الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل الخامس: أصوات اللغة حياتها وتطورها
خواص التطور الصوتي وعوامله
…
الفصل الخامس: أصوات اللغة: حياتها وتطورها
"الفونتيك 1 Phonetique"
ترجع أهم ظواهر اللغة إلى قسمين رئيسيين: الظواهر المتعلقة بالصوت، والظواهر المتعلقة بالدلالة، وكلتا الناحيتين في تطور مطرد وتغير مستمر، وهي في تطورها تتأثر بعوامل شتّى وتخضع لطائفة كبيرة من القوانين.
وسندرس في هذا الفصل ما يتعلق بالصوت وتطوره، ونقف في الفصل التالي على الأمور المتصلة بالدلالة.
1-
خواص التطور الصوتي وعوامله:
للتطور الصوتي خواص كثيرة من أهمها ما يلي2:
1-
أنه يسير ببطء وتدرج: فاختلاف الأصوات في جيلٍ عمَّا كانت عليه في الجيل السابق له مباشرة، لا يكاد يتبينه إلّا الراسخون في ملاحظة هذه الشئون، ولكنه يظهر في صورة جليّة إذا وازنا بين حالتيهما في جيلين تفصلهما مئات السنين، فلغتنا لا تكاد تختلف في أصواتها عن لغة آبائنا المباشرين، ولكنها تختلف اختلافًا بينًا في هذه الناحية
1 انظر رقم 3 بصفحة7.
2 أشرنا إلى كثير من هذه الخواص في الفصول السابقة، انظر صفحات 20-23، 60، 61، 250، 251.
عمَّا كانت عليه في ألسنة أجدادنا في العصور الوسطى، أو في صدر العصور الحديثة.
2-
أنه يحدث من تلقاء نفسه بطريق آلي لا دخل فيه للإرادة الإنسانية، فتحول صوت الثاء العربية مثلًا إلى تاء "ثلاثة، تلاتة"، والذال إلى دال "ذراع، دراع"، والظاء إلى ضاد "الظل، الضل" والقاف إلى همزة "قلت، ألت"، أو جاف "جيم غير معطشة: قلت، جلت"، وانقراض الأصوات التي كانت تلحق أواخر الكلمات للدلالة على أعرابها ووظائفها في الجمل "كنت أحسب أن كتاب محمد أحسن من كتاب علي -كنت أحسب أن كتاب محمد أحسن من كتاب علي".. كل ذلك وما إليه قد حدث من تلقاء نفسه بطريق آلي لا دخل فيه للتواضع أو إرادة المتكلمين.
3-
أنه جبري الظواهر؛ لأنه خضع في سيره لقوانين صارمة، لا اختيار للإنسان فيها، ولا يد لأحد على وققها أو تعويقها، أو تغيير ما تؤدي إليه، وإليك مثلًا حالة اللغة العربية في صدر الإسلام، وما آلت إليه الآن، فعلى الرغم من الجهود الجبارة التي بذلت في سبيل صيانتها ومحاربة ما يطرأ عليها من تحريف، ومع أن هذه الجهود كانت تعتمد على دعامة من الدين، فإن ذلك كله لم يحل دون تطور أصواتها إلى الصورة التي تتفق مع نواميس التطور اللغوي، فأصبحت على الحالة التي هي عليها الآن في اللغات العامية.
4-
أنه في غالب أحواله مقيد بالزمان والمكان؛ فعظم ظواهر التطور الصوتي يقتصر أثرها على بيئة معينة وعصر خاصٍّ، ولا نكاد نعثر على تطور صوتي لحق جميع اللغات الإنسانية في صورة واحدة، فتحول صوت القاف مثلًَا إلى همزة "قلت، ألت" لم يظهر إلّا في بعض المناطق الناطقة بالعربية ومنذ عهد غير بعيد، وتحول صوت a الواقع في نهاية بعض الكلمات اللاتينية إلى صوت e، لم يظهر إلّا عند الفرنسيين، ولم يبد أثره لديهم إلّا في أثناء المدة المحصورة بين نهاية القرن الثامن وأوائل القرن الرابع عشر.
5-
أنه إذا لحق صوتًا معينًا في بيئةٍ ما، ظهر أثره غالبًا في جميع الكلمات المشتملة على هذا الصوت، وعند جميع الأفراد الذين تكتنفهم هذه البيئة؛ فتحول القاف العربية مثلًا إلى همزة في بعض المناطق المصرية قد ظهر أثره في جميع الكلمات المشتملة على هذا الصوت عند جميع أفراد هذه المناطق1.
ومن هذا يظهر فساد كثير من النظريات القديمة بهذ الصدد:
فليس بصحيح ما ذهب إليه بعض العلماء من أن تطور الأصوات يحدث نتيجة لأعمال فردية اختيارية تنتشر عن طريق التقليد والمحاكاة2.
وليس بصحيح كذلك ما كانت تقول به المدرسة الإنجليزية من عهد سايس Sayce إلى عهد سويت Sweet، من أن التطور الصوتي يتجه باللغة نحو التهذيب والكمال، ولا ما ذهب إليه العلامة بول باسي من أنه يتجه نحو إظهار العناصر الأساسية في الكلمة، وتجريدها مما عسى أن يكون بها من أصوات لا تدعو إليها كبير ضرورة، فيخفف بذلك من ثقلها ويزيدها تمييزًا، وذلك أن اتجاهات كهذه لا يمكن أن تتحقق إلّا في تطور اختياري مقصود، تقوده الإرادة الإنسانية في سبيل الإصلاح. أما وقد ثبت أن التطور الصوتي تطور تلقائي آلي لا دخل فيه للإرادة الإنسانية، فلا يتصور أن يتقيد في اتجاهه بالسبل التي تقول بها هذه النظريات. وأن موازنة بين حالة الكلمات في اللغة العربية الفصحى، وما آلت إليه في اللغات العامية، لأكبر دليل على ما نقول. فمن الواضح أن هذا التطور لم يتجه نحو التهذيب والكمال، ولم يحقق زيادة في تمييز الكلمات، بل أدى في معظم مظاهره إلى اللبس في وظيفة الكلمات ودلالاتها، وجرد اللغة مما بها من دقة وسموّ، وهوى بها إلى منزلة وضيعة في التعبير، وما حدث في اللغة العربية بهذا الصدد حدث
1 لهذه الخاصة بعض استثناءات لا يتسع المقام لذكرها، ومعظمها يمكن رجعه إلى القوانين العامة لحاية اللغات "انظر بعض أمثلة لهذه الاستثناءات في آخر ص291 وصفحة 292".
2 انظر ص58.
مثله في كثير من اللغات الإنسانية الراقية، فكثير من الكلمات اللاتينية مثلًا، كانت واضحة الشخصية، مميزة الأصوات، ثم فقدت بعد تطورها شخصيتها ومميزاتها، وأصبحت في حالة يكتنفها اللبس والإبهام، ويظهر هذا مثلًا بالموازنة بين كلمة aqua اللاتينية "الماء"، وما انتهت إليه في الفرنسية إذ استحالت إلى صوت واحد من أصوات اللين "eau وينطق بها o".
وليس بصحيح كذلك ما ذهب إليه مكس مولر Max Muller ووتنى Whitney، من أن التطور الصوتي يتجه نحو تسهيل النطق، ويعمل على تحقيق الاقتصاد في المجهود1، وذلك أن هذا الاتجاه من قبيل الاتجاهات التي تقول بها النظريات السابقة، فهو مثلها لا يمكن أن يتحقق إلّا في تطور اختياري مقصود تقوده الإرادة الإنسانية في سبيل الإصلاح، أما وقد ثبت أن التطور الصوتي تطور تلقائي آلي لا دخل فيه للإرادة الإنسانية، فلا يتصور أن يتقيد في اتجاهه بالخطة التي تقول بها هذه النظرية. حقًّا أن الحالة التي تتطور إليها أصوات الكلمة في جيلٍ ما تكون دائمًا أكثر من حالتها الأولى تلاؤمًا مع طبيعة أعضاء النطق واستعدادها عند أهل هذا الجيل، كما سيأتي بيان ذلك2، ولكن لفظها قد يتلطب من الأعمال الصوتية وحركات أعضاء النطق أكثر مما يتطلبه لفظ الكلمة القديمة، فلا يتحقق حينئذ الاقتصاد الذي تقول به هذه النظرية، ويظهر هذا مثلًا بالموازنة بين الكلمة العربية "ماء" وما انتهت إليه في عامية القاهرة إذ أصبحت "مَيَّهْ"، وبين الكلمة العربية "ذا الوقت" وما انتهت إليه في عامية بعض المقاطعات المصرية إذ أصبحت "دلوجيتي"، وبين الكلمة اللاتينية caballecet3، وما انتهت إليه في فرنسية العصور الوسطى؛ إذ أصبحت chevalcet، "وكان ينطق بها tchevalst"
1 "Loi du moindre effort""Max Muller" - "Princepe d economie "Witney"- V. Dauzat: Phiosophie du Langage، p. l66; Patois p. ll7
2 انظر آخر صفحة 289 وتوابعها.
3 Troisieme personne du subjonctif present du verbe chevaucher