الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وبما دعت إليه من عقائد وأحكام، فإن كانت فى حاجة إلى زيادة تفاصيل تكفّل الرسول صلى الله عليه وسلم بها ..
وبقى بعد ذلك الآيات التى تتحدث عن المظاهر الكونية، والآيات التى تتحدث عن قصص السابقين ..
وينضم إليها كذلك الآيات التى تتحدث عن بعض صفات الله تفصيلا، كالاستواء والوجه واليدين، والمشيئة والارادة .. الخ .. ويلحق بها الآيات التى جاءت غير واضحة وغير محددة .. مثل روح الله وكلمته. ومثل الم
…
والر .. الخ
هذا النوع من الآيات هو فى الحقيقة موضوع الحديث الذى عنينا بتوضيحه فى هذه البحوث
…
وهو الذى تساءلنا عن مدى فهم الصحابة له، أو استيعابهم فهمه، وتحدثنا عن عوامل أثرت فى فهم الصحابة له وبقى آخر هذه العوامل .. وهو القدر الثقافى الذى استقبلوا هذه الآيات به ..
بعثت إلى أمّة أمّيّة:
وهذا يستدعى منا أن نعرف ما كان عليه العرب من ثقافة علمية وتاريخية، استقبلوا بها الآيات الكونية والقصصية وبعض الآيات الأخرى المتشابهة ..
لقد جاء القرآن الكريم يصف العرب بأنهم أميون، ووصف الرسول بأنه أمى.
فيقول الله تعالى فى أول سورة الجمعة (1)
هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ 2
(1) سورة الجمعة الآية الثانية.
ويقول فى سورة الأعراف
فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِماتِهِ (1)
ويقول تعالى فى سورة العنكبوت: وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ 48 (2)
ويقول عليه الصلاة والسلام: (نحن أمة أمية لا نحسب ولا نكتب. الشهر هكذا وهكذا)(3) وأشار بأصابعه، يعنى مرة تسعة وعشرين ومرة ثلاثين.
ويقول عليه الصلاة والسلام مخاطبا جبريل: (إنى بعثت إلى أمة أميين)(4) أو (إنى بعث إلى أمة أمية)
ولعل أصح تفسير لمعنى كلمة أمية وأميين هو ما فسرها به الرسول صلى الله عليه وسلم وعناها حين قال لا نحسب ولا نكتب .. وهو ما وضحه الإمام الشاطى (5) حين قال: والأمى منسوب إلى الأم، وهو الباقى على أصل ولادة الأم لم يتعلم كتابا ولا غيره، فهو على أصل خلقته التى ولد عليها.
وليس معنى هذا جهلهم التام بأمور الحياة، وبما يكتسب منها بالتجارب والعقل، بل معناه أنه لم يتعلم بطريق الكتابة والقراءة شيئا، وهو الذى فسرته الآية الأخرى عن وصف الرسول بالأمى «وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون» ومن أجل هذا جاء وصف الرسول فى القرآن من حاله، ودفعا لأى شك فى صحة رسالته ونزول القرآن من ربه.
(1) سورة الأعراف آية 158.
(2)
سورة سورة العنكبوت آية 48.
(3)
كما جاء فى صحيح البخارى فى كتاب الصوم عن ابن عمر رضى الله عنه.
(4)
كما جاء فى الترمذى فى أنزل القرآن على سبعة أحرف.
(5)
ص 69 ج من الموافقات.
فالعرب الذين نزل عليهم لم تكن الكتابة والقراءة منتشرة عندهم انتشارها عند الأمم المتحضرة حولهم، وبالتالى لم يتمكنوا من دراسة العلوم التى كانت معروفة عند غيرهم من الفرس أو الروم فى ذلك الوقت، فكان كل ما يتناقلونه بينهم من الطب والفلك وغيرهما، لا يمكن تسميته علوما إلا تجاوزا، لأنه كان مكتسبا عن طريق تجاربهم وملاحظاتهم الخاصة. المنبعثة من البيئة وحاجاتها وظروفها. مما يعينهم على حياتهم البدوية، من الاستدلال بالنجوم على معرفة الجهات، وعلى تعيين الوقت، كما قال الله «وعلامات وبالنجم هم يهتدون» وما كانوا يداوون به مرضاهم بطريق التجربة، والتناقل فيما بينهم، مما يمكن أن تجد له شبيها الآن فى البيئات البعيدة، المنعزلة عن المدينة، المحرومة مما وصل إليه العلم من تقدم ..
على أن هذه المعرفة المحدودة لم تكن عامة شائعة لدى العرب جميعا، بل كانت قاصرة على بعضهم أو خاصتهم، ممن كانت الحاجة تدعوهم إلى معرفتها، ولعل هذا الوصف (الأمية) قد غلب على العرب، حتى لم ير الرسول بدا من الاحتجاج به عند ربه، وهو يخاطب جبريل كما فى الحديث السابق، كما صرح به أيضا، وهو بصدد معرفة أيام الشهر .. ولهذا جرى على لسان اليهود حين قالوا:(لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ) يقصدون فى كلامهم هذا .. العرب، وإن كان هذا مبدأ عاما عندهم فى معاملة غير اليهود، لا يرون بأسا فى نهب أموالهم .. لكن الآية تحكى حال اليهود الذين يعاملون العرب، ويطلقون عليهم هذا الوصف (الأميين) ..
وكذلك كان لهم بالنسبة لتاريخ الأمم قبلهم مما قصه القرآن، فلم يكن لهم به معرفة سابقة، وذلك هو ما تخبر به هذه الآية الكريمة بعد أن سبقها ذكر قصة نوح (تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ)(1)، وفى قصة مريم وزكريا: (ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ
(1) آية 49 من سورة هود.
الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ، أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ) (1).
حتى ليمكننا أن نقول إنه لما كان عدم معرفة الرسول بالكتابة والقراءة ارتكازا لحجة من حجج رسالته، ونزول القرآن عليه من عند الله، كان عدم معرفة قومه بالعلوم وبالتاريخ ارتكازا آخر لحجة من حجج رسالته، وكون القرآن منزلا عليه من الله، إذ لم يكن من قومه من يعرف ذلك حتى يقال إنه تعلمه منهم.
فحين أراد أعداؤه المشركون الطعن فيه، وفى صحة نزول القرآن عليه، قالوا: إن ما يقصّه من أخبار الماضين إنما هو من تعليم هذا الرومى المثقف المهاجر إلى مكة، المقيم فيها، فنزل القرآن يرد عليهم:(وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ، لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ، وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ)(2).
ولو كان لدى العرب عامة علم بهذه الوقائع، أو لو كان لدى خاصتهم علم بها، لما لجأوا إلى اتهام الرسول بالتعلم من هذا الرومى، أو لكروا بعد رد الله عليهم هذا الرد، بأنه يتعلم من فلان العربى صاحب اللسان العربى. ولكنهم لم يجدوا عربيا عالما أمامهم بهذه القصص، حتى يسندوا إليه تهمة تعلم الرسول منه
…
وهكذا كانت أمية الرسول وأمية قومه وعدم المامهم بالعلوم من ممهدات الرسالة، أو من ركائز صدقها، ودلائل صحتها ..
ولعل فى هذا الكفاية فى الدلالة على خلو البيئة العربية التى نزل فيها القرآن، من العلم بتاريخ الأمم والرسل السابقين، وكانت أرقى بيئة عربية فى الجزيرة فى ذلك الوقت.
فكل ما ساقه الله سبحانه- اذن- من قصص الأمم السابقة، عن رسلها والصالحين من عباده، إنما كانت قصصا بكرا لم يعرفها العرب من قبل. بل استمدوا معرفتها من القرآن وحده ..
(1) آية 44 من سورة آل عمران.
(2)
آية 103 من سورة النحل.