الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فابن عباس لا يقف هذا الموقف، أو يحمل هذه الحملة، إلا لأنه رأى أن إقبال المسلمين على التعلم من أهل الكتاب، والتأثر بهم، قد أصبح ظاهرة تنذر بالخطر .. وهى ظاهرة تشبه الظاهرة التى تقلق الكثيرين منا الآن، والتى تتمثل فى الإقبال على كل ما يرد لنا من الغرب من أفكار وأنظمة، والإعجاب بها، مع عدم الالتفات الواجب إلى كتابنا وعلمنا وأفكارنا .. وذلك يشبه التهيؤ النفسى لفقد الثقة بالنفس فى أمر مهم يتصل بصميم كيان المسلمين، وكتابهم .. ألا ترى لقول ابن عباس لهم:(ولا والله ما رأينا رجلا منهم قط يسألكم عن الذى أنزل عليكم) فلم إذن تعتمدون على علمهم وتثقون بكلامهم؟.
فلم يحمل ابن عباس على هذا الهجوم- إذن- إلا الخطر الذى أحسه من الاندلاق على معلومات أهل الكتاب فى أمور لا تلزم المسلمين. ولا ينقص من شأنهم عدم العلم بها، بل ربما شوّشت عليهم ونخرت عقولهم.
فهل يعقل مع هذه الصرخة والشدة أن ينقل ابن عباس عن أهل الكتاب ويصدقهم؟!!
ومع ذلك فان هذه الظاهرة تبين لنا إلى أى حد اختلطت معلومات المسلمين- فى القصص وأمثالها- بمعلومات أهل الكتاب، مما يدعونا إلى الشك فى كل رواية فى هذا الموضوع، حتى ولو رويت عن رجل ثقة لا نشك فى عدالته.، إذ من الذى أنبأه وخبره؟ ومن أين استقى العلم الذى يقوله؟ ..
وكثير من المزيفين زيفوا على العدول روايات، ونسبوها إليهم .. وإننا لا نستطيع القول بأن الناس- كل الناس- قد امتنعوا عن مساءلة أهل الكتاب، أو أن هذه الظاهرة التى أقلقت ابن عباس قد اختفت، وقضى عليها فى كل مجتمعات العالم الإسلامى حينذاك، بمجرد أن ابن عباس أو غيره ممن يكون قد هالته هذه الظاهرة قد نبه وقرع الأجراس.
حديث آخر
وهناك حديث لا بد من إيراده هنا، فإنى أعرف أن كثيرا من القراء المتخصصين سيذكرونه، وهم يقرءون هذا الإنكار على من يأخذ من أهل الكتاب فى تفسير القرآن، أو ربما ذكروه فيما كتبوا.
هذا الحديث فيما رواه البخارى عن عبد الله بن عمر هو: «بلغوا عنى ولو آية، وحدثوا عن بنى إسرائيل ولا حرج. ومن كذب على متعمدا فليتبوأ مقعده من النار) (1) فبعض المشتغلين بالتفسير من العلماء يرون أن هذا يفيد إباحة النقل، والتحدث عن أهل الكتاب فيما يروونه وينقلونه من كتبهم!!
ولا بد لنا حينئذ من وضع الحديث الأول هنا بجانب هذا الحديث- وكلاهما رواه البخارى (2) - يقول عليه الصلاة والسلام «لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذّبوهم وقُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ .. » الآية (3).
فأصبح أمامنا حديثان: الأول .. يدعونا إلى ألّا نصدق أهل الكتاب، ولا نكذبهم فيما يروونه من كتبهم، ومعنى هذا أننا لا ننقل عنهم، لأن النقل يؤدى إلى ترويج كلامهم، وحمل الناس على تصديقه، لا سيما إذا كان الناقل موثوقا به عند الناس .. والنتيجة أننا لا يصح أن نحدث عن بنى اسرائيل. والثانى يقول:(بلغوا عنى ولو آية وحدثوا عن بنى إسرائيل ولا حرج) ويأتى هذا الأمر بعد الأمر بالتبليغ عن الرسول ولو آية .. كأنهما بميزان واحد أو متقاربان على الأقل فى إفادة العلم وفى ضرورة الثقة!!
والحديثان فى ظاهرهما لا يمكن أن يصدرا عن الرسول .. فلا بد اذن من شىء خفى يحتاج إلى التأويل فى معنى الحديثين حتى يلتقيا ..
وقد سبق أن بينا معنى حديث (لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم) وقلنا إن مجال تحقيق هذا الحديث وتنفيذ ما جاء فيه، هو ما لم يرد فيه نص من القرآن أو السنة .. مثل ما سكت عنه القرآن من تفاصيل القصص .. فلا يصح أن ننقلها عنهم، ونحكى للناس لون كلب أهل الكهف، ونوع خشب سفينة نوح الخ ..
(1) ج 6 من فتح البارى فى شرح البخارى- كتاب الأنبياء- باب ما ذكر عن بنى اسرائل.
(2)
فى فتح البارى ص 120 ج 8.
(3)
136 - من سورة البقرة.
فأين مجال الحديث الآخر: (حدثوا عن أهل الكتاب ولا حرج)؟ إن كان الأخذ عنهم فيما جاء به القرآن أو تحدث به الرسول فلا مانع ولا حرج. لأنه يكون مؤيدا لهما، وإن كانا فى غير حاجة لتأييد، لكنه استئناس على كل حال تقرّ به العيون .. إلا أنه ليس موضوع كلامنا.
إن كلامنا فيما سكت القرآن عن بيانه كما سبق، فجاء أهل الكتاب فبينوه، فقالوا لنا مثلا: لون الكلب أبيض أو أسود أو الخشب كان من الزان أو الساج مثلا؛ فهل الحديث الذى يقول «حدثوا عن أهل الكتاب ولا حرج» يبيح لنا أن نمشى وراء أهل الكتاب، عند ما نفسر القرآن، ونقول ما قالوه، فى هذا وذاك- ولو أنه لا يقدم ولا يؤخر لكنه ينسب الى تفسير القرآن، ويتناقله العلماء كأنه شىء ثابت. وهو لا أصل له يعتد به؟
هل الحديث يبيح لنا أن نحكى عنهم أن الموت يأتى فى صورة كبش، والحياة فى صورة فرس، كما نسب إلى ابن عباس فى بعض كتب التفسير؟!
هل الحديث يبيح لنا أن نفسر القرآن بما يحكونه- عن كتبهم- من أحوالهم وأعاجيبهم، ويكون معنى ذلك تصديقهم دون سند عندنا نستند إليه إلا كلامهم؟ ..
أعتقد .. لا. ولا .. لأن الرسول قال فى هذا: (لا تصدقوهم ولا تكذبوهم) ولكن يمكن أن تسمعوا، ولا تعلقوا، وكونوا على حذر. لا تصدقوهم، لأن تصديقهم خطر، ولا تكذبوهم، لأن ذلك ربما يؤدى إلى شقاق وخلاف، أنتم فى غنى عنه. وربما كان صحيحا فتكونون قد أنكرتم الصحيح وأنتم لا تعلمون وهذه هى منتهى العدالة فى العلم وفى الدين ومنتهى الحياد.
ولا يبقى عندنا- لقبول الحديثين- إلا أن نقول: معناه حدثوا عنهم فيما يتفق حديثهم فيه مع ما تعرفونه من كتابكم وسنة نبيكم. وهذا أقصى ما يمكن أن نهضمه حتى لا نرد الحديث.