِي: كَالْمِلْكِ الْمَقْدُورِ فِي قَوْلِهِ: أَعْتِقْ عَبْدَك عَنِّي بِكَذَا فَيُقَدِّرُ لَهُ الْمِلْكَ حَتَّى يَثْبُتَ وَلَاءُ الْعِتْقِ لَهُ، وَيُقَدَّرُ الْمِلْكُ فِي دِيَةِ الْمَقْتُولِ خَطَأً قَبْلَ مَوْتِهِ حَتَّى يَصِحَّ فِيهَا الْإِرْثُ، وَتَقْدِيرُ الْمِلْكِ قُبَيْلَ الشَّهَادَةِ. قَالَ الْجِيلِيُّ: ثُمَّ التَّقْدِيرُ يَنْقَسِمُ إلَى تَقْدِيرِ صِفَةٍ شَرْعِيَّةٍ فِي الْمَحَلِّ يَظْهَرُ أَثَرُهَا فِي الْبَيْعِ وَالطَّلَاقِ كَتَقْدِيرِ مِلْكِ الْيَمِينِ وَمِلْكِ النِّكَاحِ، وَإِلَى تَقْدِيرِ أَعْيَانٍ مَحْسُوسَةٍ هِيَ فِي نَفْسِهَا مَعْدُومَةٌ مُسْتَحَقَّةٌ فِي الذِّمَّةِ. كَتَقْدِيرِ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ فِي الْحَيَوَانَاتِ
وَالْحُكْمُ يُطْلَقُ عَلَى هَذِهِ الْجِهَاتِ كُلِّهَا، وَلَا شَكَّ أَنَّ بَيْنَهُمَا اتِّفَاقًا وَافْتِرَاقًا، وَمَا وَقَعَ بِهِ الِاتِّفَاقُ إنَّمَا هُوَ الْخِطَابُ فَقَطْ.
[وُجُوهُ الِافْتِرَاقِ بَيْنَ الْخِطَابَيْنِ] وَيَفْتَرِقَانِ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ التَّكْلِيفِيَّ لَا يَتَعَلَّقُ إلَّا بِفِعْلِ الْمُكَلَّفِ، وَالْوَضْعِيَّ يَتَعَلَّقُ بِفِعْلِ غَيْرِ الْمُكَلَّفِ، فَلَوْ أَتْلَفَتْ الدَّابَّةُ أَوْ الصَّبِيُّ شَيْئًا ضَمِنَ صَاحِبُ الدَّابَّةِ وَالْوَلِيُّ فِي مَالِ الصَّبِيِّ. الثَّانِي: أَنَّ التَّكْلِيفِيَّ لَا يَتَعَلَّقُ إلَّا بِالْكَسْبِ بِخِلَافِ الْوَضْعِيِّ، وَلِهَذَا لَوْ قَتَلَ خَطَأً وَجَبَتْ الدِّيَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْقَتْلُ مُكْتَسَبًا لَهُمْ. فَوُجُوبُ الدِّيَةِ عَلَيْهِمْ لَيْسَ مِنْ بَابِ التَّكْلِيفِ لِاسْتِحَالَةِ التَّكْلِيفِ بِفِعْلِ الْغَيْرِ بَلْ مَعْنَاهُ أَنَّ فِعْلَ الْغَيْرِ سَبَبٌ لِثُبُوتِ هَذَا الْحَقِّ فِي ذِمَّتِهِمْ. الثَّالِثُ: أَنَّ الْوَضْعِيَّ خَاصٌّ بِمَا رُتِّبَ الْحُكْمُ فِيهِ عَلَى وَصْفٍ، أَوْ حِكْمَةٍ، إنْ جَوَّزْنَا التَّعْلِيلَ بِهَا، فَلَا يَجْرِي فِي الْأَحْكَامِ الْمُرْسَلَةِ الْغَيْرِ الْمُضَافَةِ إلَى الْأَوْصَافِ، وَلَا فِي الْأَحْكَامِ التَّعَبُّدِيَّةِ الَّتِي لَا يُعْقَلُ مَعْنَاهَا.
وَلِهَذَا لَوْ أَحْرَمَ، ثُمَّ جُنَّ، ثُمَّ قَتَلَ صَيْدًا لَا يَجِبُ الْجَزَاءُ فِي مَالِهِ عَلَى الْأَصَحِّ. وَوَجَّهَهُ ابْنُ الصَّبَّاغِ وَالرَّافِعِيُّ بِأَنَّ الصَّيْدَ عَلَى الْإِبَاحَةِ وَإِنَّمَا يُمْنَعُ مِنْ قَتْلِهِ تَعَبُّدًا، فَلَا يَجِبُ إلَّا عَلَى مُكَلَّفٍ. قُلْت: وَبِهِ يَظْهَرُ فَسَادُ قَوْلِ مَنْ ظَنَّ أَنَّهُ مِنْ بَابِ خِطَابِ الْوَضْعِ، وَقَالَ: الْأَرْجَحُ فِيهِ الضَّمَانُ
وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي " شَرْحِ الْمُهَذَّبِ ": إنَّهُ الْأَقْيَسُ، وَلَيْسَ كَمَا قَالَ. الرَّابِعُ: أَنَّ خِطَابَ التَّكْلِيفِ هُوَ الْأَصْلُ، وَخِطَابَ الْوَضْعِ عَلَى خِلَافِهِ. فَالْأَصْلُ أَنْ يَقُولَ الشَّارِعُ: أَوْجَبْت عَلَيْكُمْ، أَوْ حَرَّمْت، وَأَمَّا جَعْلُهُ الزِّنَى وَالسَّرِقَةَ عَلَمًا عَلَى الرَّجْمِ وَالْقَطْعِ، فَبِخِلَافِ الْأَصْلِ. نَعَمْ خِطَابُ الْوَضْعِ يَسْتَلْزِمُ خِطَابَ اللَّفْظِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُعْلَمُ بِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى:{أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ} [الإسراء: 78] الْآيَةَ. وَنَحْوِهِ مِنْ الْخِطَابَاتِ اللَّفْظِيَّةِ الْمُفِيدَةِ لِلْأَحْكَامِ الْوَضْعِيَّةِ بِخِلَافِ خِطَابِ اللَّفْظِ، فَإِنَّهُ لَا يَسْتَلْزِمُ خِطَابَ الْوَضْعِ، كَمَا لَوْ قَالَ: لَا يُتَوَضَّأُ إلَّا مِنْ حَدَثٍ، فَإِنَّ هَذَا خِطَابٌ لَفْظِيٌّ يُعْقَلُ تَجَرُّدُهُ عَنْ سَبَبِ وَضْعٍ أَوْ غَيْرِهِ. وَيُعْلَمُ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ أَنَّهُ يُقَدَّمُ الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ عَلَى الْوَضْعِيِّ عِنْدَ التَّعَارُضِ؛ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُقَدِّمُ الْوَضْعِيَّ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى فَهْمٍ وَتَمَكُّنٍ. حَكَاهُ الْآمِدِيُّ فِي بَابِ التَّرَاجِيحِ.
الْخَامِسُ: أَنَّ الْوَضْعِيَّ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ قُدْرَةُ الْمُكَلَّفِ عَلَيْهِ، وَلَا عِلْمُهُ، فَيُورَثُ بِالسَّبَبِ، وَيُطْلَقُ بِالضَّرَرِ، وَإِنْ كَانَ الْوَارِثُ وَالْمُطْلِقُ عَلَيْهِ غَيْرَ عَالِمَيْنِ وَلَوْ أَتْلَفَ النَّائِمُ شَيْئًا أَوْ رَمَى إلَى صَيْدٍ فِي مِلْكِهِ فَأَصَابَ إنْسَانًا ضَمِنَهُ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمَا. وَتَحِلُّ الْمَرْأَةُ بِعَقْدِ وَلِيِّهَا عَلَيْهَا، وَتَحْرُمُ بِطَلَاقِ زَوْجِهَا، وَإِنْ كَانَتْ لَا تَعْلَمُ. وَيُسْتَثْنَى مِنْ عَدَمِ اشْتِرَاطِ الْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ أَمْرَانِ: أَحَدُهُمَا: أَسْبَابُ الْعُقُوبَاتِ كَالْقِصَاصِ لَا يَجِبُ عَلَى الْمُخْطِئِ فِي الْقَتْلِ،
لِعَدَمِ الْعِلْمِ، وَحَدِّ الزِّنَى لَا يَجِبُ فِي الشُّبْهَةِ، لِعَدَمِ الْعِلْمِ، وَلَا مَنْ أُكْرِهَ عَلَى الزِّنَى، لِعَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَى الِامْتِنَاعِ. الثَّانِي: الْأَسْبَابُ النَّاقِلَةُ لِلْمِلْكِ كَالْبَيْعِ وَالْهِبَةِ وَالْوَصِيَّةِ وَنَحْوِهَا يُشْتَرَطُ فِيهَا الْعِلْمُ وَالْقُدْرَةُ. فَلَوْ تَلَفَّظَ بِلَفْظٍ نَاقِلٍ لِلْمِلْكِ، وَهُوَ لَا يَعْلَمُ بِمُقْتَضَاهُ لِكَوْنِهِ أَعْجَمِيًّا لَمْ يَلْزَمْهُ مُقْتَضَاهُ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى:{إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ} [النساء: 29] .
[التَّنْبِيهُ] الثَّانِي: اُسْتُشْكِلَ جَعْلُ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ جِنْسًا لِلْأَحْكَامِ الْخَمْسَةِ، وَمَا أُلْحِقَ بِهِ مِنْ خِطَابِ الْوَضْعِ؛ لِأَنَّ الْجِنْسَ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ صَادِقًا عَلَى نَوْعَيْنِ خَارِجِيَّيْنِ، فَيَلْزَمَ أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ الَّذِي هُوَ الْجِنْسُ صَادِقًا عَلَى خَمْسَةِ أَنْوَاعٍ أَوْ سِتَّةٍ، وَالْأَنْوَاعُ مُخْتَلِفَةُ الْحَقَائِقِ جَزْمًا، فَيَلْزَمَ أَنْ يَكُونَ خِطَابُ التَّحْرِيمِ وَالنَّدْبِ وَالْإِبَاحَةِ وَالْكَرَاهَةِ مُخْتَلِفَاتِ الْحَقَائِقِ لِنَوْعِيَّتِهَا، وَهِيَ أَنْوَاعٌ: الْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ الَّذِي هُوَ الْكَلَامُ النَّفْسِيُّ، وَيَلْزَمُ أَنَّهُ لَا يَكُونُ الْكَلَامُ النَّفْسِيُّ الَّذِي هُوَ كَلَامُ اللَّهِ حَقِيقَةً وَاحِدَةً بَلْ حَقَائِقُ مُخْتَلِفَةٌ، وَذَلِكَ بَاطِلٌ عَلَى أَصْلِ الْأَشَاعِرَةِ، وَإِنْ قِيلَ: لَا أَجْعَلُ الْحُكْمَ الشَّرْعِيَّ جِنْسًا لِلْخَمْسَةِ أَوْ السِّتَّةِ بَلْ أَجْعَلُهُ عَرَضًا عَامًّا فَفَاسِدٌ؛ لِأَنَّ الْعَرَضَ الْعَامَّ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ صَادِقًا عَلَى نَوْعَيْنِ، وَإِلَّا لَكَانَ خَاصَّةً فَيَعُودُ الْإِشْكَالُ.