الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كثيرًا في التقليد اللغوي، وفي كسب لغته عن الأطفال العاديين1، ولو كانت عملية التقليد عملية آلية أو منعكسة على الوجه الذي يراه لودانتك، ما حال هذا الخمول دون تحققها، ولظهرت كلما وجد مثيرها السمعي بدون توقف على عزم ولا إرادة ولا نشاط حيوي.
1 انظر ص153.
مبلغ تمثيل الطفل في ارتقائه اللغوي لنشأة الغة الإنسانية وتطورها
…
7-
مبلغ تمثيل الطفل في ارتقائه اللغوي لنشأة اللغة الإنسانية وتطورها:
يذهب كثير من العلماء إلى أن المراحل التي يجتازها الطفل في أي فرع من فروع حياته تمثل المراحل التي اجتازها النوع الإنساني في هذا الفرع L ُ ontogenese reproduit la phylogenese. ويطلق على هذه النظرية اسم نظرية التلخيص أو نظرية هيكل 1Hacekel.
وعلى هذه النظرية اعتمد كثير من علماء اللغة في تأييد آرائهم بصدد نشأة اللغة الإنسانية وتطورها.
وقد تكلمنا بتفصيل في الباب الأول عن أهم هذه الآراء وناقشناها2، فحسبنا هنا أن نشير إليها مبينين وجه اعتمادها على الظواهر المتعلقة بتطور اللغة عن الطفل.
1-
تقدَّم أن معظم العلماء يذهبون إلى أن اللغة الإنسانية قد نشأت من أنواع التعبير الطبيعي، وأن الإنسان قد افتتح هذا السبيل بمحاكاة أصواته الطبيعية "أصوات التعبير الطبيعي عن الانفعال" وأصوات الحيوان والأشياء3.
1 يرجع الفصل في نشرها وتكملتها إلى هيكيل الألماني، ولذلك نسبت إليه، وإن كان قد قال بها من قبله العلامة Serres.
V ،Traite` de Psychologie، par Dumas et collaborateurs p. 32
2 انظر صفحات 103-106، 110-118.
3 انظر صفحات 103-106.
ومن أهم الأدلة التي يعتمدون عليها في تأييد هذه النظرية، أن الطريق الذي ترسمه لنشأة الإنسانية يتفق مع الطريق الذي يسكله الطفل في تعبيره.
فقد ظهر مما تقدَّم أن أول ما يظهر من أنواع التعبير المقصود عند الطفل محاكاة التعبير عن الانفعال، ثم تظهر بعده محاكاة أصوات الحيوان والأشياء، للدلالة على مصادرها أو على أمور تتعلق بها، ثم تظهر بعدهما محاكاة الكلمات1.
2-
تقدَّم أن معظم علماء اللغة يذهبون إلى أن الكلام الإنساني كان يعتمد في المبدأ اعتمادًا كبيرًا على الإشارات اليدوية والجسمية التي كانت تصحبه فتكمل ناقصه وتوضح مدلوله وتمثل حقائقه، ثم أخذ يستغني شيئًا فشيئًا عن هذا المساعد، حتى كاد يستقل بالتعبير3.
ومن أهم الأدلة التي يعتمدون عليها في تأييد هذه النظرية أن المراحل التي ترسمها تتفق مع المراحل التي تسير فيه لغة الطفل، فقد ظهر مما تقدم أن الطفل، في مبدأ مرحلته الكلامية، يعتمد اعتمادًا كبيرًا على لغة الإشارات؛ فيمزجها بلغته الصوتية لتحديد مدلولاتها، وتوضيح مبهمها، وتكلمة نقصها، وتمثيل حقائقها3.
3-
تقدَّم أن بعض العلماء يذهبون إلى أن اللغة الإنسانية اجتازت فيما يتعلق بتطور أصواتها، ثلاث مراحل:"مرحلة الصراخ" التي كانت فيها أصوات اللغة شبيهة بأصوات الحيوان والأشياء ومظاهر الطبيعية، ثم "مرحلة المد" وفيها ظهرت أصوات اللين في اللغة الإنسانية، ثم "مرحلة المقاطع" وفيها ظهرت الأصوات الساكنة4.
ومن أهم الأدلة التي يعتمدون عليها في تأييد هذه النظرية أن
1 انظر صفحات 129، 132، وأول ص143.
2 انظر صفحة 104، 105.
3 انظر صفحتي 149، 150.
4 انظر صفحتي 111، 112.
المراحل التي تذهب إليها بصدد التطور الصوتي في اللغة الإنسانية تتفق مع المراحل التي يجتازها الطفل في هذه السبيل؛ فقد ظهر مما تقدم أن أول أصوات تظهر لدى الطفل هي الأصوات المبهمة، ثم تتلوها أصوات اللين، وأن الأصوات ذات المقاطع لا تكثر في لغته إلّا في "مرحلة التمرينات النطقية"1.
4-
تقدَّم أن معظم العلماء يذهبون إلى أن اللغة الإنسانية قد بدأت بألفاظ دالة على معانٍ جزئية، وأن الألفاظ الدالة على المعاني الكلية لم تظهر إلّا بعد ارتقاء اللغة ونهضة التفكير الإنساني2.
ومن أهم الأدلة التي يعتمدون في تأييد نظريتهم أنها تتفق مع مراحل التطور اللغوي عند الطفل، فقد تبين مما تقدَّم أن أول كلمات تظهر عند الطفل هي أسماء الذوات الحسية، ثم تظهر بعدها الكلمات الدالة على معانٍ كلية3.
5-
تقدَّم أن بعض علماء اللغة يذهبون إلى أن الصفة هي أول ما ظهر في الكلام الإنساني، ثم ظهرت أسماء الذوات، ثم الأفعال، واختتمت مراحل الارتقاء بظهور الحروف4.
ومما يعتمد عليه هؤلاء العلماء في تأييد نظريتهم، موضوع التطور اللغوي عند الطفل، غير أن هذا التطور لا يؤيدهم فيما يتعلق بأسبقية الصفات على أسماء الذوات، فقد ظهر مما تقدم أن أسماء الذوات هي أول ما يظهر في لغة الطفل، ثم تتلوها الأفعال والصفات5.
ولذلك يعتمدون في هذه النقطة على أمور تتعلق بأصول الكلمات
1 انظر ص129، وما تحيل عليه، وانظر كذلك الخاصة الرابعة من خواص الأصوات اللغوية للطفل في مرحلة التقليد بصفحة 136.
2 انظر آخر ص112، وأول 113، وما تحيل عليه التعليقات.
3 انظر آخر صفحة 147-149.
4 انظر آخر صفحة 113، وصفحة 114.
5 انظر آخر صفحة 147-149.
في اللغات الهندية-الأوربية، كما سبقت الإشارة إلى ذلك1. ويرون من جهة أخرى أن أسبقية الأسماء على الصفات في الطفولة ليست عامة عند جميع الأطفال، بل إن بعضهم ليفتتح نطقه بكلمات دالة على صفات، ولا تظهر لديه الأسماء إلّا فيما بعد، وفي ذلك يقول العلامة بريبر Preyer: "ليس صحيحًا ما يذهب إليه كثير من الباحثين من أن ظهور الأسماء سابق لظهور الصفات عند جميع الأطفال، فقد لاحظت أن أول كلمة لفظها ابني -وكانت سنه إذا ذاك ثلاثة وعشرين شهرًا- كانت صفة، فقد قال chaud=Hess أي: ساخن -للتعبير عن أن لبنه ساخن لا يستطيع شربه، ثم ظهرت لديه الأسماء بعد ذلك"، وقد لاحظ العلامة تين Taine وآخرون بعض ظواهر من هذا القبيل2.
6-
تقدَّم أن العلامة شليجيل وأعضاء مدرسته، يذهبون إلى أن اللغات الإنسانية الأولى كانت "عازلة" أي: لا تتصرف فيها الكلمات، ولا ترتبط فيها عناصر الجملة بعضها ببعض بروابط ملفوظة3.
ومن الأدلة التي يعتمدون عليها في تأييد نظريتهم تطور اللغة عند الطفل؛ فقد ظهر مما تقدم أن لغة الطفل تبدو في أوائل مرحلة التقليد عارية من الصرف والاشتقاق والتنظيم وربط عناصر الجملة بعضها ببعض4.
1 انظر صفحة 114.
2 V. Ridot، op. cit.، 84، 85
3 انظر صفحات 115-118.
4 انظر صفحة 146.