الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
علم التفسير
نشأة العلم كنشأة كل كائن حى نام .. يبدأ بذرة صغيرة تتطور لتصبح جنينا أو نبتا، ثم تنمو شيئا فشيئا لتكون فى نهاية أمرها إنسانا، أو شجرة، أو نبتا مثمرا يعطى ثمره، أو يمنح ظله والفائدة منه ..
فحين نتكلم عن علم التفسير أو غيره من العلوم التى سنتحدث عنها، فإننا نتكلم عنه من خلال هذا التدرج الطبيعى .. ونلقى الضوء عليه منذ تبدأ بذوره الأولى .. فما أى شىء ولد كاملا، ولا وجد عملاقا .. ولكنها سنة الله فى الحياة، كل حياة «ولن تجد لسنة الله تبديلا» .
استطراد لا بدّ منه:
وقبل أن نكشف عن البذور الأولى فى علم تفسير القرآن أحب أن ألقى ضوءا سريعا أمام القارئ حول القرآن ونزوله وكتابته وجمعه.
1 -
بدأ نزول القرآن على الرسول صلى الله عليه وسلم وهو فى سن الأربعين، وذلك بقوله تعالى «اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ .. الآيات» من سورة العلق.
2 -
ثم توالى نزول القرآن بعد ذلك عليه فى مناسبات متفرقة، ولدواع متنوعة، حتى توفى صلى الله عليه وسلم وهو فى سن الثالثة والستين فكان منه ما نزل عليه فى مكة وهو أكثره، ومنه ما نزل عليه بالمدينة .. وكانت آخر آية نزلت بعد رجوع الرسول من حجة الوداع هى آيات الربا المذكورة فى أواخر سورة البقرة (1)، بينما كانت آية «الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ» - المشهور عند الكثيرين- خطأ- أنها- آخر ما نزل- قد نزلت قبل ذلك فى عرفات والرسول يحج حجته الأخيرة- حجة الوداع- باتفاق.
3 -
كان جبريل عليه السلام ينزل على الرسول بالسورة أو الآيات أو الآية، فيسارع الرسول فى حفظها كما يتلقاها .. ثم يمليها على كتاب وجيه فيكتبونها ..
(1) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا .. الآيات.
ويسمعها لمن يلقاه أو يحضر إليه من اصحابه، فيحفظونها، وهؤلاء بدورهم يتلقى عنهم من لم يسمعها من الرسول فيحفظها، وكان مما يسهّل عليهم الحفظ، أن القرآن لم ينزل دفعة واحدة .. كما يقول الله:
وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ، عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا (1)
4 -
وكان جبريل عليه السلام ينزل على الرسول فى رمضان من كل سنة فيراجع معه ما سبق نزوله، حتى كان آخر رمضان من حياة الرسول فقرأ على الرسول وقرأ عليه الرسول كل ما أنزل خلال السنين التى نزل فيها القرآن، يقرءانه مرتبا حسب الموجود فى المصحف الآن ..
5 -
لم يتيسر لكل الصحابة أن يحفظوا القرآن كله، بل تيسر لعدد قليل منهم، والباقون حفظ كل منهم ما تيسر له، ولكنهم جميعا كانوا حريصين على العمل بالقرآن أولا بأول.
6 -
نزل القرآن أولا فى مكة ومدة فى المدينة بلهجة قريش وحدها وكانت للقبائل لهجات عربية تختلف فى بعض النطق والكلمات عنها فى قبيلة أو قبائل أخرى .. فلما دخلت القبائل العربية بكثرة فى الاسلام بالمدينة، احتاج الأمر إلى التسهيل عليها فى القراءة بلهجتهم فى بعض الكلمات، بناء على رجاء توجه به الرسول لمولاه، تخفيفا عن أمّته. كما جاء فى الحديث الصحيح المشهور فى هذا الموضوع .. «انزل القرآن على سبعة أحرف»
7 -
توفى الرسول صلى الله عليه وسلم والقرآن محفوظ فى الصدور كله لدى بعض الصحابة، ومتناثر عند الكثيرين. كما أنه كان مكتوبا محتفظا به ..
8 -
فى عهد أبى بكر رضى الله عنه وبمشورة عمر رضى الله عنه، كانت مراجعة المكتوب على المحفوظ مع ترتيبه حسبما نزل واحتفظ به عند أبى بكر الخليفة، ثم عند حفصة زوج الرسول وبنت عمر رضى الله عنهم جميعا بعد وفاة أبى بكر.
(1) سورة الأسراء/ 106.
9 -
وفى عهد عثمان رضى الله عنه، ظهرت الحاجة الماسة إلى كتابة مصحف يكون مرجعا وإماما لجميع المصاحف وللقراء، وكان أساس الجمع لهجة قريش، وإهمال ما عداها من اللهجات العربية الغربية التى لم تنتشر، حتى لا يستفحل الخلاف بين قارئى القرآن، مما يتسبب عنه تفريق وحدة المسلمين، فعمل رضى الله عنه على كتابة مصحف يجمع عليه المسلمين.
10 -
أرسل لكل قطر من الأقطار نسخة من هذا المصحف الإمام الذى سمى بمصحف عثمان ليكون هو المرجع الوحيد فى قراءة القرآن وحفظه، وليحرق ما عداه مما يخالفه، مما كان يضم بعض اللهجات التى أهملها المصحف الإمام وأجمع الصحابة على استحسان هذه الخطوة توحيدا لكلمة المسلمين حول كتاب الله».
11 -
ومنذ هذا اليوم وعلى مر الأيام والسنين، والمسلمون شديد والعناية والحرص على التمسك برسم المصحف الإمام وكلماته، برغم ما فى رسمه من مخالفات أحيانا لما عرف فيما بعد بالإملاء وطريقة كتابة الكلمات والحروف ..
حتى لا يتسرب إليه أدنى خلاف ولو فى رسم حرف من حروفه ..
12 -
وبذلك امتاز القرآن على كل ما عرفه البشر من كتب مقدسة، وغير مقدسة، أنه الكتاب الوحيد الذى ظل كما هو، وكما أنزله الله، محفوظا فى الصدور، مكتوبا فى المصاحف. وهذه ميزة تفرّد بها القرآن، كما تميز بها المسلمون على غيرهم فى الحفاظ على قرآنهم، وكان ذلك كله تحقيقا لوعد الله:
إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ 9 (1)
13 -
كان لأكثر ما نزل من القرآن أسباب. من أسئلة أو حوادث نزلت من أجلها الآيات، مما سمى أخيرا بأسباب النزول، وأفردها العلماء بمؤلفات خاصة بها .. وهى تهيئ للقارئ والمفسر فهم الآيات. ولكن لا تبقى الآيات خاصة
(1) سورة الحجر/ 9.
بهذا الذى نزلت من أجله، وينتهى مفعولها بانتهائه، بل تبقى لتعالج كل موضوع يجد، ويمكن انطباقها عليه، مما عبر عنه العلماء بعد ذلك بقولهم:
«العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب» فلم تبق حاجة لمعرفة السبب إلا للمعاونة على فهم الآية، وإن كان من الضرورى أحيانا معرفته عند فهم بعض الآيات.