الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(استحق) أن يضربه ويحبسه وينفيه فعل به ذلك، كما جلد عمر بن الخطاب صبيغًا ونفاه وحرمه عطاءه وأمر الناس بهجرته وحرق علي بن أبي طالب الزنادقة وقال:
لما سمعت القول قولا منكرًا *** أججت ناري ودعوت قنيرا
وكتب عمر بن عبد العزيز إلى عدي بن أرطأة في القدرية: أن استتبهم فإن تابوا وإلا فاضرب أعناقهم. وضرب هشام بن عبد الملك عنق غيلان وصلبه ولم تزل الأمراء بعدهم في كل زمان يعاقبون أهل الأهواء على حسب ما يرون ولا ينكره العلماء. ثم أخرج عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم إذا حدث في أمتي البدع فليظهر العالم علمه فمن لم يفعل ذلك منهم فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، فقيل للوليد بن مسلم أحد رواة الحديث: ما إظهار العلم؟ قال إظهار السنة له.
هذا ما لخصته من كتاب الآجري، وهو الإمام أبو بكر محمد بن الحسين البغدادي الحافظ صاحب التصانيف. مات بمكة في الحرم سنة ستين وثلاثمائة.
كلام أبي طالب المكي
في قوت القلوب
ذكر ما وقفت عليه من كلام أبي طالب المكي في ذلك:
قال في كتابه ((قوت القلوب)) (باب) ذكر العلم، وطريقة السلف وذم ما أحدث المتأخرون من الكلام. ثم قال كان الناس في القرن الأول يجتهد كل لنفسه، والكتب والمجموعات محدثة. والقول بمقالات الناس والفتيا بمذهب الواحد من الناس وانتحاء قوله. والحكاية عنه في كل شيء. والتفقه على مذهبه لم يكن الناس قديما على ذلك في القرن الأول والثاني فهذه المصنفات من الكتب حادثة بعد سنة عشرين ومائة وبعد وفاة كل الصحابة وكبار التابعين.
ويقال إن أول كتاب صنف في الإسلام: كتاب ابن جريج في الآثار وحروف من التفاسير عن عطاء، ومجاهد، وأصحاب ابن عباس بمكة، ثم كتاب معمر بن راشد الصنعاني وجمع فيه سننا منثورة مبوبة. ثم كتاب الموطأ بالمدينة لمالك بن أنس في الفقه، ثم جمع ابن عيينة كتاب الجامع والتفسير في أحرف في علم القرآن، وفي الأحاديث المتفرقة وجامع سفيان الثوري صنفه أيضا في هذه المدة، فهذه
خمس كتب من أوائل ما جمع بعد وفاة الحسن وسعيد بن المسيب وخيار التابعين وبعد سنة عشرين أو ثلاثين ومائة من الهجرة، وقيل سنة ستين ومائة بعد القرن الأول، وبعد صدر من القرن الثاني، وكان العلماء الذين هم أئمة هؤلاء العلماء، من طبقات الصحابة الأربعة، ومن بعد الطبقة الأولى من خيار التابعين، هم الذين انقرضوا قبل وضع الكتب، ثم ظهرت بعد سنة مائتين وبعد تقضي ثلاثة قرون في القرن الرابع المرفوض مصنفات الكلام، وكتب المتكلمين بالرأي والهوى، والمعقول، والقياس. وذهب علم اليقين، وغابت معرفة الموقنين من علم التقوى، وإلهام الرشد، والنفس ((فخلف من بعدهم خلف)) والله المستعان ولا حول ولا قوة إلا بالله.
ثم اختلط الأمر بعد هذا التفصيل في زماننا هذا، فصار المتكلمون يدعون علماء. والقصاص يسمون عارفين، والرواة النقلة علماء من غير فقه في دين ولا بصيرة في يقين.
ثم قال: وفي الحديث ((ما ضل قل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل)) ثم قرأ (ما ضربوه لك إلا جدلًا، بل هم قوم خصمون).
وفي بعض الحديث: ((فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه)). قال: هم أهل الجدل الذين عنى الله عز وجل، فاحذروهم.
وعن بعض السلف: يكون في آخر الزمن علماء يغلق عنهم باب العمل، ويفتح عليهم باب الجدل. وفي بعض الأخبار إنكم في زمان ألهمتم فيه العمل، وسيأتي قوم يلهمون الجدل وروينا عن بعض العلماء: إذا أراد الله بعبده خيرًا، فتح له باب العمل، وأغلق عنه باب الجدل. وإذا أراد الله بعبده شرًا، أغلق عليه باب العمل وفتح عليه باب الجدل. وفي الحديث المشهور عن رسول الله- صلى الله عليه وسلم ((أبغض الخلق إلى الله الألد الخصم)). وقد روينا في الخبر: الحيا والعى شعبتان من الإيمان، والبذاء والبيان شعبتان من النفاق. وفي بعضها: العي عن اللسان لا عي القلب.
وفي الخبر الآخر: إن الله يبغض البليغ من الرجال الذي يتخلل الكلام بلسانه كما تتخلل الباقرة الخلا- الخلا هو الحشيش الرطب- وعن ابن مسعود إنكم في زمان خيركم فيه المسارع. ويأتي بعدكم زمان يكون خيركم فيه المتثبت- يعني: لبيان الحق باليقين في القرن الأول ولكثرة الشبهات بالالتباس في مثل زماننا هذا.
وقال مالك: ليس العلم بكثرة الرواية، إنما العلم نور يلقيه الله في
القلب. وكان أحمد بن حنبل يقول: العلم إنما هو ما جاء من فوق يعني إلهامًا عن غير تعليم. وكان يقول: علماء أهل الكلام زنادقة.
وقد روينا حديثا في علماء السوء شديدا نعوذ بالله من أهله، ونسأله أن لا يبلونا بمقام منه، قد رويناه مرة مسندا من طريق، ورويناه موقوفًا على معاذ بن جبل وإنما أذكره موقوفًا على معاذ بن جبل أحب إلي.
وحدثونا عن منذر بن علي عن ابن أبي نعيم الشامي عن محمد بن زياد عن معاذ بن جبل يقول فيه: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم ووقفته أنا على معاذ بن جبل قال: من فتنة العالم أن يكون الكلام أحب إليه من الاستماع.
وفي الكلام تنميق وزيادة، ولا يؤمن على صاحبه الخطأ، وفي الصمت سلامة وعلم.
ومن العلماء من يخزن علمه، ولا يحب أن يوجد عند غيره، فذلك في الدرك الأول من النار. ومن العلماء من يكون في علمه بمنزلة السلطان، فإن رد إليه شيء من علمه أو تهاون بشيء من حقه، غضب فذلك بحق في الدرك الثاني من النار.
ومن العلماء من يجعل حديثه وغرائب علمه لأهل الشرف واليسار ولا يرى أهل الحاجة له أهلًا، فذلك في الدرك الثالث من النار. ومن العلماء من ينصب نفسه المفتيا. فيفتي بالخطأ والله يبغض المتكلفين، فذلك في الدرك الرابع من النار.
ومن العلماء من يتكلم بكلام اليهود والنصارى ليغزر به علمه، فذلك الدرك الخامس من النار.
ومن العلماء من يتخذ علمه مروءة ونبلًا وذكرًا في الناس. فذلك في الدرك السادس من النار.
ومن العلماء من يستفزه الزهو والعجب، فإن وعظ عنف، وإن وعظ أنف، فذلك في الدرك السابع من النار. فعليك بالصمت، فبه تغلب الشيطان. وإياك أن تضحك من غير عجب، أو تمشي من غير أدب.
وقال في موضع آخر: وقد كان للمتقدمين علوم يجتمعون عليها ويتفاوضونها بينهم قد درست في زماننا، وكان للصالحين معاني وطرائق يسلكونها ويتساءلون عنها، قد خفيت في وقتنا، وكان لليقين والمعرفة مقامات وأحوال يتذاكرها أهلها، ويطلبون أربابها، قد عفت آثارها عندنا لقلة الطالبين لها وعدم الراغبين فيها، وفقد العلماء لها، وذهاب السالكين طريقها؛ منها علم طلب الحلال، وعلم الورع في المكاسب والمعاملات، وعلم الإخلاص، وعلم نفاق العمل والعلم، وعلم آفات النفوس وفساد الأعمال، والفرق بين نفاق القلب ونفاق النفس، وبين إظهار النفس شهوتها وإخفائها ذلك، والفرق بين سكون القلب وسكون النفس والفرق بين خواطر الروح والنفس وخاطر الإيمان والعقل، وعلم حقائق الأحوال وحال طرائق العمال وتلوينات الشواهد على المريدين، وعلم القبض والبسط والتحقق بصفات العبودية والتخلق بأخلاق الربوبية وتفاوت مشاهدات العلماء، إلى غير ذلك مما لا نذكره من علم التوحيد
ومعرفة معاني الصفات، وعلوم المكاشفات بتجلي الذات، وإظهار الأفعال الدالة على معاني الصفات وظهور المعاني الدالة على النظر والإعراض والتقريب والإبعاد والنقص والمزيد والمثوبة والعقوبة والإجبار والاختيار. وقد ذكرنا من جميع هذه المعاني فصولًا ورسمنا أصولًا، تنبه على فروعها وتدل على أشكالها لمن وفق لتدبرها، وأريد بتذكرها وجعل له نصيب منها.
وقال بعض علمائنا: أعرف للمتقدمين سبعين علمًا كانوا يتحاورنها ويتعارفونها في هذا العلم لم يبق منها اليوم علم واحد، وأعرف في زماننا هذا علومًا كثيرة من الأباطيل والدعاوى والغرور قد ظهرت، وسميت علومًا لم تكن فيما مضى تعرف.
وقال في موضع آخر: وقد ابتدع الناس علومًا لم تكن تعرف فيما سلف، منها علم الكلام والجدل وعلوم المقاييس والنظر والاستدلال على سنن الرسول- صلى الله عليه وسلم بأدلة الرأي والمعقول، ومنها إيثار العقل والتمييز على ظواهر القرآن والآثار.
وقال في بعض علماء الخلف: العلوم تسعة: أربعة منها سنة معروفة من الصحابة والتابعين، وخمسة محدثة لم تكن تعرف فيما سلف، فأما الأربع المعروفة: فعلم الإيمان وعلم القرآن وعلم الآثار وعلم الفتاوى، وأما الخمسة المحدثة: فالنحو والعروض وعلم الجدل وعلم المعقول بالنظر والقصص.
وكان السلف يستحبون العي والبله عن علوم المعقول وقد جعله رسول
الله- صلى الله عليه وسلم من الإيمان وقرنه بالحياء فقال: الحياء والعي شعبتان من الإيمان، والبذاء والبيان شعبتان من النفاق. وقال: أبغض الخلق إلى الله البليغ الذي يتخلل الكلام بلسانه كما تتخلل الباقر الخلا بلسانها، يعني الحشيش الرطب. وقال في حديث آخر: العي عي اللسان لا عي القلب. وقال: إن الله كره لكم البيان كل البيان، وفي الخبر المشهور: إن الله يبغض الثرثارين المتشدقين المتفيهقين، فمن غلب عليه هذا الوصف وكان متشدقًا بليغًا في علم الرأي والمعقول أعمى للقلب عن الشاهدة اليقين وعلم الإيمان، كان إلى النفاق أقرب وعن الإيمان أبعد.
وقال في موضع آخر: كان إبراهيم الحربي يقول: صحبت الفقهاء وأصحاب الحديث وأهل العربية واللغة سبعين سنة ما سمعت هذه المسائل التي أحدثت في هذا الوقت من أحد منهم قط. وأحرج على من كان من أهل الكلام والجدال أن يحضر مجلسي أو يسألني عن شيء فإنه لا علم لي بالكلام ولا أقول به ولو عرفته ما حدثته:
وقال في موضع آخر: وقد قال بعض العلماء: ما تكلم فيه السلف فالسكوت عنه جفاء، وما سكت عنه السلف فالكلام فيه بدعة. وما أحدث الناس أيضًا الرد على المبتدعة بعلم الرأي والمعقول قد كان هذا فيما سلف بدعة؛ لم يكن من سيرة القدماء الرد على المبتدعين إلا بالسنن والآثار لا يعلم الكلام والقياس والنظر. قيل لعبد الرحمن بن مهدي إن فلا ناصف كتابًا يرد فيه على المبتدعة قال: بأي شيء بالكتاب والسنة؟ قال: لا- لكن بعلم
المعقول والنظر، فقال: أخطأ السنة ورد بدعة ببدعة، وهجر أحمد بن حنبل الحارث بن أسد المحاسبي وكان من أهل العلم برده على المبتدعة بعلم الكلام. وقال له ليس السنة أن ترد عليهم ولا يناظرون، إنما السنة أن يخبروا بالآثار والسنن. فإن قبلوها وإلا هجروا في الله. وقال أيضًا: إذا رددت عليه بعلم المعقول والجدل ألجأتهم إلى رد ما جئت به بالقياس والجدل فيكون سببًا لرد الحق، وكذلك أيضًا هجر أبا ثور صاحب الشافعي لما تكلم بجواب المبتدعة في رد الصفات حين سئل عن الحديث إن الله خلق آدم على صورته، فغضب أحمد، فرجع عن ذلك أبو ثور واعتذر. وهكذا سيرة السلف أنه لا يستمع إلى مبتدع ولا يرد عليه بالجدل والنظر لأنه بدعة ولكن يخبر بالسنن فإن لم يرجع وإلا عرف ببدعته وهجر في الله. وهذا طريق لا يسلكه في زمانك هذا إلا من عرف سيرة المتقدمين وكان من المتقين.
* * *
هذا ما لخصته من كلام أبي طالب، وأبو طالب هذا أحد أئمة المالكية ترجمه الذهبي في العبر فقال: هو محمد بن علي بن عطية الحارثي العجمي، ثم المكي صاحب قوت القلوب وله مصنفات، وكان من أهل الجبل، وسكن مكة فنسب إليها وتزهد وسلك، ولقي الصوفي، وصنف ووعظ، مات سنة ست وثمانين وثلاثمائة.