المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ مناهج البحث في علم اللغة: - علم اللغة

[علي عبد الواحد وافي]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمات

- ‌إطراء مجمع اللغة العربية لكتابي علم اللغة وفقه اللغة

- ‌مقدمة الطبعة الأولى

- ‌تمهيد في التعريف بعلم اللغة

- ‌ البحوث اللغوية وما يدخل منها تحت علم اللغة:

- ‌ أغراض علم اللغة:

- ‌ قوانين العلوم:

- ‌ قوانين علم اللغة:

- ‌ قوانين "الفونيتيك" وقوانين "السيمنتيك

- ‌ الشعبة التي ينتمي إليها علم اللغة:

- ‌الانتفاع ببحوث علم اللغة من الناحية العلمية

- ‌ علاقة علم اللغة بما عداه من البحوث:

- ‌ مناهج البحث في علم اللغة:

- ‌ تاريخ البحوث اللغوية:

- ‌ موضوعات هذا الكتاب:

- ‌الباب الأول: نشأة اللغة

- ‌مدخل

- ‌الفصل الأول: نشأة اللغة عند الإنسان

- ‌ أنواع التعبير الإنساني:

- ‌ اختصاص الإنسان باللغة ومراكزها:

- ‌ نشأة الكلام:

- ‌ نشاة مراكز اللغة:

- ‌ المراحل الأولى التي اجتازتها اللغة الإنسانية:

- ‌الفصل الثاني: نشأة اللغة عند الطفل

- ‌ أنواع الأصوات في الطفولة، وأساس كل منها:

- ‌ أنواع التعبير في الطفولة:

- ‌ المراحل التي يجتازها الطفل في أصواته وتعبيراته:

- ‌ عوامل كسب الطفل للغة:

- ‌ أثر النظر في التقليد اللغوي:

- ‌ أساس التقليد اللغوي عند الطفل:

- ‌مبلغ تمثيل الطفل في ارتقائه اللغوي لنشأة الغة الإنسانية وتطورها

- ‌الباب الثاني: حياة اللغة

- ‌مدخل

- ‌الفصل الأول: تفرع اللغة إلى لهجات ولغات

- ‌ انتشار اللغة وأسبابه:

- ‌ تفرع اللغة إلى لهجات ولغات نتيجة لازمة لسعة انتشارها:

- ‌ اللهجات المحلية وصراعها بعضها مع بعض

- ‌ نشأة لغة الدولة أو لغة الكتابة:

- ‌ اختلاف مناحي الفصحى باختلاف فنون القول:

- ‌ اختلاف اللهجات في البلد الواحد باختلاف طبقات الناس وفئاتهم:

- ‌ اختلاف لهجة الرجال عن لهجة النساء:

- ‌الفصل الثاني: فصائل اللغات وخواص كل فصيلة منها وما بينها من صلات:

- ‌ أشهر الآراء في فصائل اللغات:

- ‌ الفصيلة الأولى: الهندية الأوربية

- ‌ الفصيلة الثانية: الحامية - السامية:

- ‌الفصيلة الثالثة: اللغات الطورانية

- ‌ بعض ما تختلف فيه الفصيلتان السامية، والهندية - الأوربية:

- ‌ وجوه الشبه بين الفصيلتين السامية

- ‌الفصل الثالث: صراع اللغات

- ‌ نظرة عامة في عوامله وآثاره في حياة اللغة:

- ‌ العامل الأول: نزوح عناصر أجنبية إلى البلد

- ‌ العامل الثاني من عوامل الصراع اللغوي:

- ‌ عوامل أخرى للاحتكاك اللغوي:

- ‌الفصل الرابع: التطور اللغوي العام

- ‌مدخل

- ‌ انتقال اللغة من السلف إلى الخلف، وأثره في التطور اللغوي:

- ‌ تأثر اللغة باللغات الأخرى تبادل المفردات بين اللغات:

- ‌ العوامل الأدبية المقصودة:

- ‌الفصل الخامس: أصوات اللغة حياتها وتطورها

- ‌خواص التطور الصوتي وعوامله

- ‌ التطور الطبيعي المطرد لأعضاء النطق

- ‌ اختلاف أعضاء النطق باختلاف الشعوب:

- ‌ الأخطاء السمعية:

- ‌ تفاعل أصوات الكلمة بعضها مع بعض:

- ‌ موقع الصوت في الكلمة

- ‌ تناوب الأصوات وحلول بعضها محل بعض:

- ‌الفصل السادس: الدلالة وتطورها

- ‌أنواع التطور الدلالي

- ‌ خواص التطور الدلالي ومناهجه:

- ‌ عوامل التطور الدلالي:

- ‌أهم المراجع

- ‌أولا: المراجع العربية

- ‌ثانيا: أهم المراجع الأفرنجية

- ‌الفهرس:

- ‌تعقيب:

الفصل: ‌ مناهج البحث في علم اللغة:

-علم الإنسان- في الوقوف على نشأة الفصيلة الإنسانية، ونشأة مراكز اللغة عند الإنسان، ونشأة أجهزة السمع والنطق، والتطورات التي اجتازتها الفصيلة الإنسانية فيما يتعلق بالتكوين الجسمي، وعلى الأخص تكوين أعضاء السمع والنطق، وفي الوقوف على قوانين الوراثة، وانتقال الصفات الجسمية من الأصول إلى الفروع، وبيان أثر هذه الظواهر كلها، وما إليها في اللغة الإنسانية نشأتها وانتشارها وتطورها1.

وحماديّ القول: إن علم اللغة يتصل بكل طوائف العلوم؛ غير أن صلته بأفراد فصيلته، ونعني بها: العلوم الاجتماعية، أشد من صلته بالطوائف الأخرى، على أن ما يصدق على علم اللغة بهذا الصدد، يصدق على ما عداه من العلوم؛ فالمعارف الإنسانية كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضًا.

هذا، وتشتد حاجة علم اللة إلى الطبيعة والفييولوجيا والتشريح واالأنتروبولوجيا في بحوثه الخاصة بالأصوات -شعبة الفونيتيك2، على حين أن حاجته إلى الاجتماع وعلم النفس والتاريخ والجغرافيا تشتد في بحوثه المتعلقة بالدلالة -شعبة السيمنتيك3، والمتعلقة بحياة اللغة4.. وما إلى ذلك.

1 لم يفكر علماء اللغة في الاستعانة بعلوم الطبيعة والفيزيولوجيا والتشريح والبيولوجيا والأنتروبولوجيا إلّا منذ عهد قريب.

2 انظر موضوع هذه الشعبة بصفحة 7، رقم 3.

3 انظر موضوع هذه الشعبة بصفحة 7، رقم 4، والصفحات التالية لها.

4 انظر موضوع هذه البحوث في صفحة 7، رقم2.

ص: 33

9-

‌ مناهج البحث في علم اللغة:

يراد بمناهج البحث الطرق التي يسير عليها العلماء في علاج المسائل، والتي يصلون بفضلها إلى ما يرمون إليه من أغراض، وقد تقدم لك أن العلوم تتفق جميعها في اتجاهاتها الأساسية وفي وجهة

ص: 33

نظرها إلى الظواهر التي تعالجها، وفي الأغراض العامة التي ترمي إليها من وراء دراستها، وقد كان لزامًا، وهي متفقة في هذه الأمور، أن تتحد فيها بعض مناهج البحث، ولذلك كان من بين مناهج البحث بعض طرق تستخدم في مختلف فروع العلوم، ويطلقون على هذه الطرق اسم "الطرق العامة"، أو "مناهج البحث المشتركة".

ولكن لكل فرع منها موضوعات معينة، وأغراضًا يمتاز بها عما عداه من الفروع، وقد نجم عن هذا أن استخدم كل علم منها في دراسته -زيادة على الطرق العامة التي سبق ذكرها- طرقًا خاصةً به تتفق مع طبيعة موضوعاته، وتدعو إليها مميزات ظواهره، وما يرمى إليه من أغراض خاصة به.

ولكل شعبة من شعب العلم الواحد مسائل متميزة تختلف في بعض خواصها ومظاهرها عن مسائل الشعب الأخرى، ولذلك نرى أن العلم الواحد قد يستخدم في دراسته لموضوع من موضوعاته طرقًا لا يستخدمها، ولا ينبغي استخدامها، في موضوع آخر من العلم نفسه.

وعلى هذا السَّنَنِ سار علم اللغة في دراساته: فاستخدم طرقًا عامة يشترك فيها مع غيره من البحوث العلمية، واستخدم كذلك طرقًا خاصة به تقتضيها طبيعة الظواهر التي يعرض لدراستها ولا تتلاءم مع غيرها، وامتازت كل شعبة من شعبه عما عداها ببعض طرق دراسية تواتي طبيعة مسائلها، وتحقق أغراضها من أقرب سبيل.

وسنعرض بإيجاز فيما يلي لأهم هذه الطرق، معلقين على كلٍّ منها بما يوضح نوعها ونواحي استخدامها، ويبين منشأها وما بها من محاسن وعيوب.

الطريقة الأولى: طريقة الملاحظة المباشرة:

أي: التي لا يلتجأ فيها إلى التجارب، ولا تستخدم فيها الأجهزة،

ص: 34

بل يقتصر فيها على ملاحظة الظواهر اللغوية في حالاتها العادية، ولا يستعين فيها الباحث بغير حواسه وقواه العقلية.

وفي هذه الطريقة يشترك علم اللغة مع عدد كبير من العلوم الأخرى، وبخاصة العلوم الطبيعية، وهي أقدم طريقة استخدمها الباحثون في علم اللغة، ولا تزال إلى الآن من أهم طرقهم، وإليها يرجع الفضل في معظم ما وصلوا إليه. فعلى ضوء الملاظة استطاعوا أن يقسموا الظواهر اللغوية إلى أقسام متميزة، ويرجعوها إلى طوائف محددة، ويردوا الفروع إلى أصولها، فنظمت بذلك موضوعات العلم، ونسقت فروعه، وسهلت دارسته. وبفضل هذه الطريقة كذلك كشف العلماء عن كثير من الحقائق المتصلة بنشأة اللغة وحياتها وتطورها ووظائفها، والعلاقات التي تربط ظواهرها بعضها ببعض، والتي تربطها بما عداها، والقوانين الخاضعة لها في مختلف نواحيها.

وتنقسم الملاحظة أقسامًا كثيرة باعتبارات مختلفة:

فتنقسم باعبتار نوع الظواهر اللغوية التي تعالجها إلى قسمين: ملاحظة صوتية Phonetique، وهي ملاحظة الظواهر اللغوية المتعلقة بالصوت، وملاحظة دلالية semantique، وهي ملاحظة الظواهر اللغوية المتعلقة بالدلالة.

وتنقسم باعتبار نوع اللغات التي يتناولها البحث إلى قسمين: ملاحظة اللغات الحية، وملاحظة اللغات الميتة، أما ملاحظة اللغات الحية فسبيلها واضحة، وأما ملاحظة اللغات الميتة فتتحقق بالرجوع إلى ما وصل إلينا عنها في المؤلفات والوثائق والآثار

وما إلى ذلك، وملاحظة اللغات الميتة كبيرة الأهمية في الدراسات اللغوية على العموم، وفي دراسة نشأة اللغات وتطورها على الخصوص؛ فلو اقتصر علماء اللغة على ملاحظة اللغات الحية لما وصلوا إلى شيء يعتدّ به بصدد التطور اللغوي، ولتعرضت بحوثهم وآراؤهم بهذا الصدد للزلل والاضطراب، وما كان يتاح لعلمهم في هذا الأمد القصير أن يصل إلى

ص: 35

ما وصل إليه من حقائق وقوانين تنتظم جميع الظواهر اللغوية، وذلك أن ارتقاء اللغات وتطورها لا تظهر آثارهما جليّةً واضحةً إلا بملاحظة مرحلة طويلة من مراحل التاريخ الإنساني، وهذا لا يتاح إلّا بدراسة اللغات الميتة من بطون الكتب والآثار. وقد بدأ علم اللغة بداءةً حسنة بهذا الصدد، فقد وجَّه الباحثون فيه منذ نشأته عناية كبيرة إلى دراسة اللغات الميتة القديمة، بل إن عناية القدامى منهم بملاحظة اللهجات الحية واللغات الحاضرة لم تكن شيئًا مذكورًا بجانب عنايتهم بدراسة ما دثر من اللغات1.

وتنقسم الملاحظة كذلك باعتبار تعلقها بشخص الملاحِظ -بكسر الحياء- أو بغيره إلى قسمين: أحدهما: الملاحظة الذاتية Subjective، وهي أن يلاحظ الباحث ما يصدر عنه هو من ظواهر لغوية، ويدون ملاحظاته ويحللها؛ ليصل على ضوئها إلى تحقيق ما يرمي إليه، أو أن يكلف شخصًا آخر أن يلاحظ ما يصدر عنه -عن ذلك الشخص الآخر- من ظواهر لغوية، ويطلب إليه أن يصفها له، فيدون هذا الوصف ويحلله ويوازنه بملاحظات أخرى، ويستخدمه في علاج ما تعنيه دراسته. وثانيهما: الملاحظة الخارجية Objectif، وهي ملاحظة الباحث لما يصدر عن شخص آخر من ظواهر لغوية، بدون أن يكون لهذا الشخص الآخر أي دخل في الملاحظة، وهذا القسم الأخير ينقسم هو نفسه قسمين: ملاحظة خارجية سلبية Passive، وملاحظة خارجية إيجابية Positeve؛ فالسلبية: هي ما يترك فيها الملاحَظ -بفتح الحاء- على حالته الطبيعية، بأن يقتصر الباحث على الاستماع إليه، وهو يتحدث حديثًا عاديًّا، والإيجابية: هي ما يعمل فيها الباحث على توجيه الشخص الذي تُجْرَى عليه الملاحظة وجهةً معينة، بأن يُلْقِي عليه أسئلة خاصة في الموضوعات التي يهمه بحثها؛ ليصل على ضوء إجاباته إلى الوقوف على ما يعنيه الوقوف عليه.

1 سنتكلم عن هذا بتفصيل في أثناء كلامنا عن تاريخ البحوث اللغوية "انظر الفقرة التالية".

ص: 36

وقد أخذ علماء اللغة على طريقة الملاحظة بمختلف أنواعها مآخذ كثيرة، وتبين لهم نقصها في كثير من الشئون.

فكثير من العلماء لا يثقون بالملاحظة الذاتية -ملاحظة الباحث لما يصدر عنه هو من ظواهر لغوية- ويرتابون في كل ما يصل عن طريقها من حقائق، وذلك أنهم يرون أن قوى العقل في أثناء ملاحظة الإنسان لما يصدر عنه ويقوم به من ظواهر لغوية تكون موزعة مشتتة؛ فهي تشرف على إصدار الظواهر اللغوية، وتلاحظ في الوقت نفسه ما تصدره من هذه الظواهر، وتكون النتيجة أن كلا الأمرين -الاصدار والملاحظة- يكون ناقصًا غير طبيعيّ، لعدم تفرغ القوى العقلية له، ولاشتغالها بشيء آخر في أثناء قيامها به، هذا إذا لاحظ الباحث نفسه في أثناء قيامها بالظاهرة اللغوية، فإن ملاحظته في هذه الحالة تكون منصبَّةً على ما تستعيده ذاكرته من عناصر الظاهرة التي فرغ منها. وملاحظة كهذه لا يوثق بها؛ لأنه من المتعذر أن يتذكر الإنسان كل ما أصدره أو قام به تذكرًا صحيحًا لا نقض فيه ولا زيادة ولا تغيير ولا تبديل.

هذا إلى أن عزم الشخص على ملاحظة ما يصدر عنه من ظواهر لغوية، سواء أراد أن تجرى هذه الملاحظة في أثناء قيامه بالعمل، أو بعد فراغه منه، يحمله على توجيه قسط من انتباهه للعمل في أثناء صدوره، وتوجيه الانتباه لعمل من الأعمال العادية في أثناء صدوره يشوهه، ويجعله يصدر في صورة غير طبيعية. ألا ترى أنك لو حاولت أن تعرف مثلًا كيف تكتب أو كيف تمشي؛ لاعتراك اضطراب في أعصابك فتتشوه كتابتك وتتعثر في مشيتك؟

وكثيرًا ما يكون علماء اللغة متأثرين في أثناء ملاحظتهم لما يصدر عنهم من ظواهر لغوية ببعض مبادئ ونظريات، فمهما حاولوا الدقة في الملاحظة، فإن هذه المبادئ والنظريات تفسد عليهم أحكامهم، وتبعدها عن الحقيقة من حيث لا يشعرون.

ص: 37

وكثيرًا ما تغري الملاحظة الذاتية الباحثين بالتسرع في أحكامهم؛ فقد يكون بعض ما يصدر عنهم من ظواهر لغوية خاصًّا بهم، لا يشترك معهم فيه غيرهم من الأفراد؛ فالاقتصار على الملاحظة الذاتية في حالات كهذه يغرر بالباحثين، ويجعلهم ينظرون إلى أمور فردية نظرتهم إلى ظواهر عامة.

هذا إلى أن الفرد لا يمكن أن يمثل في حياته الفردية إلّا ناحية يسيرة من ظواهر لغته، فالاقتصار على الملاحظة الذاتية يجعل دائرة البحث ضيقة كل الضيق.

على أن ثَمَّ ظواهر لغوية كثيرة لا تمكن فيها مطلقًا الملاحظة الذاتية، ومن ذلك: الظواهر اللغوية في أدوار الطفولة الأولى، وذلك لأن الطفل لا يشعر بما يصدر عنه، وما يقوم به من ظواهر لغوية شعورًا دقيقًا، ولا يستطيع أن يصفه وصفًا يعتد به.

وقد دلت التجارب على خطأ الملاحظة الذاتية حتى في الظواهر اللغوية الداخلية التي لا يدركها بشكل مباشر إلّا المتكلم نفسه؛ كحركات اللسان مثلًا في أثناء النطق بصوت ما، فقد ظهر للباحثين بعد أن استخدموا الأجهزة الدقيقة في دراسة هذه الطائفة من الظواهر فساد كثير من النظريات القديمة التي كان مصدرها الملاحظة الذاتية.

وكثير من العلماء لا يطمئن كذلك إلى الملاحظة الخارجية في شكليها السلبي والإيجابي، أما شكلها السلبي فلبطئه وضآلة محصوله، فإذا اقتصر الباحث على ملاحظة الناس في حالاتهم العادية فقد ينقضي عمره قبل أن يتم له تحقيق مسألة لغوية واحدة، وأما شكلها الإيجابي فلأنه عرضة للزلل وخطأ التأويل. فقد لا يفهم الملاحظ -بفتح الحاء- حق الفهم ما يُلْقَى عليه من أسئلة فيجيب إجابات مضللة. هذا إلى أن شعوره بأن لغته موضوع ملاحظة يغير من اتجاهها، ويخرج بها عن حالاتها الطبيعية.

ووجهت كذلك اعتراضات كثيرة إلى الملاحظة الصوتية -ملاحظة

ص: 38

الظواهر اللغوية المتعلقة بالصوت. فقد أخذ كثير من العلماء على هذه الملاحظة أنها تعتمد على الأذن الإنسانية، وأن هذه الحاسة غير دقيقة في تمييز أنواع الصوت، وإدراك خصائصه.

ويزيد من فساد إدراكاتها ثلاثة أمور:

أحدها: تأثر السامع بالشكل الكتابي للكلمة، فلا يسمعها على الوجه الذي لفظت به، بل على الوجه الذي يتفق مع رسمها؛ فكثيرًا منا ينطق مثلًا بالعبارات الآتية على هذا النحو:"ضار لْعلوم"، "مسألَ صعبَ جدًّا"، "جر تلمصري"، "صؤت جميل"،ولكن يخيل لمن يسمعها إذا كان ملمًّا بالقراءة والكتابة أنه يسمعها على النحو الآتي:"دار العلوم"، "مسالة صعبة جدًّا"، "جريدة المصري"، "صوته جميل". وذلك لتأثره في سماعها بالشكل الذي ترسم به.

وثانيها: أن السامع يوجه قسطًا كبيرًا من انتباهه في أثناء السماع إلى مدلول الكلمات والعبارات، ولا يعنى كثيرًا بإدراك الأصوات، وهذا الاتجاه الذي لا يستطيع أي سامع أن يتحرر منه تمام التحرر، يجعل إدراكه السمعي عرضة للزلل، فهو بمجرد أن يدرك معنى الكلمة، وذلك يتحقق بسماع بعض حروفها، وبمجرد أن يدرك معنى الجملة، وذلك يتحقق بإدراك بعض كلماتها، ينصرف عن سماع الباقي، فلا يدركه إدراكًا سمعيًّا صحيحًا. تعمد مثلًا تحريف بعض كلمات في جملة، وناقش السامع فيما سمعه، تر أنه لم يتبين هذا التحريف، قُلْ مثلًا لزائرٍ "ازًّيْ صِحَّتَ"، فإنه يسمعها "ازاي صحتك"، ولا يتبين حذفك لكاف الخطاب، وقل مثلًا في أثناء التحسر على شخص:"بسكين الراجل ده"، فإن المخاطب يسمعها "مسكين"، ولا يفطن لاستبدال الباء بالميم.

وثالثها: أن غرابة الصوت على الأذن، أي: عدم إيلافها سماعه من قبل، يجعلها تدركه إدراكًا خاطئًا، ويظهر هذا من سماعك لكلمات

ص: 39

لغة أجنبية لا تعرفها، فإنك لاتكاد تتبين الأصوات التي سمعتها، ولاتستطيع إعادتها صحيحةً لأول مرة.

ولكن على الرغم من جميع هذه المآخذ، لا تزال طريقة الملاحظة المباشرة من أهم الطرق المستخدمة في علم اللغة، ومن أعمها نفعًا وأكثرها إنتاجًا، ولا يمكن لأية شعبة من شعبه الاستغناء عنها، بل إن بعض الشعب لا يواتيها في بحوثها إلّا هذه الطريقة1.

غير أن هذه الاعتراضات ترشدنا إلى اتخاذ احتياطات كثيرة بهذا الصدد؛ فمن ذلك:

1-

أن الاقتصار على شكل واحد من أشكال الملاحظة المباشرة يعرض الباحث للزلل وخطل الرأي، فينبغي أن تتضافر جميع أشكال هذه الطريقة، ويدعم بعضها بعضًا ليسد ما في كلٍّ منها من نقص، ويصلح ما به من فساد، وذلك بأن نجمع بين الملاحظة الذاتية والملاحظة الخارجية السلبية والملاحظة الخارجية الإيجابية، ونتخذ في كلٍّ منها من وسائل الحيطة ما يكفل بعده عن مظانِّ الخطأ والريبة التي أشرنا إليها في الاعتراضات السابقة.

2-

وأنه من الخطأ الاقتصار على طريقة الملاحظة المباشرة في دراسة "الفونيتيك" -دراسة المظهر الصوتي في اللغة، بل الواجب أن تضم إليها طرق أخرى أدق منها في علاج هذه الظواهر، كطريقة الأجهزة والمقاييس التي سيأتي الكلام عنها.

3-

وأن استخدام هذه الطريقة في "الفونيتيك"، يتطلب من الباحث أن يكون دقيق الاحساس مرهف السمع. وذلك لا يتحقق إلّا إذا عني بتربية هذه الحاسة، وأخذها في كل شئونها بالدقة، وعودها الضبط وقوة التمييز. فقد تستطيع حينئذ أن تقوم بما يعجز عن القيام

1 فشعبة "السيمنتيك" مثلًا تعتمد في أهم بحوثها على طريقة الملاحظة المباشرة ولا يواتيها غيرها.

ص: 40

به أدق الأجهزة على أنها في حالاتها العادية قد بلغت في بعض إدراكاتها درجة من الدقة لم يبلغ مثلها بعد أي جهاز صناعي؛ فهي تدرك إحساسات سمعية كثيرة في آنٍ واحد وتميز بينها، وتستطيع أن تحس فروقًا لغوية دقيقة لا يقوى على تسجيلها أحدث جهاز، فقد يبلغ الشخص في إجادة لغة أجنبية درجة لا يستطيع معها أدق الأجهزة أن يسجل فرقًا بين نطقة ونطق أبنائها، ولكنه بمجرد أن يلفظ أمام أحدهم كلمات منها يدرك السامع من فوره أن المتكلم أجنبي، ويحس ما في أصواته من غرابة ومخالفة للمألوف. والقرى المتقاربة قد تتقارب لغات أهلها لدرجةٍ لا يقوى معها أيّ جهاز على تسجيل فرق بينها، ولكن بمجرد أن ينطق أحدهم أمام آخر ببعض كلمات، يستطيع السامع أن يدرك إن كان المتكلم من أهل قريته أو غيرها.

وخير طريقة تسهل عل الأذن القيام بوظائفها وتعودها الدقة في إدراكاتها، أن يأخذ نفسه بما يسمونه "الكتابة السمعية"، وذلك بأن يعنى بتدوين الكلمات عقب سماعه لها مباشرةً بالشكل الذي يتفق مع الأصوات التي لفظت بها، وبدون أن يدع لرسمها العادي أي أثر على نفسه في أثناء ذلك، ويتطلب هذا النوع من الكتابة حروف هجاء أكثر من حروف الهجاء المصطلح عليها، وذلك أنه في هجائنا العاديّ لا يوجد لكل صوت إلّا حرف واحد، مع أن هذا الصوت يختلف اختلافًا كبيرًا في شكله ونبرته وقوته ومدة النطق به

باختلاف الكلمات والجمل، وباختلاف موقعه في الكلمة أو العبارة، ويختلف النطق به في كل حالة من هذه الحالات باختلاف الأفراد والمناطق

وهلمّ جرَّا. وإليك مثلًا: اللام في الله: فإنها تارة ترقق "بالله مثلًا" وتارةً تفخم" والله وتالله مثلًا"، وأحيانًا لا يقف اللسان عندها، وأحيانا يتسمر صوتها مدة طويلة -إذا أراد السامع التأكيد في قسم مثلًا". ولا ينطق بها في قسم كما ينطق بها في غير القسم -فنطقك باللام في "والله" إذا كانت الواو عاطفة، ليس كنطقك بها إذا كانت واو قسم-. فينبغي في "الكتابة السمعية"

ص: 41

أن يكون لكلّ شكل من أشكال اللام حرف خاص يرمز إليه، وإليك مثلًا آخر حرف الجيم: فإن النطق به يختلف اختلافًا كبيرًا باختلاف المناطق والأفراد، وباختلاف الكلمات؛ ففي العالم العربيّ وحده يوجد عدد كبير من أصوات الجيم، فالجيم المنقلبة عن قاف عربية يختلف النطق بها عن الجيم الأصلية، وكلتا الجيمين يختلف النطق بها باختلاف المناطق، فلكلٍّ من سكان الصعيد وسكان الدلتا والحجازيين واليمنيين والسوريين والبنانيين والعراقيين والمغاربة؛ فينطق كل جيم منها أسلوب صوتي خاصّ، يختلف عن أسلوب من عداهم، بل إن بلاد المنطقة الواحدة لتختلف أحيانًا بهذا الصدد فيما بينها اختلافًا غير يسير؛ فينبغي في "الكتابة السمعية" أن يكون لكلِّ شكل من أشكال الجيم حرف خاص يرمز إليه، وما قلناه في اللام والجيم يصدق على ما عداهما من الحروف.

الطريقة الثانية: طريقة الأجهزة في دراسة الفونيتيك "علم الأصوات"

إن عدم دقة الأذن الإنسانية في تمييز أنواع الصوت وخصائصه وإدراك نبراته وقياس قوته ومدته، والعوامل الكثيرة المحيطة بها والتي تجعل مدركاتها عرضة للزلل.. كل أولئك قد حمل علماء الفونيتيك -دراسة أصوات اللغة- على البحث عن وسيلة أخرى تبرأ من كل هذه العيوب، فاهتدوا إلى طريقة الأجهزة، وهي آلات تدار بطرق خاصة فلا تغادر صغيرة ولا كبيرة مما يتعلق بالصوت إلّا أحصتها وسجلتها بشكل تقاس باليد وتحسها العين، وتغني الباحث عن استخدام أذنه، وتقيه شر أخطائها، وتجعل بحوثه مبنية على أسس متينة صادقة لا يتطرق إليها الشك ولا يأتيها الباطل.

وترجع الحقائق التي ترشدنا إليها هذه الأجهزة إلى طائفتين مختلفتين: أحدهما تتعلق بطبيعة الأصوات، والأخرى تتعلق بمخارجها.

ص: 42

فبألتامل فيما تسجله هذه الأجهزة من العلامات الممثلة لنبرات الصوت وقوته ومدته، وما إلى ذلك نستطيع أن نقف على طبيعته، وبالتأمل فيما ينطبع فيها بصدد الأعضاء التي تلفظه، نستطيع أن نقف على مخارجه.

ومن ثَمَّ انقسمت طرقهم بهذا الصدد إلى طريقتين، لكلٍّ طريقة منهما أجهزة خاصة: أحداهما يسمونها طريقة "التدوين المباشر" Inscription diricti، وهي التي نقف بفضلها على مخارج الحروف، والأخرى يسمونها "طريقة العلامات" Methode Graphique، وهي التي نقف بفضلها على طبيعة الصوت.

أما طريقة "التدوين المباشر" فترمي إلى الوقوف على الأعضاء التي تشترك في لفظ صوت ما، وانتقالات كل عضو منها في أثناء لفظه، عن طريق أجهزة تترك فيها هذه الأعضاء وهذه الانتقالات أثرًا مباشرًا، وهذه الأجهزة كثيرة متنوعة؛ فمنها:"السقف الصناعي" وهو آلة على شكل سقف الحلق، يغطى ظاهرها بطبقة من الحكك أو ما شاكله، وتركب في الفم بحيث يكون باطنها ملصقًا بسقف الحلق، ويطلب إلى الشخص النطق بحرف من الحروف التي يشترك في لفظها اللسان وسقف الحلق، فعندما يتصل لسانه بسقف حلقه يترك في المادة الجيرية أثرًا. ومن هذا الأثر وموضعه من الجهاز يتبين للباحث، في صورة واضحة، المكان الذي يلتقي فيه اللسان بسقف الحلق في أثناء النطق بهذا الحرف.

وأما طريقة العلامات فهي أهم كثيرًا من الطريقة الأولى وأعظم منها فائدة، وأكبر أثرًا في تقدم هذا العلم، وهي ترمي إلى الوقوف على طبيعة الصوت، أي: على خواصه ومميزاته؛ من حيث نبرته وقوته ومدته

وما إلى ذلك، عن طريق أجهزة تحس هذه الخواص وتسجلها بعلامات وخطوط دقيقة الدلالة بهذا الصدد. وذلك أنه بالتأمل في هذه الخطوط وقياسها، والنظر في اتجاهاتها، نستطيع أن نقف بطريقة مضبوطة

ص: 43

على مختلف الخواص المميزة للصوت الذي نختبره، وعلى مبلغ كل خاصة منها ودرجتها، وكل جهاز من هذه الأجهزة يشتمل على ثلاثة أجزاء:

1-

الكاشف Explorateur، ويوضع على العضو الذي يراد دراسة حركته في أثناء النطق للوقوف على خاصة من خواص الصوت، ويختلف شكل الكاشف وتركيبه باختلاف الأعضاء التي يوضع عليها، وهو موضوع بطريقة تجعله يحسُّ إحساسًا دقيقًا كل ما يقوم به العضو من حركة مهما كانت ضئيلة.

2-

المدون Inscripteur، وهو على شكل قلم متصل بالكاشف، يتحرك حركات معينة تبعًا لحركات العضو التي يحسها الكاشف، ويخطّ في أثناء تحركه خطوطًا تمثل، في اتجاهاتها وأطوالها وأشكالها، حركات العضو.

3-

المسجل Enregistreur، وهي أسطوانة تدور حول محورها، يخط عليها المدون الخطوط السابق ذكرها، والغرض من دورانها أن تقع الخطوط منفصلة بعضها عن بعض.

ولكل جهاز من هذا النوع نظام خاص في سيره وتركيبه وحلّ رموزه، ويستخدم عدد كبير من هذه الأجهزة في وقت واحد في أثناء النطق، فيوضع جهاز على الرئة، وآخر على القلب، وثالث على القصبة الهوائية، ورابع على الحنجرة، وخامس على الأنف، وسادس على الفم

وهلمَّ جرَّا. فعلى ضوء الخطوط التي تظهر في سجلات هذه الأجهزة نستطيع -بعد قياسها وحلّ رموزها- أن نقف على مختلف خواص الصوت الذي نجري عليه الاختبار، وأن نصفه وصفًا دقيقًا لا لبس فيه ولا إبهام.

هذا، وقد شاع تسمية البحوث القائمة على طريقة الأجهزة باسم "الفونيتيك التجريبي" Phonetique Experimentale، أي: دراسة

ص: 44

الصوت دراسة تجريبية، ولكن هذه التسمية غير صحيحة؛ لأننا لسنا بصدد تجارب أي تغيير الظروف العادية المحيطة بالظاهرة أو بالشخص الملاحظ، بل بصدد ملاحظة في ظروف طبيعية عادية، ولكن عن طريق أجهزة ومسجلات آلية لا عن طريق الأذن والحواس الإنسانية، حقًّا أن الباحث قد يلجأ أحيانًا إلى التجربة، أي: إلى تغيير الظروف المحيطة بالظاهرة أو بالشخص الملاحَظِ، ولكن هذا لم يحدث إلّا في حالات نادرة، لم نحصل منها على نتائج ذات بالٍ، ومهما يكن من شيءٍ، فلم تكن التجارب هي الغرض الأساسيّ الذي دعا إلى اختراع الأجهزة، وليست هي الغرض الأساسيّ الذي يدعو إلى استخدامها، وإنما أهم ما قصد من اختراعها وما يقصد من استعماله هو: ملاحظة الظواهر عن طريق آلة دقيقة، لا عن طريق الأذن التي كثيرًا ما تضلل الباحثين.

وقد مهَّد لهذا الأسلوب من البحوث العلامة ماري Marey باستخدامه أجهزة من هذا القبيل في "الفيزيولوجيا" -علم وظائف الأعضاء. ولكن أول من استخدمه في الظواهر اللغوية هو العلامة روسلو Rousselot، وكان ذلك عام 1890، وهو الذي أطلق على البحوث القائمة على هذه الطريقة اسم "الفونيتيك التجريبي"، أي:"علم الصوت التجريبي"، ويلتمس له العذر في إطلاق هذا الاسم الخاطئ؛ ففي عصره كانت تطلق كلمة "التجريبي" على كل ما تستعمل فيه الأجهزة، ولو لم يكن للتجارب حظّ فيه.

الطريقة الثالثة: الطريقة التجريبية:

تقوم هذه الطريقة -كما أشير إلى ذلك فيما سبق- على تغيير الظروف العادية المحيطة بظاهرة لغوية ما، أو المحيطة بالشخص الذي تجرى عليه الملاحظة، بحيث يمكننا الوقوف من طريق سهل مختصر مأمون العواقب، على ما يتعذر الوقوف عليه في الظروف العادية، أو على ما يقتضينا الوقوف عليه في الظروف العادية إسرافًا في الوقت والمجهود.

ص: 45

وعلى هذه الطريقة تعتمد طائفة كبرة من العلوم الطبيعية؛ كالطبيعة والكيمياء والتاريخ الطبيعي، وما إلى ذلك، فأهم ما كشفه الباحثون في هذه العلوم يرجع الفضل فيه إلى الطريقة التجريبية، ولو أنهم اقتصروا على ملاحظة الظواهر في حالاتها العادية لما وصلوا إلى عشر معشار ما وصلوا إليه؛ فعالم الطبيعة مثلًا لا يكتفي فيما يتعلق بالجذب والكهربائية والمغناطيسية والضغط الجوي

وما إلى ذلك، بملاحظة ظواهرها في حالاتها العادية، ولا ينتظر حتى تحدث الظاهرة التي يريد دراستها، بل يخلقها خلقًا في معمله، ويغير من الظروف المحيطة بها، ويختبر النتائج التي تنجم عن تجاربه، وعلى ضوء هذا كله يصل إلى كشف القوانين الخاضعة لها في مختلف أحوالها وأوضاعها.

أما العلوم الإنسانية، فلم تنتشر فيها هذه الطريقة انتشارًا كبيرًا، ولم يتجاوز استخدامها فيها دائرة ضيقة، وذلك أن معظم الظواهر التي تدرسها العلوم الإنسانية لا تواتيها طريقة التجارب، فليس في طاقة الباحث أن يخلق مثلًا نظامًا من النظم الاجتماعية، ويحوّر فيه وفي الظروف المحيطة به، وينظر إلى النتائج التي تنجم عن كل حالة من حالاته، كما يفعل هذا حيال ظاهرة جذب، أو حيال نبات، أو حيوان.

ولكن هذا لم يُثْنِ الباحثين في العلوم الإنسانية عن الانتفاع بهذه الطريقة ما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا. فاستخدمت أولًا في علم النفس، وشاع استخدامها فيه حتى أصبحت الآن معظم الظواهر النفسية، من حفظ وذكر وانتباه وتداعي معان

وما إلى ذلك، تدرس على النحو التجريبي الذي تدرس به الظواهر الطبيعية، ثم أخذ استخدامها منذ عهد قريب ينتشر في العلوم الاجتماعية، وخاصة علم اللغة.

وقد صادفت ميدانًا فسيحًا في شعبة "الفونيتيك"، فلم يكتف الباحثون في هذه الشعبة بملاحظة الظواهر اللغوية في ظروفها العادية، بل لجئوا في مواطن كثيرة إلى التجارب، أي: إلى خلق الظواهر وإثارتها وتغيير أوضاعها والظروف المحيطة بها، والأشخاص الذين تجرى عليهم

ص: 46

الملاحظة، ووصلوا بفضل هذه الطريقة -على الرغم من قرب العهد بها- إلى كثير من النتائج بصدد العلاقة بين اللفظ والسمع، وأخطاء الأذن، والفرق بين الأصوات الغنائية والأصوات الكلامية، واختلاف النطق بالحروف باختلاف الأمم والمناطق وباختلاف السن، وتعلم اللغات الأجنبية، وكسب الطفل للغته، وتعليم الصم الكلام

وهلمّ جرَّا. وينتظر أن يتسع نطاق هذه الطريقة في المستقبل، وأن يصل الباحثون على ضوئها إلى حلّ كثيرٍ من المشكلات الصوتية التي لا تزال قائمة إلى الآن.

وقد يصحب التجربة في هذه الشعبة استخدام الأجهزة كما تقدمت الإشارة إلى ذلك، ولكن هذا ليس ضروريًّا؛ فالطريقة التجريبية تتحقق في كل حالة يحاول فيها الباحث تكوين ظاهرة لغوية أو إثارتها، ولو لم يستخدم في ذلك أيّ جهاز صناعي، كأن يطلب إلى الشخص الذي تُجْرَى عليه الملاحظة أن ينطق بكلمة ما، أو يغيّر من أوضاع حروفها، ويطلب إليه النطق بها، أو ينطق بها أمامه، ويطلب إليه تكرار ما سمعه.. وهلم جرا.

واستخدمت هذه الطريقة كذلك في الظواهر اللغوية المتعلقة بالدلالة "السيمنتيك"، ووصل بفضلها العلماء إلى نتائج ذات بالٍ، وبخاصة في دراسة اللهجات واللغات العامية "الدياليكتولوجي"، فلم يكتف الباحثون في هذه الناحية بملاحظة الأشخاص وهم يتحدثون في حالاتهم العادية، بل لجئوا كذلك إلى التجارب، أي: إثارة الظواهر اللغوية وتوجييها في النواحي التي تتيح لهم الوقوف على حقيقة أو استنباط قانون.

ومن الواضح أن تجارب هذه الشعبة لا مجال فيها لاستخدام الأجهزة، فمادة التجارب فيها لا تتجاوز الأسئلة والأجوبة، ووسائل إصدار الظواهر وتسجيلها وملاحظتها لا تتجاوز أعضاء الجسم والقوى العقلية، وذلك بأن يطلب الباحث مثلًا إلى الشخص الذي تُجْرَى

ص: 47

عليه الملاحظة أن يعبِّرَ عن معنًى، أو يصف مظهرًا، أو يذكر له كلمة، ويطلب إليه ذكر مترادفاتها، أو يريه شيئًا ويطلب إليه بيان اسمه، أو أسمائه في لغته، أو يعمل عملًا ويطلب إليه التعبير عما يدل عليه، أو ينطق أمامه بجملة صحيحة، ويطلب إليه تفسيرها بلغته العامية، أو بجملة خاطئة، ويطلب إليه أن يرشده إلى ما فيها من نقص بصدد الدلالة

وهلمَّ جرَّا.

هذا، ولم يتح للطريقة التجريبية من ظروف النجاح والانتشار في علم اللغة ما أتيح لغيرها، فهي لا تزال تسير فيه بخطًى بطيئة، بل لا يزال بعض علمائه ينظرون إليها بعين الريبة، ولا يثقون كل الثقة بما تصل إليه من نتائج، وذلك أنهم يرون أن تغيير الظروف العادية المحيطة بظاهرة لغوية قد يخرج بها عن طبيعتها، ويصورها في غير صورتها الحقيقية، فيتعرض الباحث للخطأ في الحكم؛ إذ يلتبس عليه الطبيعي بالمتصنع.

ورأيهم هذا على ما فيه من مبالة في الشك، يرشدنا إلى ما يحف بهذ الطريقة من أخطار، والي وجوب استخدامها بقصد وحرص واتخاذ أقصى مايمكن اتخاذه من وسائل الحيطة لاتقاء الزلل واللبس؛ وللتمييز بين الطبيعي والمتصنع من أعمال الأفراد الذين تُجْرَى عليهم التجارب.

الطريقة الرابعة: طريقة قياس الغابر على الحاضر

ترشدنا الملاحظة إلى كثير من التطورات التي اعترت اللغات القديمة في مختلف مظاهرها؛ فقد اختلفت كل واحدة منها في أصواتها ودلالتها وقواعدها وأساليبها باختلاف عصورها، وباختلاف الأمم الناطقة بها، ومن الواضح أن عالم اللغة لا يقنع بتسجيل هذه التطورات ووصفها وصف المؤرخ الأمين، بل يبحث كذلك عن أسبابها، ويعمل على كشف العوامل التي أدت إليها.

ولما كان من الصعب الاهتداء بشكل مباشر إلى هذه الأسباب

ص: 48

والعوامل، لتعلقها بظواهر قد تقادم عليها العهد، استخدم العلماء للوصول إليها طرقًا غير مباشرة، ومن هذه الطرق "طريقة قياس الغابر على الحاضر". فللوقوف على أسباب مظهر من مظاهر التطور في لغة قديمة يبحثون عن تطور مشابه له في اللغات الحديثة، ويردسون أسبابه -وأسباب التطورات الحديثة لا يحتاج كشفها إلى كبير عناء لوضوح أثرها وقرب العد بها، ثم ينظرون إلى أيّ مدى يمكن أن تكون أسباب التطور القديم مشبهة لهذه الأسباب.

واستخدام هذه الطريقة في تطورات الدلالة "السيمنتيك" محفوف بالأخطار وعرضة للزلل، وذلك أن العوامل التي تؤدي إلى تطور اللغة في معاني كلماتها وقواعدها وأساليبها.. قلما تتحد في عصرين أو في لغتين؛ لأن معظمها يرجع إلى ظواهر اجتماعية وتاريخية وسياسية وجغرافية وثقافية.. وهلم جرا.. ومن الواضح أن هذه الطائفة من العوالم لا يمكن أن تتكرر بشكل واحد، ولا أن تتحد نتائجها في عصرين ولا في أمتين، فمن المجازفة إذن أن نعزو تطورًا دلاليًّا حدث في لغة قديمةٍ إلى عوامل مماثلة للعوامل التي أحدثت تطورًا يشبهه في لغة حديثة.

أما فيما يتعلق بالناحية الصوتية من اللغة "الفونيتيك"، فلا ضير من استخدام هذه الطريقة، وذلك أن التطورات الصوتية يرجع معظمها إلى أمور تتعلق بأعضاء النطق، وطريقة أدائها لوظائفها، وتأثرها بالظواهر الجغرافية، وأساليب انتقالها بطريق الوراثة من الأصل إلى الفروع، وما إلى ذلك. وعوامل هذه طبيعتها قلما تختلف آثارها باختلاف العصور والأمم، فعلى ضوء العوامل التي أدت إلى تطور صوتي في لغة حديثة، نستطيع أن نصل إلى كشف العوالم التي أدت إلى تطور مشبه له في لغة قديمة.

الطريقة الخامسة: طريقة الوازنة Methode Comparative:

تقوم هذه الطريقة على الموازنة بين الظواهر اللغوية في طائفة

ص: 49

من اللغات لاستنباط خواصها المشتركة، وللوقوف على وجوه الاتفاق والخلاف في عواملها ونتائجها، وللوصول من وراء هذا كله إلى كشف القوانين العامة الخاضعة لها في مختلف مظاهرها.

ومع أهمية هذه الطريقة في دراسة علم اللغة، ومع أن العلماء قد وصلوا بفضلها إلى معظم ما وصلوا إليه من حقائقه، فإنها كثيرًا ما تكون عرضة للزلل والانحراف عن جادة الصواب، غير أن معظم الأخطاء بهذا الصدد لا يرجع في الحقيقة إلى الطريقة ذاتها، وإنما يرجع إلى سوء اسخدامها، وخاصة إلى نقص الاستقراء والتسرع في صوغ القوانين العامة؛ فقد يلاحظ الباحث مثلًا بصدد ظاهرة لغوية أنها قد حدثت في طائفة من اللغات على أثر بعض أمور، فيتعجل بوضع قانون عام يقرر فيه أن هذه الظاهرة نتيجة لازمة لهذ الأمور وحدها، مع أن الواقع قد يكون غير ذلك، فقد لا يكون بين هذه الظاهرة وتلك الأمور علاقة سبب بمسبب، وقد يظهر له إذا اتسع نطاق استقرائه أن الأمر بينهما لا يعدو مصاحبة اتفق حدوثها في بعض اللغات، وأن هذه الأمور قد حدثت في لغات أخرى بدون أن تحدث هذه الظاهرة، أو أن الظاهرة قد حدثت أحيانًا بدون أن تسبقها هذه الأمور، وقد يبدو له مثلًا تشابه في بعض الكلمات في لغتين؛ فيتسرع في الحكم عليهما بأنهما من فصيلة واحدة، مع أن الواقع قد يكون غير ذلك، فقد يكون سبب الاتفاق أن أحداهما قد اقتبست هذه الكلمات اقتباسًا من الأخرى، مع انتمائهما إلى فصيلتين مختلفتين، كما اقتبست السريانية عددًا كبيرًا من الكلمات الإغريقية، مع أن السريانية من فصيلة اللغات السامية، والإغريقية من فصلة اللغات الهندية -الأوربية، وكما اقتبست الفارسية الحديثة كلمات كثيرة من العربية، مع أن أولاهما من اللغات الآرية، وثانيتهما من اللغات السامية، وكما اقتبست التركية قسمًا كبيرًا من متن لغتها من العربية والفارسية، مع أنها من فصيلة غير فصيلتي العربية والفارسية، وهي الفصيلة التترية.

ص: 50

الطريقة السادسة: الطريقة الاستنباطية Methode dlnductiln

تستخدم هذه الطريقة للوقوف على علل الظواهر ونتائجها اللازمة، ولكشف علاقة السببية بين ظاهرتين أو أكثر.

وقد قسَّمها ستورت ميل أربع طرق؛ سماها طرق الاستنباط، ووضع لكل منها ضابطًا أو قانونًا خاصًّا بها، وهي:

طريقة التلامز في الوقوع: Methode de concordance، وهي التي يحكم بمقتضاها على ظاهرةٍ بأنها علةٌ لظاهرة أخرى إذا ثبت بالمشاهدة أنه كلما وقعت الأولى وقعت الثانية.

وطريقة التلازم في التخلف: Methode de differecce، وهي التي يحكم بمقتضاها على ظاهرة بأنها علة لظاهرة أخرى إذا ثبت بالملاحظة أنه إذا لم تقع أحداهما لم تقع الأخرى.

وطريقة التلازم في التغير: Methode des Vatriations Concomittavtes، وهي التي يحكم بمقتضاها على ظاهرة بأنها علةٌ لظاهرة أخرى، إذا ثبت بالملاحظة أنه كلما حصل تغير في إحداهما صحبه تغير في الأخرى بنفس النسبة والقدر.

وطريقة البواقي: Methode des Residus، وهي التي يحكم بمقتضاها على حادثة من مجموعة حوادث بأنها علة لناحية من ظاهرة ما، إذا ثبت علميًّا التلازم بين مجموعة الحوادث وجميع نواحي الظاهرة، وثبت كذلك أن ما عدا هذه الحادية من المجموعة علةٌ لما عدا هذه الناحية من الظاهرة.

ولا يدخل في نطاق بحثنا شرح هذه الطرق ومناقشتها وبيان مدى صحة كل منها، فهذا كله موضعه كتب المنطق، والذي يهمنا تقريره هو أنه على الرغم من شيوع استخدام هذه الطرق في العلوم الطبيعية للوقوف على علل الظواهر ونتائجها اللازمة، ولكشف العلاقات

ص: 51