الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[مقدمة الإمام لتفسيره]
هذه المقدمة الموجودة فى أول التفسير، وإن كان السيد رشيد قد اقتبسها من دروس الإمام بفحواها، إلا أنها تعبر- بلا شك- عن روح الامام واتجاهه، ونظرته لتفسيره، والتفاسير القديمة ..
ولذلك أحببت أن أضع أمامك منها- بقدر الإمكان- بعض الفقرات المهمة- ولو باختصار، باعتبارها معبرة عن رأيه ..
فمما يراه الإمام «أن التفسير الذى نطلبه هو فهم الكتاب من حيث هو دين، يرشد الناس إلى ما فيه سعادتهم فى حياتهم الدنيا وحياتهم الآخرة»
والتفسير له وجوه شتى:
أحدها: النظر فى أساليب الكتاب ومعانيه، وما اشتمل عليه من بلاغة، كما فعل الزمخشرى فى الكشاف.
ثانيها: الإعراب .. وقد توسع فيه أقوام.
ثالثها: تتبع القصص. وقد سلك هذا المسلك أقوام زادوا فى قصص القرآن ما شاءوا من كتب التاريخ والاسرائيليات من غير تمييز بين غث وسمين.
رابعها: غريب القرآن.
خامسها: الأحكام الشرعية من عبادات ومعاملات والاستنباط منها.
سادسها: الكلام فى أصول العقائد ومقارعة الزائغين.
سابعها: المواعظ والرقائق.
ثامنها: ما يسمونه بالإشارة وقد اشتبه على الناس فيه كلام الباطنية بكلام الصوفية. ومن ذلك التفسير الذى ينسبونه للشيخ الأكبر محى الدين بن عربى، وهو للقاشانى الباطنى الشهير، وفيه من النزعات ما يتبرأ دين الله وكتابه منه ..
وبعد أن يورد الإمام هذه الأنواع والوجوه، يقول:
وقد عرفت أن الإكثار فى مقصد خاص من هذه المقاصد، يخرج بالكثيرين عن المقصود من الكتاب الالهى.
ثم يبين منهجه فيقول:
لهذا كان الذى نعنى به من التفسير، هو ما سبق ذكره، أى فهم الكتاب من حيث هو دين وهداية جامعة لبيان ما يصلح به أمر الناس فى دنياهم، وفى آخرتهم. ويتبع ذلك بلا ريب بيان وجوه البلاغة بقدر ما يحتمله المعنى، وتحقيق الإعراب عند الحاجة إلى ذلك، وتبيين بعض قواعد الأصول مما لا يشغل القارئ عن المعانى ..
ويقول: إن الأحكام العملية التى نسميها فقها، هى أقل ما جاء فى القرآن. وفيه من التهذيب ودعوة الأرواح إلى ما فيه سعادتها، ما لا يستغنى عنه من يؤمن بالله واليوم الآخر .. وما هو أجدر بالدخول فى الفقه والفهم الحقيقى. ولا يوجد إلا فى القرآن.
ثم يبين أن للتفسير مراتب:
أدناها: أن يبين إجمالا ما يشرب القلب عظمة الله ويصرف المؤمن عن الشر.
وهذا متيسر لكل أحد.
وأعلاها: يتم بوسائل ..
أولها: فهم حقائق الألفاظ واستعمالاتها وقت نزول القرآن، دون التقيد والاكتفاء بقول فلان وفلان، فإن دلالات بعض الألفاظ قد تغيرت عما كانت عليه وقت التنزيل، مثل كلمة «تأويل» التى كان أصل دلالتها: العاقبة والمآل أى ما يؤول إليه الأمر. وكثيرا ما يفسر المفسرون كلمات القرآن على ضوء الاصطلاحات التى حصلت بعد القرون الثلاثة الأولى!!
ثانيها: الأساليب.
ثالثها: علم أحوال البشر.
رابعها: العلم بوجه هداية البشر كلهم بالقرآن .. فمن نشأ فى الاسلام ولم يعرف حال الناس قبله، يجهل تأثير هدايته ..
خامسها: العلم بسيرة النبى وأصحابه ..
ثم يقول: فعلم من هذا أن التفسير قسمان:
1 -
قسم جاف مبعد عن الله وكتابه، وهو ما يقصد به حل الألفاظ والإعراب الخ .. فهذا لا يسمى تفسيرا، وإنما هو ضرب من التمرين فى الفنون، كالنحو والمعانى وغيرهما ..
2 -
التفسير الذى قلنا: إنه يجب على الناس على أنه فرض كفاية، وهو ذهاب المفسر إلى فهم المراد من القول، وحكمة التشريع فى العقائد والأحكام، على الوجه الذى يجذب الأرواح ويسوقها للعمل، ويتحقق به كون القرآن «هدى ورحمة» ، ثم يقول الإمام: وهذا هو الفرض الأول الذى أرمى إليه فى قراءة التفسير ..
ثم تكلم عن التفاسير الموجودة، ونقدها نقدا مرا، وتكلم عن نظرتنا للقرآن، واتخاذه أحجبة، وحماية من الجان لمن حمله، وإحداثنا الضوضاء حول قارئيه بصوت حسن لحسن الصوت، لا لفهم المعنى والألفاظ كما هو معروف، وبهذا صرنا كما يقول- فى جاهلية أشد من الجاهليين والضالين فى زمن النبى صلى الله عليه وسلم.
وإننا نعتقد أن المسلمين ما ضعفوا وزال ملكهم إلا بإعراضهم عن هداية القرآن، ولن يعودوا إلى عزهم إلا بالرجوع إلى هدايته، والاعتصام بحبله.
وبهذا انتهت المقدمة التى اقتبسها السيد رشيد رضا من كلام الإمام.
وعلى هذا الأساس، وتحقيقا للهدف الذى يرمى إليه الإمام من إصلاح، أقبل على إلقاء دروسه فى التفسير، فصار أول معلم من معالم التغيير والتحول، لا فى منهج التفسير فحسب، ولكن فى حياة الأمة نفسها ..
حينما تأثر بهدايته وطريقته ودعوته الكثيرون سنة بعد سنة، وصار صاحب مدرسة تجديدية فى الفكر الدينى عموما لا فى التفسير وحده ..
وقد قيض الله له تلميذه السيد رشيد رضا، وأتى به من لبنان أو من الشام كما كانت تسمى، ليقوم بهذا الدور العظيم، ويقيم صرح مدرسة الإمام التجديدية .. ويواصل رسالته ويمكنها بعد وفاته، بواسطة مجلة المنار، ومدرسة الدعوة والإرشاد، والخطب والدروس، وكانت مدرسة الإمام كشجرة