المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌المنهج الفكرى فى الحياة الجديدة وصلته بفهم القرآن - علم التفسير كيف نشأ وتطور حتى انتهى إلى عصرنا الحاضر

[عبد المنعم النمر]

فهرس الكتاب

- ‌[بين يدى الكتاب]

- ‌تمهيد:

- ‌الإسلام والعلوم

- ‌نهضة المسلمين العلمية

- ‌علم التفسير

- ‌استطراد لا بدّ منه:

- ‌هل ترك الرسول تفسيرا كاملا للقرآن

- ‌ابن عباس وما روى عنه

- ‌[ابن عباس والاسرائيليات]

- ‌[يعيب على الأخذ عنهم]

- ‌حديث آخر

- ‌[احتلال اسرائيلى]

- ‌[ليس تفسيره]

- ‌الصحابة وفهمهم للقرآن اعتبارات لا بدّ من مراعاتها

- ‌ولكن أى فهم كان

- ‌بناء العقيدة أولا:

- ‌المنهج الفكرى فى الحياة الجديدة وصلته بفهم القرآن

- ‌لا تسألوا عن أشياء

- ‌فى قلوبهم مرض

- ‌[مثل آخر]

- ‌فى حدود ثقافة الصحابة فهموا القرآن

- ‌المستوى الثقافى

- ‌بعثت إلى أمّة أمّيّة:

- ‌فراغ سدوه بالاسرائيليات:

- ‌الآيات الكونية:

- ‌سؤال عن الأهلة:

- ‌والنتيجة:

- ‌التفسير بعد عصر الرسول

- ‌عصر الصحابة

- ‌ثم بدأت الظروف تتغير:

- ‌قاعدة تحتاج إلى مناقشة:

- ‌يبقى شىء آخر يحتاج لمناقشة

- ‌تفرق الصحابة فى البلاد ومدارس التفسير

- ‌عصر التدوين

- ‌[أصل هذا التقسيم]

- ‌كتب التفسير

- ‌[التفسير بالمأثور]

- ‌[التفسير بالرأى]

- ‌النظرة إلى تفاسير المعتزلة:

- ‌تفاسير الألف الثانى من الهجرة

- ‌ملاحظة عامة:

- ‌[كتب تفسير للفرق الاسلامية]

- ‌ابن جرير الطبرى وتفسيره

- ‌مقدمات سبقته:

- ‌موقف الطبرى وموقفنا من الروايات:

- ‌واجبنا الآن هو التجريد:

- ‌دفاع أو اعتذار:

- ‌ما المراد بالشجرة:

- ‌خطته فى المبهمات:

- ‌شىء لا بدّ من التنبيه عليه:

- ‌الرأى المذموم:

- ‌الإمام فخر الدين الرازى وتفسيره

- ‌العصر الذى عاش فيه وألف كتابه

- ‌رأى علماء عصره وغيرهم فيه ورأيه فيهم:

- ‌هل أتم تفسيره

- ‌هل نقول إنه تفسير علمى:

- ‌النهضة الحديثة للتفسير

- ‌دور السيد رشيد رضا فى هذا التفسير

- ‌[مقدمة الإمام لتفسيره]

- ‌[فى الجزائر]

- ‌[فى الهند]

- ‌[أبو الكلام أزاد]

- ‌«اتجاهه لكتابة تفسير»

- ‌[كيف كان منهجه]

- ‌[فيما بعد الإمام]

- ‌الشيخ محمد مصطفى المراغى شيخ الأزهر

- ‌[طريقة تدريس التفسير]

- ‌[كتابى للتفسير]

- ‌[تفسير الشيخ طنطاوى جوهرى والتفسيرات العلمية]

- ‌الفخر الرازى والشيخ طنطاوى

- ‌القرآن والعلم

- ‌«القرآن محاولة لفهم عصرى»

- ‌التوراة والإنجيل والقرآن والعلم

- ‌علوم القرآن أو أصول التفسير

- ‌[تجريد التفاسير القديمة]

- ‌وكان رأيى

- ‌ترجمة القرآن أو تفسيره باللغات غير العربية

- ‌فى الهند

- ‌فى أوربا وأمريكا

- ‌مشروعى فى الأوقاف

الفصل: ‌المنهج الفكرى فى الحياة الجديدة وصلته بفهم القرآن

‌المنهج الفكرى فى الحياة الجديدة وصلته بفهم القرآن

هذا المنهج الفكرى كان من الضرورى أن يكون ملائما ومتناسقا مع الحياة الجديدة وضروراتها وفى إطارها، وإذا أمكن أن نستعمل مصطلحات العصر الحديث، قلنا: إنه كان من الضرورى أن يكون فى خدمة الحياة الجديدة ومتطلباتها، كما يقال الآن: يجب أن يكون العلم فى خدمة الإنتاج مثلا، وأن يغذى الإنتاج الفكرى الأهداف العامة للدولة، وذلك من أجل تماسك البناء، وهو لا يزال جديدا، وعدم إصابته بهزات عكسية، تترك عليه آثارها من التخلخل والتشقق ..

فكل ما يتصل بالعقيدة وتمتين بنائها مقبول بل مطلوب. أما أن تثار حولها شبهات ومجادلات نظرية تشتت العقول، تدخلنا فى التيه، فذلك أمر غير مقبول .. وذلك مثل الكلام فى القضاء والقدر الذى لم ولن ينتهى إلى نتيجة حاسمة ولذلك نهوا عنه ..

وكل ما يتصل بتصحيح العمل- عبادة كان أم معاملة- فالكلام والسؤال والجواب فيه مقبول. بل مطلوب كذلك، ولكن بقدر ما يصحح العمل، دون الاسترسال وراء شهوة الكلام والجدل والافتراضات.

ولقد كان القرآن ينزل فى شأن هذا وذاك، والرسول يتابعه بالبيان القولى أو التطبيقى بحيث لا يترك شيئا يحتاج إلى بيان إلا وضحه .. ومع ذلك فمن الجائز أن يبقى هناك شىء غامض لدى بعض الناس. وهذا يحمد منهم أن يستوضحوا أمره .. ومن الجائز أن تنزل آية، ويفهم منها الصحابة شيئا من التكليف الغير المستطاع أو شيئا يخالف ما فهموه من قبل فيلجئوا إلى الرسول ويسألوه، فيوضح لهم الأمر، مسرورا بإقبالهم على فهم دينهم ..

ص: 45

فمثلا .. حين نزل قوله تعالى من سورة الأنعام وهى مكية الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ 82 (1) شق ذلك على أصحاب رسول الله وقالوا: أينا لم يظلم نفسه؟ فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: ليس بالذى تعنون. ألم تسمعوا ما قال العبد الصالح:

إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ 13 (2) يعنى لقمان كما جاء فى سورته.

فهذا الذى فهموه أولا من الآية السابقة أزعجهم، لأنه يتصل بحياتهم فى الآخرة، وهم يحرصون على أن تكون حياة طيبة، فسألوا رسول الله، فبين لهم أن معنى الظلم فى الآية هو الإشراك، وأحالهم على آية أخرى حكت عن لقمان قوله لابنه:(يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) وبهذا انتهى الإشكال.

والسيدة عائشة رضى الله عنها لما سمعت الرسول صلى الله عليه وسلم يقول:

«من حوسب عذب» ، رأت أن هذا القول فى ظاهره، يخالف قوله تعالى:

فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ 7 فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِساباً يَسِيراً 8 وَيَنْقَلِبُ إِلى أَهْلِهِ مَسْرُوراً 9 (3)

فهناك إذن من يحاسب، ثم يلقى أهله مسرورا فى الآخرة، ولا يلحقه عذاب. والحديث يقول بصيغة التعميم (من حوسب عذب) فتلجأ إلى الرسول، وتحتج بالآية، وكأنها تعارضه. فتقول له: «أو ليس يقول الله عز وجل فسوف يحاسب حسابا يسيرا، فقال لها الرسول صلى الله عليه وسلم (إنما ذلك العرض) وفى رواية ليس ذاك بالحساب ولكن ذلك العرض، أى عرض

(1) سورة الأنعام الآية 82.

(2)

انظر تفسير ابن كثير ج 2 سورة الأنعام. تفسير الآية المتقدمة .. وآية لقمان 13.

(3)

سورة الانشقاق 7 - 9.

ص: 46

الأعمال على الله تعالى وتجاوزه عن السيئات منها ثم قال الرسول: (ولكن من نوقش الحساب يهلك، أو من نوقش الحساب يوم القيامة عذب) روايات مختلفة والمعنى واحد.

وسؤال عائشة رضى الله عنها كان فى أمر مهم، يتصل بمصير الناس فى الآخرة، وما فهمته عنه من الآية الكريمة .. ورواية أخرى عن عائشة أيضا فى هذا تقول:(سمعت رسول الله يقول فى بعض صلاته (اللهم حاسبنى حسابا يسيرا) فلما انصرف، قلت يا رسول الله: ما الحساب اليسير؟ فقال: (أن ينظر فى كتابه، فيتجاوز له عنه. إنه من نوقش الحساب يا عائشة يومئذ هلك)(1) وهو سؤال لتوضيح معنى يتصل بالآية السابقة.

ويروى البخارى فى صحيحه- فى باب الصوم- عن عدى بن حاتم رضى الله عنه قال: لما نزلت (حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ)(2) عمدت إلى عقال أسود، وعقال أبيض، فجعلتهما تحت وسادتى، فجعلت أنظر إلى الليل، فلا يستبين لى، فغدوت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت له ذلك، فقال:«إنما ذلك سواد الليل وبياض النهار» .

وفى رواية أخرى عن عدى أيضا بلفظ آخر «لما نزلت: وكلوا واشربوا ..

الآية» عمدت إلى عقالين: أحدهما أسود، والآخر أبيض، فجعلتهما تحت وسادتى. قال: فجعلت أنظر إليهما، فلما تبين لى الأبيض من الأسود أمسكت.

أى امتنعت عن الطعام وبدأت الصيام. فلما أصبحت غدوت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته بالذى صنعت فقال: (إن وسادك- إذن- لعريض. إنما ذلك بياض النهار من سواد الليل).

وتعليق الرسول صلى الله عليه وسلم: (إن وسادك لعريض) مبنى على أنه وضع تحته الخيطين اللذين جعلهما الله كناية عن بياض النهار وظلمة الليل فاتخذ

(1) انظر صحيح البخارى فى باب العلم وابن كثير فى تفسير الآية من سورة الانشقاق ج 4 ص 48 طبعة الحلبى.

(2)

سورة البقرة 187.

ص: 47

وسادته كأنها أفق يضم هذين الخيطين. وفى رواية أخرى أنه قال له أيضا (إنك لعريض القفا) وبعض الناس يفهم من هذا أنه يرميه بالبلادة فى فهم المراد من الآية .. ولكنه من مستلزمات (إن وسادك لعريض) فما دام الوساد عريضا إلى هذا الحد فلا بد أن القفا الذى يستلقى عليه عريض كذلك بما يتناسب معه. وربما يكون ذلك إشارة إلى أنه كان مستريحا فى نومه على وسادة مريحة فتكاسل عن القيام وأجرى تجربته وهو نائم.

وهى كلها تعليقات طريفة على هذا الفهم البدائى، الذى أخذ ما فى الآية على حقيقته، ولم يفطن إلى أن ذلك كناية عن خيط النور الذى يشق سواد الليل مؤذنا بطلوع الفجر ..

والشاهد فى هذه الرواية هو أن الرجل فهم فهما فى القرآن، ثم لم يطمئن إليه بعد التجربة التى أجراها، فذهب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم يعرض عليه هذا الفهم، ويستوضحه الحقيقة فيه، فبين له الرسول حقيقة المراد فى الآية ..

وأمثال هذه الاستفسارات لا بدّ أنها كانت كثيرة، وقد روى البخارى ما صح منها فى صحيحه وكانت أمرا لا بدّ منه فى فهم الصحابة للآيات التى تشرع لهم فى أمر عباداتهم أو معاملاتهم .. ومن الطبيعى أن الرسول كان يتقبل هذه- الاستسفسارات بصدر رحب، ويجيب عنها بما يوضح لهم الفهم الصحيح.

لأنها كانت تدخل فى صميم الحياة العملية لهم .. ويتوقف عليها تسديد الخطى فى هذه الحياة

لكن العقل البشرى له جولاته فى نطاق الحياة العملية، وله تساؤلاته فيما يغيب عنه، وكثيرا ما يدفعه الفضول أو الرغبة فى الاطلاع على المجهول إلى أسئلة يرجو الإجابة عنها.

وقد نزل القرآن موجزا مجملا وحمال أوجه، وفيه متسع لمن يريد السير وراء الأسئلة التى من هذا النوع .. حيث ركز على موضع العبرة عنها، تاركا فيها بعض الجوانب التى يلح العقل فى معرفتها عادة ..

كما أن فى القرآن بعض الآيات التى تبدو فى ظاهرها متناقضة .. فالله «ليس كمثله شىء» كما تقرر آية، ثم تأتى آيات أخرى، فتتحدث عن أن الله

ص: 48

يدا (بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ) ووجها (وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ) وعينا (وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي)، وسمعا وبصرا (إِنَّ اللَّهَ كانَ سَمِيعاً بَصِيراً). إلى غير ذلك من الآيات التى تبدو على غير اتفاق مع قوله تعالى (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) مما أطلق عليه أنه من المتشابهات فى القرآن .. بمعنى عدم جلاء معناه عند قراءته أو سماعه، كما يفهم سريعا من قوله تعالى مثلا:(إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها) .. (وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ).

وهناك ألفاظ فى القرآن جاءت على غير ما اعتاد العرب فى كلامهم ((الم.

ألر. المص. طسم. حم. ص. ق. ن). مما بدأ الله به بعض سور القرآن ..

وهناك آيات فى القرآن الكريم تنص على أن الله «يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ و (مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِداً).

(وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ) وآيات أخرى صريحة فى مجازاة الإنسان على ضلاله وعلى عمله، وينتج عن هذه وتلك .. هذا الإشكال المزمن: هل العبد مسير أو مخير؟ وكيف يحاسب الله العبد على شىء، نفذت به مشيئة الله وليس فيه حينئذ خيار؟

آيات كثيرة فيها هذا وذاك وذلك .. ومرت القرون عليها، والناس مختلفون متجادلون فى فهم المراد منها .. وستمر قرون كذلك، دون أن يصل فيها العقل إلى رأى قاطع حاسم، فماذا كان موقف صحابة رسول الله منها؟.

هل فهموها ووصلوا فيها إلى حل مريح، أو سألوا الرسول عنها فبينها لهم؟

لو أنهم فهموها أو بينها لهم الرسول، لروى لنا هذا الفهم، وهذا الحل، واسترحنا، إذ ليس من المعقول أن يندرس مثل هذا البيان عن هذه الآيات المشكلة، فلا يرث علمهم أحد ممن أخذ عنهم، ولا نتوارثه، مع أن الروايات، نقلت لنا الكثير من أقوال الرسول وأقوالهم، مما هو أقل شأنا من موضوع فهم هذه الآيات، ومع أن عهد التابعين قد كثرت فيه الأسئلة عن غوامض القرآن.

ولكن هل تمر عليهم دون أن يفهموها، ودون أن يسألوا عنها؟ ..

ص: 49

أظن ذلك هو الأقرب إلى العقل .. إذ لو سألوا وأجابهم عنها لوصل إلينا ذلك فيما وصل.

وما دمنا لم نعثر على حديث صحيح عن الرسول، أو على رأى للصحابة موثوق بنسبته إليهم، فالأقرب للعقول أنهم لم يفهموها تفصيلا ولم يسألوا عنها.

ولكن كيف مرت دون أن يفهموها، ودون أن يسألوا عنها، وهى التى تشغلنا الآن كما أنها شغلت من كان قبلنا، وستشغل من هو بعدنا، ويكثر فى فهمها الاختلاف كما كثر من قبل دون الوصول إلى رأى قاطع ..

ما المراد بقوله تعالى فى أوائل السور: الم. المص. الر. حم .. الخ؟

ما المراد بيد الله وسمعه وبصره وعينه؟

ألم يفسرها الرسول تفسير قاطعا؟ ألم يتطلع الصحابة لمعرفتها فيتركوا لنا فيها تفسيرا مقنعا؟

تروى بعض كتب التفسير عن أبى بكر وعمر أنهما مما استأثر الله بعلمه ..

ولو صحت هذه الرواية لكان معنى ذلك أنهم يعلمون ذلك من الرسول ..

ولقطعت هذه الرواية حبل الاجتهاد على كل متحدث يريد شرحها وفهمها ..

ولكن حبل الحديث والتفسير والاجتهاد فى فهمها لم ينقطع، حتى بلغت الأقوال مثلا فى معنى الحروف المقطعة .. عشرات. ومغزى هذا أن هذه الرواية عن أبى بكر وعمر لم تصح، ولم تعتمد لدى المفسرين جميعا. فبقى باب الفهم والاجتهاد فيه مفتوحا.

فرأينا فريقا من المفسرين يقف عن تفسيرها ويقول (الله أعلم بمراده) وآخرين منهم يفسرونها بما يمكنك الاطلاع عليه فى كتب التفسير .. وكلها تفسيرات اجتهادية ترجع إلى عقل المفسر وترجيحه ..

والسبب فى ذلك كله أننا لم نرث عن الصحابة رواية صحيحة معتمدة، تقطع الطريق على أى قول آخر.

فكيف تترك هذه الأمور غامضة دون توضيح؟ .. وهل يعقل أن تكون

ص: 50

معانيها غامضة عليهم، ثم سكتوا فلم يسألوا الرسول، وهو المرجع الأعلى فى تفسير القرآن وفهمه؟ ..

أسئلة أجدها كلها نابتة من جونا العلمى والفكرى الذى نعيش فيه، والذى دأب الناس فيه على أن يسألوا عن كل شىء، حتى ما لا يحتمل السؤال .. وفى هذه الأسئلة التى نتساءلها شىء .. من الاستغراب، عن موقف الصحابة وإحجامهم عن السؤال .. وشىء من الأمانى الغالية أن لو كان الصحابة سألوا عنها الرسول فبينها وأراحنا ..

فهل يلام الصحابة لعدم سؤالهم أو بيانهم؟.

إنه لا بد لنا لكى نفهم موقفهم ونقدره .. نحاول بتفكيرنا العيش معهم فى الجو الذى كانوا يعيشون فيه، ونقدر مع ذلك البساطة العربية التى كانت تنفر من التعقيد، والتى كانت طابعهم العام، ونعرف فى الوقت نفسه أن وقتهم كان وقت تعبئة عامة وتركيز حول المسائل المهمة، التى تأخذ من حياتهم الاهتمام الأول، وهى العقيدة وبناؤها، والأحكام والالتزام بها، والأعداء الكثيرون المحيطون بهم وضرورة مجابهتهم .. وأولا وأخيرا أمة جديدة فى كل شىء، تزرع وسط حقول ألغام، ولا بد لها من الحذر والحيطة التامة فى سيرها ..

فهل يحتمل هذا الجو- مع ما نعلمه من البساطة العربية- أن ينصرف الصحابة- والحالة حالة طوارئ- إلى مناقشات حول موضوعات لا تدخل فى صميم عقيدتهم، أو عباداتهم ومعاملاتهم. وهى موضوعات أثيرت فيما بعد، بدافع من الأمن والفراغ، واتساع الحركة الذهنية والعلمية، وكثرة الداخلين فى الإسلام من غير العرب ..

لقد عاش الرسول صلى الله عليه وسلم بعد بعثته نحو عشرين سنة كانت هى مدة الدعوة إلى الدين الجديد بعد فتور الوحى، ومنذ أمره بإنذار عشيرته الأقربين، وأمره بتبليغ الدعوة جهرا إلى الناس أجمعين. وقد قضى من هذه المدة نحو نصفها فى مكة فى حالة ضغط مستمر عليه وعلى أصحابه، واضطهاد عنيف تحملوه صابرين .. ومطاردة ومصادرة لهم فى أفكارهم وتحركاتهم ..

ص: 51

بل وحياتهم. فلم يكن من المعقول فى هذا الظرف أن تثور مناقشات نظرية حول هذه المتشابهات التى نزل أكثرها بمكة ..

وقضى رسول الله فى المدينة نحو عشر سنوات كذلك، قضاها كلها فى دفاع وحروب مستمرة فرضها عليه أعداؤه .. فكانت كلها سنوات طوارئ بلغتنا الحديثة .. وفى حالات الطوارئ لا يقبل فيها من الكلام والمناقشات ما يقبل عادة فى حالات الأمن والرخاء .. بل تفرض التعبئة العامة جوها على الحياة وعلى الأفكار ..

هل يكون من المقبول والمستساغ لدينا- إذا كنا فى حالة حرب أو طوارئ وتعبئة- أن نثير فى الصحف بحوثا ومجالات نظرية تشغل الأفكار وتمزقها، ولو حول بعض المسائل الدينية البعيدة عن جونا الذى نعيش فيه؟

هل يستساغ أن نثير فى مثل هذه الحالة بحثا حول جواز ترجمة القرآن مثلا، أو عدم جوازها؟ أو حول من كان أحق بالخلافة. أبو بكر أم على؟. أو حول المراد من الحروف المقطعة التى بدئت بها بعض السور؟ أو حول القضاء والقدر؟

وهل الإنسان مسير أو مخير؟ - أو حول القرآن، وهل هو مخلوق، أو غير مخلوق؟. أو نثير بحثا حول الشعر القديم والشعر الحديث؟. أو نعيد سيرة البيزنطيين فنتناقش: أيهما الأصل: البيضة أم الدجاجة؟!!

وإذا كنا لا نستسيغ ذلك حاليا مع شهوتنا الملحة دائما فى الكلام والجدل، فكيف يمكن أن نطلب من الرسول .. وصحابته وقد كانوا فى حالة طوارئ مستمرة، وحالة حرب، وخطر الحرب، أن يسألوا ويبحثوا فى أشياء نظرية، وبعضها قد يثير الاضطراب الفكرى، ويبعثر الجهود، ويشتت الأفكار، ويؤدى إلى الدخول فى التيه؟ ..

ولكن أليس فى فهم معنى يد الله وسمعه وبصره اتصال بالعقيدة؟

نعم .. كان له اتصال .. ولكنهم فهموه فهما إجماليا وتركوه، واكتفوا بهذا ولم ينساقوا الى ما وراءه مما أثير بعد ذلك .. اكتفوا واكتفى منهم الرسول بأنهم مؤمنون بالله وبصفاته كما جاء فى كتابه، وليس لهم أن يشغلوا أنفسهم وأفكارهم بالبحث

ص: 52

عن: كيف، ولماذا؟ بدليل أننا لو آمنا الآن بصفات الله كما وردت فى القرآن، وفوضنا معناها إلى الله، ما كان فى ذلك بأس، بل إن بعضنا يقول: هذا هو المطلوب منا. وهكذا سار المسلمون بعد الرسول. وتحرجوا عن السؤال فى هذه المتشابهات وقال الإمام مالك: إن السؤال عنها بدعة.

ومع أن طابع الحياة العملية وظروفها التى عاشوا فيها قد أملى عليهم هذا الاتجاه، كان هناك بجوار هذا أو قبل هذا توجيهات من القرآن الكريم، ومن رسول الله صلى الله عليه وسلم تحبذ مثل هذا أو تدعو إليه، وترسم منهجا لتفكيرهم وأسلوب فهمهم للقرآن، والدين الجديد الذى اعتنقوه ..

ص: 53