الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فقد قفز هذا العالم- دون علم- لا بالقرآن، ولا بأوليات العلوم- وأنزل آية «يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السموات والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان» على مراكب الفضاء، وقال: إن الانسان نفذ من أقطار السموات والأرض بسلطان العلم .. وادعى أن القرآن تنبأ بهذا، ظانا أنه يخدم القرآن مع الأسف!! وكان ذلك خطأ فادحا يدل على عدم فهم سياق الآيات التى سيقت لبيان عجز الجن والانس من أن يكون لهما أى خيار أو قدرة فى مصيرهما أمام الله وقدرته ومساءلته لهم عن أعمالهم ..
وكان خطأ يدل على عدم الفهم العلمى لأقطار السموات والأرض ..
فراكب الفضاء لم يخرج عن هذه الأقطار حين ذهب للقمر، والمعروف أن القمر كوكب تابع للأرض أو للمجموعة الشمسية. فكيف يفهم علميا أنه خرج من أقطار السموات والأرض وإلى أين غير أقطار السموات والأرض؟
ولكن مع هذا الفهم الفادح فى خطئه، رأينا مثل هذه المقولة يختطفها الجاهلون بالقرآن، وبالفلك وعلومه، ويتحدثون بها .. وهذا هو الذى نقف دونه وله بالمرصاد ..
ومثل هذا الذى نعيبه، ونقف دونه، جاء منه أيضا فيما كتبه أخونا الفاضل الدكتور مصطفى محمود فى محاولة لفهم القرآن .. ولا أشك فى أنه أقدم على هذا الذى اعتبره ويعتبره العلماء جميعا خطأ غير مقبول، أنه مشوب بسوء نية، بل على العكس، أعتقد أن نيته كانت حسنة حين أخطأ، وخرج عن الحقيقة الإسلامية فى بعض الموضوعات. ولى كثير من الشواهد على أنه لم يكن يتعمد هذا الخطأ، بل كان مشوقا إلى أن يراجعه أحد العلماء، فيما كتبه حتى لا يحدث منه شىء من هذا، وفعل هذا فى بعض الموضوعات.
وأعتقد أن تعجله فى النشر أسبوعيا فى المجلة الأسبوعية التى كان يكتب بها فى هذا الموضوع، هو الذى حال بينه وبين لقائه بالمرجع الدينى الذى يراجع عليه،
كما كان يريد ونريد .. ولو أنه كان من الأفضل له ولنا أن يتأنى. ففي الكتاب الكثير مما يسرنا ونحمده عليه .. وفى نشاط الدكتور فى النواحى الدينية وتعميق الإيمان، ما يجعلنا نحييه على جهوده وفى روحه الدينية المتصوفة، ونظرته الآن للدين والإيمان، ما يجعله قريبا جدا إلى نفوسنا، برغم أخطائه فى محاولته لفهم عصرى للقرآن- ولكل عالم هفوة، ولكل جواد كبوة .. والله ينفع بخيره وجهده ..
لقيته مرة فى مراقبة البحوث بالمجمع، وقد جاء صارخا لما علم من صدور قرار بمصادرة كتابه هذا المطبوع فى بيروت، ووجدته كتب مذكرة غلبت عليه فيها صوفيته، واعتمد فيها على أن يقول: إن الله هو الرقيب لا أنتم الخ ..
فأخذته لمكتبى وهدأته، ووجهت له لوما على تسرعه بإبداء هذه الآراء ..
فقال لى: لم أجد من يسعفنى بالمراجعة، وجئت مرة لمشيخة الأزهر وصححوا لى بعض الموضوعات، فأخذت بها فورا، وجئت ثانية فلم يسعفنى أحد، هكذا قال، والعهدة عليه .. ولكنى لم أخله من العهدة، فقد كان بوسعه أن يتأنى، ما دام يطلب الحقيقة كما أفهم .. وأنهيت الموضوع بتعهد أخذه على نفسه، بأن يدفع الكتاب لمراجعة عالم ثقة، أو لمراجعة الأزهر قبل طبعه بعد ذلك .. أما هذه الطبعة فهى فى بيروت ولا سلطان لنا هناك ..
ومن هذه المحادثة فهمت حسن نيته، وصدق طويته، لا سيما وقد رغب فى تصحيح كل خطأ نشره .. فى الوقت الذى حمل فيه حملة شعواء على تفسيرات الباطنية والبهائية، وغيرهما من الفرق المنحرفة بالاسلام، لالتوائهم بألفاظ القرآن وتأويلها، حتى يوافق أهواءهم الضالة المخربة .. وكتب كتابة رائعة أظهر فيها جلال القرآن وجماله وفضله على البشرية.
وقد تحدث عن هذه المحاولة العالم الفاضل الشيخ مصطفى الحديدى الطير ..
عضو المجمع، وكتب عنه تقريرا قدمه للمجمع، أنصفه فيه، فذكر محاسنه، كما ذكر مساوئه ..
ومن هذه المآخذ: قوله فى خلق آدم مما يخالف القرآن .. ، وحديثه عن
آدم فى الجنة، وآدم فى الأرض، ورأيه فى نعيم الجنة، وفى الجحيم والعذاب، وفى معنى غض البصر، وفى الحد وتوبة السارق .. وأرجو أن يعيد الدكتور مصطفى طبع كتابه بعد تصحيح ما يحتاج لتصحيح منه .. حتى يكون خيرا كله ..
وغير الدكتور مصطفى محمود .. هناك بعض العلماء الذين اندفعوا وراء ما يشبه التصفيق الشعبى، فقدموا للناس أبحاثا عن القرآن والعلم، ينبهر لها بعض الذين لم يدرسوا القرآن ولا العلم، مع أنهم لم يسلموا من الزلل والشطط ..
وكان لهذا كله رد فعله عند الراسخين، والغيارى من العلماء، وكبار المثقفين، فأصبحوا ينفرون من أية دراسة عن القرآن والعلم .. وهكذا كان رد الفعل لهذا الانتشار غير الملتزم فى الحديث عن القرآن والعلم ..
ومع ذلك فهناك دراسات جادة مؤمنة من رجال وعلماء ثابتين، غيارى على دينهم وعلى العلم، ملتزمين بنصوص القرآن، ولا يحملونها فوق طاقتها، بل يجلونها بما درسوه وعرفوه من حقائق علمية، ويقدمون للناس دراسة علمية دينية جادة، تفيدهم كثيرا فى استجلاء بعض الآيات الكونية فى القرآن ..
وأذكر للقارئ واحدة من هذه الدراسات، وهى التى قام بها ونشرها فى مقالات .. العالم الكيميائى الورع، المرحوم الاستاذ محمد أحمد الغمراوى، وأعدها للنشر صديقه العالم الاستاذ أحمد عبد السلام الكردانى، ونشرتها دار الانسان ..
وقد كان هدف المرحوم الاستاذ الغمراوى أن يكشف فى بحوثه التى استندت على الحقائق العلمية، معجزات القرآن العلمية، التى أشار إليها وقررها قبل إن تكتشف بعدة قرون .. وبذلك تتوالى المعجزات العلمية. وتظهر جديدة حينا بعد حين. كلما تقدم العلم، ولها أهميتها وأثرها فى إقناع العلماء جيلا بعد جيل، بأن القرآن من عند الله.
ويقرر الاستاذ الغمراوى كما يقرر الكثيرون أن الاسلام هو وحده- من بين الأديان- الذى احتضن العلم، ودعا إلى العب منه بشتى أنواعه، وتحاكم إلى العقل، وحث على النظر والتدبر فيما خلق الله فى كونه المنظور. ومما يفخر به
المسلمون أن قرآنهم بما أشار إليه أو ذكره من حقائق علمية .. تأتى حقائق العلم بعد ذلك بقرون فتؤكدها، ولا تجد تناقضا أبدا بين القرآن وبين الحقائق العلمية، كما
تجده فى غيره من الكتب السماوية التى ناقضت- فى بعض ما جاء فيها- ما أثبته العلم، واستعصت على التأويل، كما نصت التوراة على عمر للأرض محدود، لا يتجاوز بضعة آلاف من السنين، فى حين أن العلم اليقينى يقرر عمرها بالملايين، مما حمل بعض كتاب الغرب وقسيسيه على أن يظنوا أن الدين عندهم قد خذ له الواقع، فلم يبق ما يستند إليه إلا المعانى الشعرية والقيم الأخلاقية.