المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌نهضة المسلمين العلمية - علم التفسير كيف نشأ وتطور حتى انتهى إلى عصرنا الحاضر

[عبد المنعم النمر]

فهرس الكتاب

- ‌[بين يدى الكتاب]

- ‌تمهيد:

- ‌الإسلام والعلوم

- ‌نهضة المسلمين العلمية

- ‌علم التفسير

- ‌استطراد لا بدّ منه:

- ‌هل ترك الرسول تفسيرا كاملا للقرآن

- ‌ابن عباس وما روى عنه

- ‌[ابن عباس والاسرائيليات]

- ‌[يعيب على الأخذ عنهم]

- ‌حديث آخر

- ‌[احتلال اسرائيلى]

- ‌[ليس تفسيره]

- ‌الصحابة وفهمهم للقرآن اعتبارات لا بدّ من مراعاتها

- ‌ولكن أى فهم كان

- ‌بناء العقيدة أولا:

- ‌المنهج الفكرى فى الحياة الجديدة وصلته بفهم القرآن

- ‌لا تسألوا عن أشياء

- ‌فى قلوبهم مرض

- ‌[مثل آخر]

- ‌فى حدود ثقافة الصحابة فهموا القرآن

- ‌المستوى الثقافى

- ‌بعثت إلى أمّة أمّيّة:

- ‌فراغ سدوه بالاسرائيليات:

- ‌الآيات الكونية:

- ‌سؤال عن الأهلة:

- ‌والنتيجة:

- ‌التفسير بعد عصر الرسول

- ‌عصر الصحابة

- ‌ثم بدأت الظروف تتغير:

- ‌قاعدة تحتاج إلى مناقشة:

- ‌يبقى شىء آخر يحتاج لمناقشة

- ‌تفرق الصحابة فى البلاد ومدارس التفسير

- ‌عصر التدوين

- ‌[أصل هذا التقسيم]

- ‌كتب التفسير

- ‌[التفسير بالمأثور]

- ‌[التفسير بالرأى]

- ‌النظرة إلى تفاسير المعتزلة:

- ‌تفاسير الألف الثانى من الهجرة

- ‌ملاحظة عامة:

- ‌[كتب تفسير للفرق الاسلامية]

- ‌ابن جرير الطبرى وتفسيره

- ‌مقدمات سبقته:

- ‌موقف الطبرى وموقفنا من الروايات:

- ‌واجبنا الآن هو التجريد:

- ‌دفاع أو اعتذار:

- ‌ما المراد بالشجرة:

- ‌خطته فى المبهمات:

- ‌شىء لا بدّ من التنبيه عليه:

- ‌الرأى المذموم:

- ‌الإمام فخر الدين الرازى وتفسيره

- ‌العصر الذى عاش فيه وألف كتابه

- ‌رأى علماء عصره وغيرهم فيه ورأيه فيهم:

- ‌هل أتم تفسيره

- ‌هل نقول إنه تفسير علمى:

- ‌النهضة الحديثة للتفسير

- ‌دور السيد رشيد رضا فى هذا التفسير

- ‌[مقدمة الإمام لتفسيره]

- ‌[فى الجزائر]

- ‌[فى الهند]

- ‌[أبو الكلام أزاد]

- ‌«اتجاهه لكتابة تفسير»

- ‌[كيف كان منهجه]

- ‌[فيما بعد الإمام]

- ‌الشيخ محمد مصطفى المراغى شيخ الأزهر

- ‌[طريقة تدريس التفسير]

- ‌[كتابى للتفسير]

- ‌[تفسير الشيخ طنطاوى جوهرى والتفسيرات العلمية]

- ‌الفخر الرازى والشيخ طنطاوى

- ‌القرآن والعلم

- ‌«القرآن محاولة لفهم عصرى»

- ‌التوراة والإنجيل والقرآن والعلم

- ‌علوم القرآن أو أصول التفسير

- ‌[تجريد التفاسير القديمة]

- ‌وكان رأيى

- ‌ترجمة القرآن أو تفسيره باللغات غير العربية

- ‌فى الهند

- ‌فى أوربا وأمريكا

- ‌مشروعى فى الأوقاف

الفصل: ‌نهضة المسلمين العلمية

‌نهضة المسلمين العلمية

وعلى هذا الأساس من الفهم المستقيم لمعنى العلم، انطلق المسلمون إلى العبّ من المعرفة، بشتى ألوانها وموضوعاتها دون أى تحرج من تعلم أى علم، حتى ولو كان شرا أو فيه شر .. ومنطقهم فى هذا كما يقول أحدهم:

وأعرف الشر لا للشر

ولكن لتوقيه

فمن لا يعرف الشر

من الخير يقع فيه

وكان من الطبيعى أن يبدءوا بمعرفة ما يتصل بدينهم من فهم القرآن، وأحكام العبادات، والمعاملات التى جاء بها الإسلام، من واقع إخلاصهم لدينهم. وحرصهم على تطبيقه فى حياتهم .. ثم انطلقوا بعد ذلك ومعه إلى كل علم، وكل فن لم يقفوا عند حد فيه ولم يتحرجوا من العبّ منه .. على اعتبار أن ذلك مما يأمرهم به دينهم أو على الأقل مما يرضى عنه .. حتى كنا نجد العالم منهم بجوار إحاطته بعلوم التفسير والحديث والفقه، وعلم الكلام متبحرا فى الطب، وفى الفلسفة، وفى الموسيقى .. وفى اللغة، والأدب، ونذكر نموذجا لهذا النوع من العلماء. الإمام فخر الدين محمد عمر بن الخطيب الرازى المولود فى سنة 453 هـ والمتوفى سنة 606 هـ، فقد صدرت عنه كتب فى: التفسير، وعلم الكلام، والأصول والفقه، والنحو والأدب، والفلسفة، والطب والهندسة، والفلك، بجوار معارفه التى لم يصدر فيها كتب، ويعتبر تفسيره موسوعة عامة فى مختلف العلوم مع التفسير.

فكان العالم بالطب أو الهندسة، أو الفلك أو بها جميعها عالما أيضا فى شئون الدين، واللغة والأدب، مما يشبه أن يكون عالما موسوعيا يجمع بين أطراف العلوم المختلفة فى موضوعاتها .. لم يروا بحكم دينهم وتدينهم أن هناك شيئا يحد من تعلمهم ومن تبحرهم فى علوم أخرى بجوار العلوم المتصلة بالتفسير والحديث واللغة .. كلها علوم يدعوهم دينهم إلى معرفتها.

ولذلك وجدنا فطاحل من علماء المسلمين، فى كل فرع من فروع العلم ..

ص: 10

ويذكر «روم لاندو» فى كتابه «الإسلام والغرب» (1) تحليلا لذلك بعد أن يدركه ويعجب به، ويرى أن الدافع إليه عند المسلمين:

رغبة متقدة فى اكتساب فهم أعمق للعالم كما خلقه الله.

قبول للعالم المادى لا بوصفه دون العالم الروحى شأنا ومقاما، ولكن بوصفه صنوا له فى الصحة والسوخ.

واقعية قوية تعكس فى صدق وإخلاص طبيعة العقل العربى اللاعاطفى.

فضولهم الفهم الذى لا يعرف الشبع فى المعرفة.

وأخيرا وأولا أن الدين والعلم فى نظر الإسلام لم يول كل منهما ظهره للآخر، ويتخذ طريقا معاكسا، بل كان الأول عندهم باعثا من البواعث الرئيسية للثانى.

اعتقادهم بأن كل ما فى الوجود صادر عن الله، وكاشف عن قدرته، ولذا فهو جدير بالمعرفة والتأمل: من وجد الصوفى إلى قرصة البعوضة، إلى انطلاق السهم، إلى مرض الطاعون. إلى غير ذلك من المظاهر، كله من الله، فيجب أن يدرس ويعرف حق المعرفة.

وقد روى أن عمر بن الحسام كان يقرأ يوما كتاب «المجسطى» فى الرياضيات السماوية «الفلك» لبطليموس على أستاذه الأبهرى، فدخل عليهما بعض الفقهاء، فقال لهما: ما الذى تقرءانه؟ فقال الأبهرى: «أفسر آية من القرآن الكريم وهى قوله تعالى:

أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّماءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْناها وَزَيَّنَّاها وَما لَها مِنْ فُرُوجٍ (2)

فأنا أفسر كيفية بنائها.

فهكذا كان الربط عندهم بين العلوم المختلفة والقرآن الكريم .. فكلها نابع منه، وخادم له.

(1) ص 246.

(2)

سورة ق/ 6.

ص: 11

ولذلك يعلق الإمام فخر الدين الرازى على هذه الرواية، فيقول بعد أن أوردها:«ولقد صدق الأبهرى فيما قال، فإن كل من كان أكثر توغلا فى بحار مخلوقات الله كان أكثر علما بجلال الله وعظمته»

والله الذى يحب المؤمنين الأقوياء كما يعلمنا رسول الله، كيف يكونون كذلك إذا لم يتعلموا كل ما يوفر لهم هذه القوة؟

والله الذى أمرهم أن يعدوا لأعدائهم ما يستطيعون من القوة لكى يسكتوهم ويرهبوهم عن التعرض لهم ..

والله الذى جعل العزة له ولرسوله وللمؤمنين.

كيف يمكن أن يكون ذلك كله واقعا كما يحب الله ويرضى دون أن يكون المسلمون على أكبر قدر من العلوم المختلفة التى يحتاجونها فى صلاتهم بربهم، وفى صلاتهم مع الناس، وفى سيطرتهم على الطبيعة، وتسخيرهم لها؟

كيف يكونون ملبين أمر ربهم «وأعدوا لهم» إذا لم يكونوا أسبق الناس جميعا فى معرفة أسرار الكون، وفى صنع القنابل والصواريخ .. وغير ذلك من أحدث وسائل القوة، وإذا لم يكونوا المبرزين فى علوم الفضاء والبحار، والزراعة وفى الصناعة والصحة، وفى كل ما يوفر للإنسان القوة والصحة فى كل جانب؟ والمؤمن القوى خير وأحب الى الله من المؤمن الضعيف.

ومن هنا سار الدين مع العلم فى طريق واحد .. وكان الدين هو القاطرة التى تجر مقطورات العلم، وخزائنه المتنوعة. وكلها تكون قطارا واحدا، أو قافلة واحدة فى الحياة تسير باسم الله.

وقد أنتج هذا نهضة علمية وحضارية أضاءت الدنيا، ومهدت الطريق للنهضة الأوروبية الحديثة .. وحمل هذه النهضة، أو أضاء شمعتها، رجال مؤمنون بربهم، على مختلف مستوياتهم، واتجاهاتهم .. لا يزال الكثير منهم درة فى تاج الإنسانية.

نذكر منهم على سبيل المثال: عالمنا «أبا الريحان البيرونى» 362 هـ- 973 م وتوفى سنة 440 هـ- 1048 م .. ونبوغه فى عدة علوم كان من أهمها الفلك

ص: 12

والرياضة، يقول عنه المستشرق الألمانى الذى نشر كتبه: إن البيرونى هو أعظم عقلية ظهرت فى التاريخ، لا فى الشرق وحده، ولا فى الغرب وحده، ولا فى القديم وحده، ولا فى العصور المتوسطة ولا العصور الحديثة، إنه أكبر عقلية ظهرت فى التاريخ.

هذا العالم الفذ الذى سبق الأفكار كلها فى عالم الرياضة والفلك، كان من كبار العلماء المشتغلين بعلوم الدين أيضا، حتى ليروى أحد أصدقائه أنه ذهب ليزوره، وهو على فراش الموت وفى النزع الأخير، فحين رآه قال له: لقد كنا نتحدث فى يوم من الأيام عن الجدات الفاسدات (اصطلاح فقهى للجدود من ناحية الأم)، فإلام انتهينا من أمرها؟

فقال له صاحبه: أفى هذه الحالة، وهذه الظروف تسأل عن الجدات الفاسدات؟

فقال له البيرونى لأن ألقى الله وأنا من العالمين بها، خير من أن ألقاه وأنابها من الجاهلين»

وتحدثا سويا فى الموضوع ثم خرج الزائر الصديق، ولم يبعد إلا قليلا عن البيت، حتى سمع الصراخ لموت البيرونى.

هذه الواقعة التى كانت آخر تحرك علمى فى حياته، ترينا لماذا كان أعظم عقلية، وأعظم عالم فى التاريخ .. ثم ترينا الحافز الدينى الذى كان يدفعه ويدفع أمثاله إلى العبّ

من العلم بكل أنواعه .. فكان مع نبوغه فى الفلك والرياضيات وغيرها، متبحرا كذلك فى العلوم المتصلة بدينه وأحكامه، لأنه لم يكن هناك أى حاجز بينها، بل كان بعضها يغذى بعضا ويقويه ..

وكان «الكندى» أبو يوسف يعقوب بن إسحاق 185 هـ 801 م المتوفى سنة 251 هـ- 865 م، الفيلسوف العربى المولود بالكوفة، كان ملما بعلوم الدين، بجوار اشتهاره بالفلسفة والرياضيات والطبيعيات والفلك، والطب والجغرافيا، والموسيقى وكان لحبه لدينه وغرامه بالفلسفة معنيا بالتوفيق بينهما.

يقول عنه الغربيون الذين درسوا كتبه: «إنه أحد ثمانية هم على وجه الإطلاق النابغون فى العالم» .

ص: 13

كان مع دراسته وإحاطته بعلوم الدين، أحد ثمانية من النابغين فى العالم فى الرياضة، وكان طبيبا ناجحا وموسيقيا يعلم الموسيقى ويعزف، ويتخذها إحدى وسائل العلاج، مما وصل إليه العلم أخيرا.

وابن الهيثم (أبو على الحسن، ولد بالبصرة سنة 355 هـ 965 م ورحل إلى مصر وأقام بها وتوفى سنة 431 هـ- 1039 م فى عهد الدولة الفاطمية) كان نموذجا بل من أعلى النماذج فى النبوغ فى العلم بشتى فروعه، وإن كان قد اشتهر عنه نبوغه فى «علم البصريات» وله نظريات وطرق فى البحث التجريبى سبق به كل علماء أوربا، وكان أستاذهم الذى عنه أخذوا، وبفضله عليهم اعترفوا ..

وابن سينا (أبو على الحسين بن عبد الله بن سينا، المولود قرب بخارى سنة 370 هـ 980 م- والمتوفى سنة 428 هـ 1036) درس العلوم الشرعية والعقلية، حتى أصبح حجة فى الطب والرياضة والفلسفة والموسيقى بجانب تبحره فى العلوم الدينية، ومحاولاته التوفيق بينها وبين الفلسفة.

تلك بعض النماذج للعلماء الذين جمعوا بين علوم الدين، والعلوم الأخرى التى نبغوا فيها، وهناك مئات وآلاف من أمثالهم، نبغوا فى ظل الإسلام ..

وجمعوا بين علوم الدين واللغة، وبين العلوم الأخرى التى نسميها الآن علوما حديثة، وكل ذلك فى ظل الإسلام وبتوجيه منه، حتى ليقول العالم الفرنسى «سيديو»: لقد كان المسلمون منفردين بالعلم فى تلك القرون المظلمة، فانتشر فى كل مكان وطئته أقدامهم، وكانوا هم السبب فى خروج أوربا من الظلمات إلى النور.

ويقول «بريفو» فى كتابه «تكوين الانسانية» : العلم هو أجل خدمة أسدتها الحضارة العربية إلى العالم الحديث، فالعلم الأوربى مدين بوجوده للعرب.

ويتحدث السيد جمال الدين الأفغانى فى كتاب «خاطرات جمال الدين» للمخزومى، عما سبق إليه العرب ونبغوا فيه، فيذكر الكثير من اكتشافات العلماء الإسلاميين. كالجاذبية والمركز، ولم يكن المكتشف لهما «إسحاق نيوتن» وكذلك التحليل والتركيب، والفوسفور، واستحضاره، واستحضار

ص: 14

الأوكسجين، والإيدروجين، والآزوت، وحامض الكبريت والكبريت وغيرهما وقال: كل ذلك من مكتشفات العرب، وكان الأساتذة فى علم الكيمياء للجيل الثالث الهجرى هم: أحمد بن سلمة المجريطى، وتلميذه ابن بشرون، وأبو السمح، وقد تقدمهم مثل جابر بن حيان الحرانى، ومن بعدهم زكريا أبو بكر الرازى وغيرهم.

وقالوا إن «بيكون» هو أول من جعل التجربة والمشاهدة قاعدة العلم العصرية، وأقامها مقام الرواية

وذلك حق فى أوربا، وأما عند العرب فقد وضعوا هذه القاعدة لبناء العلم عليها فى أواخر القرن الثانى الهجرى .. ومنها أخذ «بيكون» ويذكر «جوستاف لوبون» أن القاعدة عند العرب كانت «جرب وشاهد ولاحظ تكن عارفا» وعند الأوربى إلى ما بعد القرن العاشر المسيحى:«اقرأ فى الكتب وكرر ما يقول الأساتذة تكن عالما»

«وأما فى الكيمياء فلا يمكنك أن تعد مجربا واحدا عند اليونانيين، ولكنك تعد من المجربين مئين عند العرب، ولهذا عدت الكيمياء الحقيقية من اكتشاف العرب دون سواهم» .

ويقول الفيلسوف «درابر» الأمريكى: تأخذنا الدهشة احيانا عند ما ننظر فى كتب العرب فنجد آراء كنا نعتقد أنها لم تولد إلا فى زماننا.

ويقول الرئيس السابق للولايات المتحدة «أيزنهاور» فى خطاب له:

«إننى عند ما أتطلع إلى المستقبل أرى ظهور دول عربية حديثة سوف تقدم إلى القرن الحاضر مساهمات تفوق تلك التى لا نستطيع أن ننساها، إننا نذكر أن علوم الحساب والجبر فى الغرب مدينة كثيرا للرياضيين العرب، كما أن الكثير من أسس علم الطب فى العالم، وكذلك علم الفلك قد وضعه العرب» . (1)

ذكرت هذا مختصرا قدر الإمكان، لنزيل من الأذهان ما علق بها أخيرا فى عصور الضعف من أن الإسلام يفرق بين العلوم، فيحتضن بعضها، ويحث على تعلمه، ويكره بعضها، ويكره أن يتعلمه المسلمون، وهو ما عرف فى عصور

(1) نشرة الاستعلامات فى 10/ 2/ 1959.

ص: 15

الضعف بالعلوم الحديثة، وليعلم المسلم وغيره من نصوص القرآن والسنة، ومن واقع المسلمين إبان العصور الأولى، أن الإسلام يحتضن العلم على مختلف موضوعاته، وأن الواجب على المجتمع المسلم، أن يوفر لنفسه العلماء والصناع والزراع وغيرهم فى كل ناحية من نواحى الحياة .. فإذا خلا المجتمع من علماء أو متخصصين فى ناحية من النواحى، وجب وجوبا شرعيا عينيا مؤكدا على ولى الأمر، العمل على توفير هذا التخصص للأمة، حتى لا تحتاج لغيرها، وتكون عالة عليه فى حياتها. يستوى فى ذلك كل علم، وكل حرفة ومهنة، وإن كان من الضرورى- عقلا وشرعا- أن تكون هناك أولوية بين هذه العلوم حسب حاجة الأمة إليها، سواء فيما يتصل بعلاقتها مع ربها أو بعلاقتها مع الناس وتشكيل حياتها.

ولما كان الإسلام يضع قاعدة أولى للانطلاق إلى العمل فى الحياة وهى قاعدة الإيمان، ويبنى على هذه القاعدة تنظيم حياة الإنسان التنظيم الدقيق الإيجابى، كان من المهم أولا العناية بكيفية بناء هذه القاعدة وما يتفرع عنها من نظم لضبط حياة الإنسان واستقامتها.

ومن هنا كانت علوم الدين فى مقدمة العلوم التى يجب على الإنسان تحصيلها، وكان من الضرورى أن يوجد العلماء أو المعلمون، والمتخصصون الذين يتولون الإشراف والتوجيه لبناء هذه القاعدة وصيانتها.

ومن أجل هذا كانت عناية القرآن الخاصة بهذه المهمة، وكان النص عليها بذاتها، مع ما جاء من حث عام على العلم، ومدح للعلماء، ورفع لدرجاتهم.

. الخ ..

كان هذا التخصيص دليل عناية خاصة ببناء القاعدة الأساسية، فى حياة الفرد المسلم، وفى حياة الجماعة.

وذلك فى قوله تعالى «فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ، وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ» (1).

(1) التوبة/ 122.

ص: 16

ذلك لأن لكل أمة قاعدة تنطلق منها إلى نهضتها، وإلى إثبات وجودها وقيمتها فى الحياة

والمسلمون لم يبدءوا حياتهم، ولم يخطوا الخطوة الأولى فى وجودهم، استجابة لفلسفة يضعها بشر، وإنما بدءوا حياتهم على أساس الإيمان بدين منزل من عند الله، وتوجيه رسول أرسله الله، وعلى هدى قرآن أنزله الله على رسوله .. واستمدوا من ذلك وجودهم وكيانهم وشخصيتهم، وبنوا عليه كل تحركاتهم وسكناتهم، وشكلوا على هديه كل مظاهر حياتهم ..

فمن الضرورى والحالة هذه أن تكون عنايتهم الأولى مركزة على فهم دينهم، وفهم القرآن الذى يمثل العمود الفقرى فى حياتهم، وفهم ما يتصل بالعقيدة وسلامتها، وما يتصل بالأحكام فى العبادة والمعاملات، حتى تأتى أعمالهم طبقا لما يطلبه منهم دينهم ..

وقد برزت هذه الناحية فى حياة المسلمين بصورة طبيعية، سواء من جانب رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو من جانبهم، فكانت عناية الرسول بتبليغهم ما أنزل عليه من القرآن أولا بأول، وتطبيقه على نفسه، وعلى من حوله من أصحابه، وشرح ما يحتاجون إليه من شرح وبيان .. وكانت عنايتهم كذلك بتلقى ما نزل من القرآن، وحفظه ما أمكن، والحرص على ملازمة الرسول، وفهم توجيهاته، حتى كانوا يتناوبون حضور دروسه، ومصاحبته، والحاضر منهم فى نوبته يبلغ الغائب ما سمعه وعرفه .. حتى لا يفوت الواحد منهم شىء نزل من القرآن، أو قاله الرسول .. مدفوعين إلى ذلك بقوة إيمانهم بالله ورسوله، وحرصهم على أن تكون حياتهم صورة حية لما جاء به نبيهم ورسولهم، وطبقا لتعاليم دينهم ..

كان دينهم هو كل شىء هو زادهم فى حياتهم، وهو رفيقهم حين يلقون ربهم .. وكان القرآن- كما قلنا- يمثل العمود الفقرى لحياة المسلمين، فمن الطبيعى- والحالة هذه- ألا يغيب عنهم منه شىء، وكانوا يفهمون القرآن وتوجيهاته بسليقتهم العربية، فإذا أشكل عليهم منه أمر استوضحوه من رسول الله، أو سأل بعضهم من يظن أنه عارف به ..

ص: 17

وقد جاء القرآن مغطيا لكل جوانب الحياة تفصيلا أو إجمالا، وزاده الرسول توضيحا وبيانا وتفصيلا، استجابة لأمر الله وتوجيهه

وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ 44 (1)

فلم يكن عجيبا، أن يركزوا كل حياتهم، ويوجهوا كل اهتمامهم إلى القرآن يلتمسون منه الرشد والهدى.

وكان أسلوب القرآن مع ذلك أسلوبا عربيا جديدا جاذبا أخاذا لم يسمع العرب الفصحاء مثله من قبل، ولم يتمالك أعتى المشركين من أن يصفه برغم معارضته له بقوله «إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة» كما لم يتمالك عمر بن الخطاب وهو فى ثورته ضد الرسول، وضد من اتبعه، من أن يلقى سلاحه، ويسلم حين سمع آيات منه من سورة «طه» .

وكان العرب فى ذلك الوقت على أعلى درجة من الفصاحة، فلم يكن من الصعب عليهم، أن يفهموا القرآن، ويتذوقوا حلاوته .. وإن كانوا متفاوتين بالطبع فى مدى الفهم والإدراك .. وواقفين ضرورة عند بعض ألفاظ ومعلومات جديدة عليهم يحتاجون إلى تفسيرها وتجلية المراد منها.

وفى هذه الأرض الطيبة، وفى هذا المناخ، وضعت البذور الأولى لما كان يمكن أن نسميه: بعلوم الدين. من تفسير وحديث وأحكام وعقيدة ..

كانت كلها شيئا واحدا يرسم طريق المسلم على هدى القرآن وتعليمه .. يتصل بعضه ببعض، ويغذى بعضه بعضا .. وكانت حياة الرسول صلى الله عليه وسلم وأقواله، أوضح بيان وتفسير للقرآن الكريم .. وصورة عملية لما يطلبه الله من المؤمنين .. فحين سئلت السيدة عائشة رضى الله عنها عن خلق رسول الله، قالت: كان خلقه القرآن ..

ومن أجل هذا يكون كلامنا عن تفسير القرآن أولا هو الوضع الطبيعى الواقعى.

(1) النحل/ 44.

ص: 18