الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(وسموه ذبا عن الدين ونضالًا عن المسلمين وفيه على التحقيق هلاك الخلق ورسوخ البدعة في النفوس).
مناظرة جرت بين متى بن يونس
القنائي الفيلسوف وبين أبي سعيد السيرافي
رحمة الله عليه
قال أبو حيان: ذكرت للوزير مناظرة جرت في مجلس الوزير أبي الفتح الفضل بن جعفر بن الفرات بين أبي سعيد السيرافي وأبي بشر متى واختصرتها فقال لي: أكتب هذه المناظرة على التمام، فإن شيئًا يجري في ذلك المجلس النبيه ومن هذين الشيخين بحضرة أولئك الأعلام ينبغي أن يغتنم سماعه، وتوعى فوائده ولا يتهاون بشيء منه، فكتبت:
حدثني أبي سعيد بلمع من هذه القصة. فأما علي بن عيسى النحوي الشيخ الصالح، فإنه رواها مشروحة.
قال: لما انعقد المجلس سنة عشرين وثلثمائة قال الوزير ابن الفرات للجماعة- وفيهم الخالدي وابن الأخشيد والكندي وابن أبي بشر وابن رباح وابن كعب وأبو عمر وقدامة بن جعفر والزهري وعلي بن عيسى بن الجراح وأبو فراس وابن رشيد وابن عبد العزيز الهاشمي وابن يحيى العلوي ورسول ابن طغج من مصر والمرزباني صاحب بني سامان- أريد أن ينتدب منكم إنسان لمناظرة متى في حديث المنطق فإنه يقول: لا سبيل إلى معرفة الحق من الباطل، والصدق من الكذب، والخير من الشر، والحجة من الشبهة، والشك من اليقين، إلا بما حويناه من المنطق وملكناه من القياس- واستفدناه من واضعه على مراتبه وحدوده وأطلعنا عليه من جهة اسمه على حقائقه فأحجم القوم وأطرقوا.
فقال ابن الفرات: والله إن فيكم لمن يفي بكلامه ومناظرته - وكسر ما يذهب إليه- وإني لأعدكم في العلم بحارًا، وللدين وأهله أنصارًا، وللحق وطلابه منارًا- فما هذا التغامز والتلامز، اللذات تجلون عنهما؟
فرفع أبو سعيد السيرافي رأسه - وقال: أعذر أيها الوزير. فإن العلم المصون في الصدور- غير العلم المعروض في هذا المجلس؟ على الأسماع المصيخة، والعيون المحدقة، والعقول الجامدة- والألباب النافذة- لأن هذا يستصحب الهيبة، والهيبة مكسرة - ويجتلب الحيا - والحيا مغلبة، وليس البراز في معركة غاضة، كالمصراع في بقعة خاصة- فقال ابن الفرات: أنت لها
يا أبا سعيد: باعتذارك عن غيرك، يوجب عليك الانتصار لنفسك - والانتصار لنفسك راجع على الجماعة بفضلك.
فقال أبو سعيد: مخالفة الوزير فيما يأمره حجنة، والاحتجان عن رأيه إخلاد إلى التقصير. ونعوذ بالله من زلة القدم، وإياه نسأل عن حسن التوفيق في الحرب والسلم.
ثم واجه متى فقال: حدثني عن المنطق ما تعني به؟ فإنا إذا فهمنا مرادك فيه، كان كلامنا معك في قبول صوابه، ورد خطئه، على سنن مرضي وعلي طريقة معروفة.
قال متى: أعني به أنه آلة من الآلات يعرف به صحيح الكلام من سقيمه، وفاسد المعنى من صالحه، كالميزان، فإني أعرف به الرجحان من النقصان والشائل من الجانح.
فقال له أبو سعيد: أخطأت لأن صحيح الكلام من سقيمه، يعرف بالعقل إن كنا نبحث بالعقل- هبك عرفت الراجح من الناقص من طريق الوزن من ذلك بمعرفة الموزون؟ أهو حديد، أو ذهب، أو شبة، أو رصاص؟ وأراك بعد معرفة الوزن، فقيرًا إلى معرفة جوهر الموزون، وإلى معرفة قيمته، وسائر صفاته، التي يطول عدها. فعل هذا لم ينفعك الوزن الذي كان عليه اعتمادك، وفي تحقيقه، كان اجتهادك، إلا نفعًا يسيرًا من وجه واحد، وبقيت عليك وجوه، كانت كما قال الأول:
حفظت شيئًا وضاعت منك أشياء
وبعد: فقد ذهب عليك شيء هاهنا، ليس كل ما في الدنيا بوزن، بل منها ما يوزن ومنها ما يكال: وفيها ما يذرع، وفيها ما يمسح، وفيها ما يحزر، وهذا- وإن كان هكذا في الأجسام المرئية -فإنه أيضًا على ذلك في المعقولات
المقروءة، والأجسام ظلال العقول.
وهي تحكيها بالتبعيد والتقريب، مع الشبه المحفوظ والمماثلة الظاهرة، ودع هذا- إذا كان المنطق وضعه رجل من يونان على لغة أهلها واصطلاحهم عليها، وما يتعارفون هبها من رسومها وصفاتها، من أين يلزم الترك والهند والفرس والعرب أن ينظروا فيه؟ ويتخذوه حكمًا لهم وعليهم؛ وقاضيًا بينهم، ما شهد له، قبلوه، وما أنكره رفضوه.
قال متى: إنما لزم ذلك لأن المنطق بحث في الأعراض المعقولة، والمعاني المدركة، وتصفح للخواطر السانحة، والسوانح الهاجسة. والناس في المعقولات سواء. ألا ترى أن أربعة وأربعة ثمانية عند جميع الأمم - وكذلك ما أشبهه.
قال أبو سعيد: لو كانت المطلوبات بالعقل والمذكورات باللفظ ترجع مع شعبها المختلفة وطرائقها المتباينة إل هذه المرتبة البينة في أربعة وأربعة أنهما ثمانية، زال الاختلاف، وحضر الاتفاق. ولكن ليس الأمر هكذا - ولقد موهت بهذا المثال. ولكم عادة في مثل هذا التمويه- ولكن ندع هذا أيضًا، إذا كانت الأغراض المعقولة والمعاني المدركة لا يوصل إليها إلا باللغة الجامعة للأسماء والأفعال والحروف. أفليس قد لزمت الحاجة إلى معرفة اللغة؟
قال: نعم.
قال: أخطأت، قل في هذا الموضع: بلى. قال متى: بلى. أنا أقلدك في مثل هذا - قال أبو سعيد: فأنت إذًا لست تدعونا إلى تعلم علم المنطق- بل إلى تعلم اللغة اليونانية، وأنت لا تعرف لغة يونان، فكيف صرت
تدعونا إلى لغة لا تفي بها وقد عفت منذ زمان طويل، وباد أهلها، وانقرض القوم الذين كانوا يتفاوضون بها، ويتفاهمون أغراضهم بتصرفها. على أنك تنقل من السريانية، فما تقول في معان متحولة بالنقل من لغة يونان إلى لغة أخرى سريانية، ثم من هذه إلى لغة أخرى عربية؟ .
قال متى: يونان وإن بادت مع لغتها، فإن الترجمة قد حفظت الأغراض وأدت المعاني، وأخلصت الحقائق.
قال أبو سعيد: إذا سلمنا لك أن الترجمة صدقت، وما كذبت، وقومت، وما حرفت ووزنت، وما خزمت، وأنها التاثت، ولا حافت، ولا نقصت، ولا زادت، ولا قدمت، ولا أخرت - ولا أخلت بمعنى الخاص والعام، ولا بأخص الخاص ولا بأعم العالم - وإن كان هذا لا يكون - وليس في طبائع اللغات ولا في مقادير المعاني. فكأنك تقول بعد هذا لا حجة إلا عقول يونان، ولا برهان إلا ما وصفوه، ولا حقيقة إلا ما أبرزوه.
قال متى: لا - ولكنهم من بين الأمم أصحاب عناية بالحكمة، والبحث عن ظاهر هذا العالم وباطنه، وعن كل ما يتصل به وينفصل عنه، وبفضل عنايتهم ظهر ما ظهر، وانتشر ما انتشر، وفشا ما فشا، ونشأ ما نشأ من أنواع العلم وأصناف الصناعة - ولم نجد هذا لغيرهم.
قال أبو سعيد: أخطأت وتعصبت، وملت مع الهوى، فإن العلم مبثوث في هذا العالم. ولهذا قال القائل:
العلم في العالم مبثوث
…
ونحوه العاقل محثوث
وكذلك في الصناعات مفضوضة على وجه الأرض، ولهذا غلب علم في مكان دون مكان، وكثرت صناعة في بقعة دون صناعة، وهذا واضح والزيادة عليه مشغولة ومع هذا فإنما كان يصح قولك، وتسلم دعواك، لو كانت يونان معروفة من بين جميع الأمم بالعصمة العالية، والفطرة الظاهرة، والبنية المخالفة. وأنهم لو أرادوا أن يخطئوا ما قدروا، ولو قصدوا أن يكذبوا ما استطاعوا، وأن السكينة نزلت عليهم، والحق تكفل بهم، والخطأ تبرأ منهم، والفضائل لصقت بأصولهم وفروعهم، والرذائل بعدت عن جواهرهم وعروقهم. وهذا جهل ممن يظنه، بهم، وعناد ممن يدعيه عليهم، بل كانوا كغيرهم من الأمم يصيبون في أشياء، ويصدقون في أمور ويكذبون في أمور، ويحسنون في أحوال ويسيئون في أحوال.
وليس واضع المنطق يونان بأسرها، إنما هو رجل منهم. وقد أخذ عمن قبله، كما أخذ عنه من بعده. وليس هو حجة على هذا الخلق الكثير، وله مخالفون منهم ومن غيرهم. ومع هذا فالاختلاف في الرأي والنظر والبحث والمسألة والجواب طبيعة، فكيف يجوز أن يأتي رجل بشيء رفع به هذا الخلاف، أو يخلخله، أو يؤثر فيه؟ هيهات هذا محال ولقد بقي العالم بعد منطقه، على ما كان قبل منطقه. فامسح وجهك بالسلوى
عن شيء لا يستطاع، لأنه معتقد بالفطرة والطباع.
وأنت فلو فرغت بالك، وصرفت عنايتك إلى معرفة هذه اللغة التي تحاورنا بها، وتجاربنا فيها، لعلمت أنك غني عن معاني يونان، كما أنك غني عن لغة يونان.
وههنا مسألة أتقول: إن الناس عقولهم مختلفة وأنصباؤهم منها متفاوتة؟
قال متى: نعم.
قال: فهذا الاختلاف والتفاوت بالطبيعة أو الاكتساب؟
قال: بالطبيعة.
قال: فمكيف يجوز أن يكون هاهنا شيء يرتفع به الاختلاف الطبيعي والتفاوت الأصلي؟
قال متى: هذا قد مر في جملة كلامك آنفًا.
قال أبو سعيد: فهل فصلته بجواب قاطع وبيان ناصع؟ ودع هذا. أسألك عن حرف واحد، هو دائر في كلام العرب، ومعانيه متميزة عند أهل العقل، فاستخرج أنت معانيه، من ناحية منطق أرسطاطاليس، الذي تدل به، وتباهى بتفخيمه وهو الواو، ما أحكامه، وكيف مواقعه، وهل هو على وجه واحد أو على وجوه؟
فبهت متى وقال: هذا نحو والنحو لم أنظر فيه لأنه لا حاجة بالمنطقي إلى النحو، وبالنحو حاجة إلى المنطق لان المنطق يبحث عن المعنى
والنحو يبحث عن اللفظ، فإن مر المنطقي باللفظ، فبالعرض. وإن عبر النحوي بالمعنى، فبالعرض. والمعنى أشرف من اللفظ، واللفظ أوضع من المعنى.
قال أبو سعيد: أخطأت. لأن المنطق واللغة واللفظ والإفصاح والإعراب والإنباء والحديث والأخبار كلها من واد واحد بالمشاكلة والمماثلة ألا ترى أن رجلًا لو قال: نطق زيد بالحق، ولكن ما تكلم بالحق، وتكلم بالفحش، ولكن ما قال الفحش، لكان محرفًا وواضعًا للكلام في غير حقه، ومستعملًا للفظ على غير شهادة من عقله وعقل غيره. والنحو منطق، ولكنه مسلوخ من العربية، والمنطق نحو، ولكنه مفهوم باللغة. وإنما الخلاف بين اللفظ والمعنى: أن اللفظ طبيعي، والمعنى عقلي. وقد بقيت أنت، بلا اسم لصناعتكم التي تنتحلها، وآلتك التي تزهى إلا أن تستعير من العربية لها اسمًا فتعار. وإذا لم يكن لك بد من قليل هذه اللغة، من أجل الترجمة، فلابد لك أيضًا من كثيرها من أجل تحقيق الترجمة، والتوقي من الخلة اللاحقة لك.
قال متى: يكفيني من لغتكم هذا الاسم والفعل والحرف، فإني أتبلغ بهذا القدر إلى أغراض قد هذبتها إلى يونان.
قال أبو سعيد: أخطأت. لأنك في هذا الاسم والفعل والحرف فقير إلى وضعها وبيانها، على الترتيب الواقع في غرائز أهلها. وكذلك أنت محتاج بعد هذا إلى حركات هذه الأسماء والأفعال والحروف. فإن الخطأ والتحريف في الحركات كالخطأ والفساد في المتحركات، وهذا باب أنت وأصحابك ورهطك عنه في غفلة. على أن هاهنا سرًا ما علق بك: وهو أن
لغةً من اللُّغات لا تطابق لغة أخرى من جميع جهاتها بحدود صفاتها من في أسمائها وأفعالها وحروفها وتأليفها وتقديمها وتأخيرها واستعارتها وتحقيقها وتشديدها وسعتها وضيقها ونظمها ونثرها وسجعها ووزنها وميلها وغير ذلك مما يطول ذكره. وما أظن أحدًا يدفع هذا الحكم، ويشك في صوابه ممن يرجع إلى مسكة من عقل أو نصيب من إنصاف فمن أين يجب أن تثق بشيء ترجم لك على هذا الوصف؟ بل أنت إلى أن تعرف اللغة العربية، أحوج منك إلى أن تعرف المعاني اليونانية.
وحدثني عن قائل قال لك: حالي في معرفة الحقائق والتصفح لها والبحث عنه، حال قوم كانوا قبل واضع المنطق، أنظر كما نظروا، وأتدبر كما تدبروا، لأن اللغة كما عرفتها بالمنشأ والوراثة، والمعاني نقرت عنها بالنظر والرأي، ما تقول له؟ لا يصح له هذا الحكم، ولا يستتب هذا الأمر، لأنه لم يعرف هذه الموجودات من الطريقة التي عرفتها أنت. ولعلك تفرح بتقليدك، وإن كان على باطل، أكثر مما تفرح باستبداده، وإن كان على حق، وهذا هو الجهل المبين، والحكم الغير مستبين، ومع هذا فحدثني عن الواو ما حكمه؟ فإني أريد أن أبين أن تفخيمك للمنطق لا يغني عنك شيئًا، وقد سألتك عن معنى حرف واحد، فكيف لو نثرت عليك الحروف كلها وطالبتك بمعانيها ومواضعها التي لها بالحق، والتي لها بالتجوز.
فقال ابن الفرات: أيها الشيخ أجبه بالبيان عن مواقع الواو حتى يكون أشد في إفحامه.
فشرع أبو سعيد في تبيين وجوه الواو.
ثم قال: دع هذا. هاهنا مسألة علاقتها بالمعنى العقلي أكثر من علاقتها بالشكل اللفظي. ما تقول في قول القائل زيد أفضل الإخوة؟
قال: صحيح.
فقال: فما تقول في زيد أفضل إخوته؟ .
قال: صحيح.
قال: فما الفرق بينهما مع الصحة؟ فغض بريقه؛
فقال أبو سعيد: أفتيت على غير بصيرة ولا استبانة، المسألة الأولى جوابك عنها صحيح، وإن كنت غافلًا عن وجه صحتها. والمسألة الثانية جوابك عنها غير صحيح، وإن كنت أيضًا ذاهلًا عن وجه بطلانها.
قال متى: بين مع هذا التهجين.
قال أبو سعيد: ليس هذا مكان التدريس، هو مجلس إزالة التلبيس، مع من عادته التمويه، والتشبيه. والجماعة تعلم أنك أخطأت فلم تدعى أن النحوي إنما ينظر في اللفظ لا في المعنى، والمنطقي ينظر في المعنى لا في اللفظ؟
فقال ابن الفرات: يا أبا سعيد أتمم لنا كلامك في هذه المسألة.
فشروع في شرحها على التمام. ثم قال ابن الفرات: سله يا أبا سعيد عن مسألة أخرى، فغن هذا كلما توالى عليه بأن انقطاعه، وانخفض ارتفاعه،
في المنطق الذي ينصره، والحق الذي لا ينصره، فسأله مسائل أخرى.
فقال متى: لو نثرت عليك أنا أيضًا من مسائل المنطق أشياء، لكان حالك كحالي.
قال أبو سعيد: أخطأت، لأنك سألتني عن شيء، أنظر فيه، فإن كان له علاقة بالمعنى، وصح لفظه، على العادة الجارية أجبت، ثم لا أبالي أن يكون موافقًا، أو يكون مخالفًا. وإن كان غير متعلق بالمعنى رددته عليك. ثم أنت هؤلاء في منطقكم على نقص ظاهر لأنكم تدعون الشعر ولا تعرفونه، وتدعون الخطابة وأنتم عنها في منقطع التراب، وقد سمعت قائلكم يقول: الحاجة ماسة إلى كتاب البرهان، فإن كان كما قال، فلم قطع الزمان بما قبله من الكتب؟ وإن كانت الحاجة قد مست إلى ما قبل البرهان، فهي أيضًا ماسة إلى ما بعد البرهان، وإلا فلم صنف ما يستغنى عنه.؟
هذا كله تخليط وتهويل، ورعد وبرق. وإنما بودكم أن تستغلوا جاهلًا وتستذلوا عزيزًا، وغايتكم أن تهولوا بالجنس والنوع والخاصة والفصل. وتقولوا: الأبنية والماهية والكيفية والكمية والذاتية. ثم تتمطون وتقولون جئنا بالسحر في قولنا، وهذا بطريق الخلف وهذا بطريق الاختصاص، وهذه كلها خرافات ونزهات ومغالق وشبكات، ومن جاد عقله، وحسن تمييزه، ولطف نظره، وثقب رأيه وأنارت نفسه استغنى عن هذا كله بعون الله وفضله، وما أعرف لاستطالتكم بالمنطق وجهًا. وهذا أبو العباس قد نقض عليكم وتتبع طريقكم، وبين خطأكم.
ولم تقدروا إلى اليوم أن تردوا عليه كلمة واحدة مما قال، وما زدتم على قولكم لم يعرف أغراضنا، ولا وقف على مرادنا، وإنما تكلم على وهم، وهذا رضي منكم بالعجز والكلول.
ثم قال: حدثنا هل فصلتم قط بالمنطق بين مختلفين، أو رفعتم به الخلاف بين اثنين، وأنت لو عرفت تصرف العلماء والفقهاء في مسائلهم، ووقف على غورهم، وغوصهم في استنباطهم، وحسن تأويلهم، وسعة تشقيقهم للوجوه المحتملة، والكنايات المفيدة، والجهات القريبة والبعيدة، لحقرت نفسه وازدريت أصحابك، ولكان ما ذهبوا إليه وتابعوا عليه أقل في عينك من السها عند القمر.
ثم عد له أشياء من أغلوطاتهم وقال: ولولا التوقي من التطويل، لسرت ذلك كله، ولقد حدثت عنه بما يضحك الثكلى. ويشمت العدو ويغم الصديق. وما ورث ذلك كله إلا من بركات يونان، وفوائد الفلسفة والمنطق فسأل الله عصمة وتوفيقًا، نهتدي بهما إلى القول الراجع إلى التفصيل، والفعل الجاري على التعديل، إنه سميع مجيب.
انتهت المناظرة مختصرة، ولم أحذف منها إلا ما كان أجوبة مسائل نحوية او نحوه مما لا خطر فيه على المنطق. وقد ذكرتها بحروفها في طبقات النحاة في ترجمة السيرافي.