الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[ابن عباس والاسرائيليات]
ولقد أخذ على ابن عباس أو على ما روى عنه، كثير من الروايات الغريبة، التى تدل على أن مصدرها ليس هو القرآن، ولا الحديث، ولكن من الكتب والمعلومات الإسرائيلية، مما يقطع- إن صحت نسبة هذه الروايات إليه- بأنه كان يستفيد ممن أسلم من أهل الكتاب مثل عبد الله بن سلام، وكعب الأحبار فى موضوعات من القرآن لا تتعلق بعقيدة أو تكليف من التكاليف، فإن هذين لا يصح أن يلجأ فيهما إلى غير ما ورد فى القرآن، ولا يعقل أن ابن عباس كان يروى عنهم فى هذا، لكنه كان يروى- فيما يقول الرواة عنه- فيما يشبع فضول الناس فى القصص التى جاءت فى القرآن الكريم، مما طواه وسكت عنه، وكان مسلمو أهل الكتاب يتحدثون بما يشبع هذا الفضول، الذى لا نزال نرى كثيرا من المسلمين يتعلقون به حتى الآن- وإلا فمن أين جاء لابن عباس أو لغيره، كعلى رضى الله عنهم، بمثل هذه التفصيلات؟ ..
وقد قلت من قبل: إن صحت هذه الروايات .. لأنى أشك فى أن رجلا كابن عباس أو على رضى الله عنهما يسلم عقله ودينه لأمثال هؤلاء ويأخذ عنهم.
وأمامهم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم يدلّهم إلى الطريقة التى يجب أن تتبع فى مثل هذه الحالة: إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم. ومعلوم أن هذا فى غير ما ورد فيه نص من القرآن، وما هو من أصول وتعاليم الإسلام .. فإنه لو وافق كلامهم ما عندنا صدقناهم. وإن خالفه كذبناهم، فالحديث إذن فيما سكت القرآن عن بيانه فى القصص مثلا. فلا يعقل إذن أن يأخذ ابن عباس عن الإسرائيليين مثلا: لون كلب أهل الكهف، ولا نوع خشب سفينة نوح، وأمثال هذا مما لم يتعرض له القرآن، لعدم الحاجة إليه، ولاكتمال العبرة فى القصة بدونه، ولنهى الرسول عن تصديقهم أو تكذيبهم فيه، لأن نقله عنهم وتعليمه للناس معناه تصديقهم فيه والاقتناع به.
[يعيب على الأخذ عنهم]
وإذا أضفنا الى هذا ما رواه الإمام البخارى عن ابن عباس أنه وقف يخطب الناس، وقد هاله اتجاههم لأهل الكتاب، ليشبعوا فضولهم العلمى بسؤالهم عن
أشياء لم يذكرها القرآن فقال لهم: يا معشر المسلمين: تسألون أهل الكتاب، وكتابكم الذى أنزل على نبيه صلى الله عليه وسلم أحدث الاخبار بالله، تقرءونه لم يشب؟ وقد حدثكم الله أن أهل الكتاب بدلوا ما كتب الله، وغيروا بأيديهم الكتاب فقالوا:(هذا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا) أفلا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مساءلتهم. ولا والله ما رأينا رجلا منهم قط يسألكم عن الذى أنزل عليكم. أى ليأخذه عنكم، ومفهوم أنهم لم يكونوا يسألونهم عن الصلاة أو تحريم الخمر أو كيفية الحج مثلا، بل كانوا يسألونهم عن أشياء فى القصص وأمثالها، مما سكت القرآن عنه لعدم الحاجة فى العبرة إليه. جريا وراء الفضول العلمى، وغريزة حب الاستطلاع.
فلا يعقل إذن أمام هذا الحديث الصحيح أن ينهى ابن عباس المسلمين عن الأخذ من أهل الكتاب، وتصديق ما فى كتبهم بهذه الصورة، ثم يسأل هو أهل الكتاب عن أشياء يرجعون فى الإجابة عنها إلى كتبهم ومعلوماتهم، التى عرفوها من هذه الكتب، بل وخيالاتهم.
ولا يغير من الموضوع شيئا أن الذين كان يسألهم ابن عباس قد أسلموا، إن قلنا إنه كان ينهى المسلمين عن الأخذ من أهل الكتاب الذين لم يسلموا، لأن المصدر فى الحالتين واحد وهو كتبهم .. ولا يعقل أن ينهاهم عن شىء وهو يفعله. اللهم إلا إذا كانت ثقته الكاملة فيهم جعلته يستبعد أن يخبروه بشيء غير واثقين به.
وإزاء هذا لا نملك إلا أن نهوى على رأس كل الروايات التى ذكرت فى التفسير إلى ابن عباس فى هذه الناحية فنطيح بها، ونبرئ ابن عباس من مسئوليتها، ونتحمل وزر بقائها فى كتب التفسير المتداولة حتى الآن، تحشو أذهان المتعلمين والقراء بمعلومات واهية، لا سند لها، وتخرج لنا جيلا مخرفا من طلاب العلم، فإن العملة الزائفة تطرد العملة الصحيحة من السوق وتقضى عليها كما يقال.
ولا بد لنا مع ذلك من وقفة قصيرة مع صرخة ابن عباس هذه فى المسلمين، ينهاهم عن مساءلة أهل الكتاب والتعلم عليهم بهذه الشدة.