الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وجامعاتها الدينية. ووجدت علماء يعرفون العربية قراءة وفهما من أمهات الكتب العربية، ولكنهم حين يشرحون لطلابهم أو لسامعيهم من عامة المسلمين لا يستطيعون نطق جملة كاملة باللغة العربية قبل أن يقضوا وقتا فى صياغتها صياغة ركيكة.، فكانت الضرورة تقضى بأن يشرحوا لهم بلغتهم ويذكرون لهم معانى القرآن مترجمة بلغتهم ..
والإمام أبو حنيفة رضى الله عنه- وأصله فارسى- كان أكثر الأئمة لمسا لهذه الحقيقة أو قربا منها، ولذلك وجدناه يلبى هذه الحاجة، حينما رأى أن للمصلى أن يقرأ معنى الفاتحة باللغة الفارسية حين يعجز عن قراءتها بالعربية، بينما الأئمة الآخرون لم يلمسوا مثله هذه الحالة فمنعوا أن يصلى بغير العربية مهما يكن الأمر ..
ونحن العرب لا نحس الحاجة إلى الترجمة كما يحسها غير العرب .. لذلك تأخرنا كثيرا جدا فى النظر إلى الترجمة، حتى إذا أثارها الإمام الشيخ المراغى عليه رحمة الله ودعا إلى ضرورتها ثار عليه كثير من العلماء والمفكرين، وكانت معركة فكرية حامية، امتدت مرة إلى معركة بالكراسى فى قاعة الشبان المسلمين من أنصار المراغى ضد أحد معارضيه وشاهدت هذه المعركة وأنا طالب فى الكلية فى أواخر الثلاثينات .. حتى وجدنا أحد أعضاء المحكمة الشرعية العليا يصدر كتابا يجعل عنوانه «حدث الأحداث فى الاسلام الاقدام على ترجمة القرآن» وطبعا كان الرد على المنكرين باستمرار مما شغل الرأى العام والدولة فى أيامها ..
وكان الجدل دائرا حول الممكن وهو ترجمة المعانى، لا ترجمة الألفاظ التى لا يختلف أحد على عدم إمكانها، لا فى القرآن ولا فى غيره ..
فى الهند
حدث هذا عندنا فى النصف الأول للقرن العشرين، بينما نجد أن هذه الترجمة قد استقر على الحكم بجوازها، بل بضرورتها جميع علماء الهند من قرون مضت ..
ترجم أولا للغة الفارسية، وقام بالترجمة حجة الإسلام هناك شاه ولى الله الدهلوى رأس مدرسة الحديث والمتوفى سنة 1176 هـ- 1762 م .. وهو
صاحب كتاب «حجة الله البالغة» الذى يعرفه العلماء هنا ويعتمدون عليه ..
ثم قام ابنه ووارث علمه وطريقته، العالم المحقق، مولانا عبد القادر الدهلوى المتوفى سنة 1230 هـ- 1814 م بترجمته إلى اللغة الأوردية- اللغة الحديثة فى الهند لدى المسلمين، واعتبروا ذلك أنه «كان من أعظم ما من الله به سبحانه عليه» . وكانت أول ترجمة للأوردية ..
ثم تتابعت الترجمات بعد ذلك إلى لغات الهند المتعددة، كل عالم كبير يجعل من فخره وقرباته عند الله، أن يقوم بترجمة إلى لغته. ليستطيع المسلمون فى المنطقة تذوق معنى القرآن ..
حتى جاء مولانا محمود الحسن شيخ الهند، وكبير العلماء المجاهدين، «وأسير مالطا» كما يلقبونه أيضا أثناء الحرب العالمية الأولى .. والمتوفى سنة 1339 هـ- 1920 م، حيث عكف فى معتقله فى «مالطا، على كتابة ترجمة سهلة باللغة الأوردية، بعد أن صارت الترجمة الأولى معقدة، بلغة أوردية قديمة، وقد تطورت بعدها اللغة تطورا كبيرا، وأتم ترجمته فى معتقله كأعظم عمل يتقرب به إلى الله ..
وطبع الترجمة هناك غالبا أن يكتبوا تحت كل سطر من القرآن، ترجمته بالأوردية، فيستطيع القارئ سريعا الإلمام بمعنى ما يقرؤه ..
ثم جاء مولانا أزاد، وكان ذا لغة أوردية فصيحة قشيبة، وعلى طريقته فى التفسير التى أشرنا إليها من قبل، قام بترجمة القرآن ترجمة سهلة بليغة، متقربا بها إلى الله .. وذلك فيما سماه «ترجمان القرآن» وعند طبعه كتب القرآن بترقيم الآيات أعلى الصفحة، وكتب ترجمة بالترقيم تحت ذلك ..
وكذلك كانت الترجمة فى بلاد اسلامية، متعددة لها ظروف المسلمين فى الهند. كأمر وواجب دينى يقوم به العلماء الكبار .. ومعنى ذلك ومؤداه أن ما كنا نتجادل ونتعارك فيه هنا، حول ترجمة القرآن، كانت أمم اسلامية قد فرغت منه قبلنا بقرون واعتبرته ضرورة أو بديهة .. وعاشت وتعيش عليه فى فهمها للقرآن ..