الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
من برد اليقين وروح المعرفة، وضياء التسليم ما ظهر لسلفهم، وبرر لهم من أعلام الحق ما كان مكشوفًا لهم غير أن الحق عزيز، والدين غريب والزمان مفتن (ومن لم يجعل الله له نورًا فما له من نور).
هذا الفصل من كلام بعض أئمة السلف والسنة، نقلته مع بعض إيجاز، والله الموفق.
سؤال من أهل الكلام
قالوا: إن قولكم إن السلف من الصحابة والتابعين لم يشتغلوا بإبراد دلائل العقل والرجوع إليه في علم الدين، وعدوا هذا النمط من الكلام بدعة فكما أنهم لم يشتغلوا بهذا، كذلك لم يشتغلوا بالاجتهاد في الفروع. وطلب أحكام الحوادث، ولم يرو عنهم شيء من هذه المقايسات والآراء والعلل التي وضعها الفقهاء فيما بينهم، وإنما ظهر هذا بعد زمان أتباع التابعين وقد استحسنه جميع الأمة، ودونوه في كتبهم، فلا يمكن أن يكون علم الكلام على هذا الوجه. وقد قال النبي "صلى الله عليه وسلم": ما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن، وما رآه المسلمون قبيحًا فهو عند الله قبيح. وهذا مما رآه المسلمون حسنًا فهو مستحسن عند الله.
والبدعة على وجهين: بدعة قبيحة، وبدعة حسنة، قال الحسن البصري القصص بدعة، ونعمت البدعة. كم من أخ يستفاد ودعوة مجابة، وسؤال معطى. وعن بعضهم: أنه سئل عن الدعاء عند ختم القرآن كما يفعله الناس اليوم. قال: بدعة حسنة؛ وكيف لا يكون هذا النوع من العلم حسنًا، وهو يتضمن الرد على الملحدين، والزنادقة، والقائلين بقدم العالم، وكذلك أهل
سائر الأهواء من هذه الأمة ولولا النظر والاعتبار ما عرف الحق من الباطل، والحسن من القبيح.
وبهذا العلم: انزاحت الشبهة من قلوب أهل الزيغ وثبت قدم اليقين للموحدين. وإذا منعتم أدلة العقول فما الذي تعتقدون في صحة أصول دينكم. ومن أي طريق تتوصلون إلى معرفة حقائقها. وقد علم الكل أن الكتاب لم يعلم حقه والنبي صلى الله عليه وسلم لم يثبت صدقة إلا بأدلة العقول وقد نفيتم ذلك. وإذا ذهب الدليل لم يبق المدلول أيضًا. وفي هذا الكلام هدم الدين ورفعه ونقضه، فلا يجوز الاشتغال بمسائله.
الجواب: والله الموفق للصواب، أنا قد دللنا فيما سبق بالكتاب الناطق من الله عز وجل، ومن قول النبي صلى الله عليه وسلم، ومن أقوال الصحابة رضي الله عنهم أنا أمرنا بالأتباع، وندبنا إليه، ونهينا عن الابتداع وزجرنا عنه. وشعار أهل السنة إتباعهم للسلف الصالح، وتركهم كل ما هو مبتدع محدث.
وقد روينا عن سلفهم: أنهم نهوا عن هذا النوع من العلم، وهو علم الكلام، وزجروا عنه، وعدوا ذلك ذريعة للبدع والأهواء. وحمل بعضهم قوله صلى الله عليه وسلم:"اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع" على هذا، وقوله صلى الله عليه وسلم: إن من العلم لجهلًا.
فأما قولهم: إن السلف من الصحابة والتابعين لم ينقل عنهم أنهم اشتغلوا بالاجتهاد في الفروع. فالجواب من وجهين: أحدهما أنه لم ينقل عنهم النهي عن ذلك والزجر عنه، بل من تدبر اختلاف الصحابة رضي الله عنهم في المسائل، واحتجاجهم في ذلك، عرف أنهم كانوا يرون القياس والاجتهاد في الفروع.
وقد روى الحديث والنقل عنهم ذلك، واحتجاج بعضهم على بعض، وطلب الأشباه، ورد الفروع إلى الأصول، وأما من كره ذلك: فيحتمل أنه إنما كره ذلك إذا كان مع وجود النص، من الكتاب والسنة على ما سبق بيانه.
وأما الكلام في أمور الدين، وما يرجع إلى الاعتقاد من طريق المعقول، فلمي نقل عن أحد منهم، بل عدوه من البدع والمحدثات، وزجروا عنه غاية الزجر ونهوا عنه.
جواب آخر: إن الحوادث للناس، والفتاوى في المعلومات، ليست لها حصر ولا نهاية، وبالناس إليها حاجة عامة، فلو لم يجز الاجتهاد في الفروع، وطلب الأشبه بالنظر والاعتبار، ورد المسكوت عنه إلى المنصوص عليه بالأقيسة، لتعطلت الأحكام، وفسدت على الناس أمورهم، والتبس أمر المعاملات على الناس، ولابد للعامي من مفت، فإذا لم تجد حكم الحادث في الكتاب والسنة، فلابد من الرجوع إلى المستنبطات منها. فوسع الله هذا الأمر على هذه الأمة. وجوز الاجتهاد، ورد الفروع إلى الأصول، لهذا النوع من الضرورة، ومثل هذا لا يوجد في المعتقدات، لأنها محصورة محددة. قد وردت النصوص فيها من الكتاب والسنة، فإن الله تعالى أمر في كتابه، وعلى لسان رسوله، باعتقاد أشياء معلومة لا مزيد عليها ولا نقصان عنها. وقد أكملها بقوله:{اليوم أكملت لكم دينكم} . فإذا كان قد أكمله وأتمه وهذا المسلم قد اعتقده وسكن إليه، ووجد قرار القلب عليه، فبماذا يحتاج إلى الرجوع إلى دلائل العقل وقضاياها، والله أغنتاه بفضله، وجعل له المندوحة عنه، ولم يدخل في أمر يدخل عليه منه الشبهة والإشكالات ويوقعه
…