الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل الأول: نشأة اللغة عند الإنسان
1-
أنواع التعبير الإنساني:
للتعبير الإنساني طرق كثيرة يرجع أهمها إلى قسمين رئيسين:
القسم الأول: التعبير الطبيعي عن الانفعالات:
ويشمل جميع الأمور الفطرية غير المقصودة التي تصحب مختلف الانفعالات السارة والأليمة؛ كالصراخ، والضحك، والبكاء، وانبساط الأسارير وانقباضها، واتساع الحدقة، وإغماض العينين، واحمرار الوجه واصفراره، ووقوف شعر الرأس، وارتعاد الجسم
…
وما إلى ذلك من الظواهر الفطرية التي تبدو بشكل غير إراديّ في حالات الفرح والحزن والألم والخوف والخجل والاشمئزاز
…
وما إليها، والتي تعبر عن قيام حالة وجدانية خاصة بالشخص الصادرة عنه.
وتنقسم هذه التعبيرات من حيث الحاسة التي ندركها عن طريقها إلى نوعين:
1-
تعبييرات بصرية: أي تصل عن طريق حاسة النظر، كالحمرة والصفرة والرعشة وانقباض الأسارير وانبساطها واتساع الحدقة وإغماض العين ووقوف شعر الرأس والعدو
…
وما إلى ذلك من الظواهر الجسيمة التي تصحب مختلف الانفعالات.
2-
تعبيرات سمعية: أي تصل عن طريق حاسة السمع،
كالضحك والبكاء والصراخ..... وما إلى ذلك من الظواهر الصوتية الفطرية التي تصحب حالات الفرح والألم والحزن والسرور
…
وهلم جرا. ويتألف هذا النوع في الغالب من أصوات مبهمة -تشبه أصوات الحيوان وأصوات مظاهر الطبيعة، وأصوات لين -حروف مد- مختلطة أحيانًا ببعض أصوات ذات مقاطع -حروف ساكنة.
وقد تكفلت بحوث علم النفس بدراسة هذا القسم بنوعين وشرح مظاهره، ومنشأ كل منها، والقوانين التي تشرف عليه ويخضع لها في مختلف نواحيه، ووسائل إدراكه، وفهم ما يعبر عنه
…
وهلم جرا1
والقسم الثاني: التعبير الوضعي الإرادي:
ويشمل جميع الوسائل الإرادية التي يلجأ إليها الإنسان للتعبير عن المعاني التي يود وقوف غيره عليها.
وتنقسم هذه الوسائل من حيث الحاسة التي ندركها عن طريقها إلى نوعين مشبهين لنوعي القسم الأول: أحدهما: التعبيرات الإرادية البصرية، وثانيهما: التعبيرات الإرادية السمعية:
1-
أما التعبيرات الإرادية البصرية، فهي التي تصل عن طريق حاسة النظر، وتشمل جميع الإشارات الحسية التي تستخدم بقصد الدلالة، وهي على ضربين:
أحدهما: إشارات مساعدة ونائبة:
أي: تساعد لغة الكلام وتنوب عنها في حالات خاصة، أو لضرورة ما؛ فمن هذه الطائفة الإشارات البحرية وهي التي يستخدمها عن بعد بحارة سفينة مع بحارة سفينة أخرى2؛ ومنها إشارات الصيد وهي التي يستخدمها الصيادون
1 انظر مؤلفات علم النفس، وبخاصة البحث الجليل الذي كتبه أستاذنا العلامة دوما Dumas في الجزء الأول من كتاب "علم النفس" Traite de psychologie الطبعة الأولى صفحات 606-733.
2 هذه الإشارات دولية معروفة لجميع البحارة، وتدرس في مدارس البحرية.
بعضهم مع بعض عن بعد، حتى لا يسمع صوتهم الحيوان المطارد، ومنها الحركات اليدوية والجسمية التي يستخدمها الصم للتعبير عما يجول بخواطرهم، ومنها الإشارات التي يلجأ إليها الفرد أحيانًا للتعبير إذا كان المخاطب لا يفهم لغته، والتي جرت العاة في بعض الأمم البدائية أن يستخدمها أفراد العشائر المختلفة اللهجات بعضهم مع بعض1، ومنها الإشارات التي تستخدم في بعض الشعوب في حالات الصيام الديني عن الكلام2، ومنها الحركات التي يستعين بها في أثناء حديثهم أهل اللغات الساذجة الناقصة؛ لتكملة ما ينقص تعبيرهم، وما يعوزه من دلالة3، ومنها الحركات التي تصحب حديثنا نحن لتوكيد المعاني، أو لتمثيل الحقائق، أو الزيادة التوضيح، والتي نستخدمها وحدها للدلالة على
1 عثر علماء الأتنوجرافيا على هذه الظاهرة عند كثير من قبائل السكان الأصليين لأمريكا واستراليا، وعند بعض العشائر الإفريقية. وقد روى الأستاذ كوهل Kohl أنه إذا التقى أحد الهنود الحمر -السكان الأصليين لأمريكا الشمالية- بآخر من غير عشيرته، مختلف عنه في لغته، فإنهما يلجآن في تعبيرهما إلى لغة الإشارات التي تعتبر عند هذه العشائر بمثابة لغة دولية، وقد مهر الهنود الحمر في هذه اللغة إيَّمَا مهارة، ففي إمكان المتخاطبين أن يظلَّا يومًا كاملًا يتحدثان عن طريق الإشارات باليد والأصابع والرجلين، وأن يقص كل منهما على الآخر كل ما يود قصه عليه، انظر ليفي برول "الوظائف العقلية في الأمم الأولية" 178 وتوابعها.
Levy Bruhl: Fonctions mentales etc
2 يوجد الصيام الديني عن الكلام عند كثير من الأمم البدائية، وبخاصة عند سكان استراليا وأمريكا، فقد ذكر الأستاذان سبنسر وجيلين في كتابهما عن سكان استراليا الوسطى حالات كثيرة من هذا القبيل، منها: أن المتوفى عنها زوجها يجب عليها أن تظل مدة طويلة، تبلغ أحيانًا عامًا كاملًا، صائمة عن الكلام، ويظهر أن شيئًا من هذا كان موجودًا في ديانة اليهود، بدليل قوله تعالى حاكيًا كلام عيسى وهو في المهد لمريم: {فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا
…
} ، {فَأَشَارَتْ إِلَيْه
…
} إلخ". وقد عرف العرب أنفسهم في الجاهلية هذا النوع من الصيام ومارسوه، وكان يطلق عليه عندهم اسم "الضرس" -بفتح الضاد. وتقول المعجمات العربية في شرح هذه الكلمة: أنه صمت يوم إلى الليل، وقد أزال أبو بكر الصديق وهو خليفةٌ ما بقي من أثر لهذا النوع الغريب من الصوم -انظر كتابنا "الصوم والأضحية" ومقالًا لنا عن الصوم في مجلة "لواء الإسلام" عدد ديسمبر 1972".
3 لوحظ هذا في كثير من الأمم البدائية؛ فقد رُوِيَ عن البوشيمان Boschimans عشائر بدائية تسكن أفريقيا الجنوبية" إنه إذا أرادوا المحادثة ليلًا يضطرون إلى إشعال النار ليتمكنوا من رؤية الإشارات اليدوية التي تصحب كلامهم فتكمل ناقصه وتحدد مدلولاته. انظر ريبو "تطور المعاني الكلية" ص78، وتوابعها.
Ribot Evolution des les etc.
الإيجاب والنفي والاستحسان وما إلى ذلك، كالإيماء بالرأس للتعبير عن القبول، وتحريك السبابة حركة مستعرضة للتعبير عن الرفض أو النفي، ومد الشفتين ووضع السبابة عليهما للأمر بالسكوت
…
وهلم جرَّا.
وثانيهما: إشارات أصيلة عامة، وهي التي تتكون منها لغة كاملة مستقلة، تستخدم وحدها في جميع الشئون والظروف، وقد استخدم هذا النوع من اللغات عند بعض الجماعات الإنسانية، ولا يزال مستعملًَا في بعض العشائر، فقد عُثِرَ في الأمم البدائية على جماعات كثيرة لا تكاد تستخدم في تعبيرها غير الإشارات اليدوية والجسمية، ومن هؤلاء بعض قبائل السكان الأصليين لأمريكا وأستراليا وبعض العشائر بأفريقيا الوسطى. ويطلق على هذا الضرب من التعبير اسم "لغة الإشارات" أو "الإشارات التحليلية"1 Gestes Analytiqu وقد عُنِيَ بدراسته عدد كبير من علماء الأتنوجرافيا والاجتماع، من أشهرهم: الكولونل مولري2 Mallery، وتيلور3 Taylor، ورمان4 Rommanes4، وليبوك5 Lybock، وسبنسر وجيلين6 Spencer and Gillen، وليفي برول7 Levy Bruhl، وريبو
1 صاحب هذه التمسية هوالعلامة ريبو Ribot، انظر كتابه:"تطور المعاني الكلية".
2 انظر بحثه بالإنجليزية: "لغة الإشارات بين هنود أمريكا الشمالية". وقد ظهر في تقرير مكتب الأتنولوجيا بواشطن عام 1881.
Sign- Language among the North America lndians
3 انظر كتابه بالإنجليزية: "تاريخ النوع الإنساني في عصوره الأولى".
Early History of Mankind.
4 انظر كتابه بالإنجليزية: "التطور العقلي في الفصيلة الإنسانية".
5 انظر كتابه بالإنجليزية: "أصول المدنية The Origin of Civilization.
6 انظر كتابيهما بالإنجليزية: "العشائر الأصلية باستراليا الوسطى" و"العشائر الشمالية باستراليا الوسطى".
7 انظر كتابه بالفرنسية: "الوظائف العقلية عند الأمم البدائية" صفحات 175-204.
Robot1، والدكتور فيشر الألماني2 Fischer، وروث 3.Roth
وقد صور الدكتور فيشر هذا النوع من اللغات وقربه إلى الأذهان إذ يقول:
إذا التقيت بأحد الهنود الحمر وأردت أن أخاطبه بلغة الإشارات لأسأله: هل رأى ست عربات تجرها ثيران ويصحبها ستة سائقين؛ منهم ثلاثة مكسيكيون، وثلاثة أمريكيون، ويسير معهم واحد ممتط صهوة جواده؟ فإنني أشير إلى شخصه بيدي للدلالة على كلمة "أنت"، ثم أشير إلى عينيه للدلالة على فعل "الرؤية"، ثم أبسط أصابع يدي اليمنى وسبابة يدي اليسرى للدلالة على عدد "ستة"، ثم أكوّن صورة دائرة بإلصاق نهايتي السبابتين والإبهامين؛ إحداهما بالأخرى، وأمد يدي إلى الأمام وأحركهما كما تتحرك عجلات العربة وهي تسير للدلالة على "العربة"، ثم أضع الكفين ممدودتين بجانبي الجبهة ممثلًا قرن حيوان، للدلالة على "الثور"، ثم أمد ثلاثة أصابع من يدي اليسرى، وأضع يدي اليمنى تحت شفتي السفلى، وأنحدر بها إلى صري ممثلًا اللحية، وأمسح جبهتي بيدي من اليمين إلى الشمال ممثلًا وجهًا شاحبًا؛ للدلالة على "ثلاثة أمريكيين"، ثم أرفع إصبعًا واحدًا، وأضع بعد ذلك سبابة اليسرى بين سبابة اليمنى ووسطها، ممثلًا الراكب للدلالة على "رجل واحد راكب حصانًا"، وأضاف إلى ذلك أن الوقت الذي يقضيه أحد المتكلمين بهذه اللغة في أداء هذه الحركات لا يزيد كثيرًا عن الوقت الذي يستغرقه تعبيرنا نحن باللغة الكلامية عن هذا المعنى.
وقرر تيلور، بصدد هذه اللغة؛ لأن لها قواعد إشارية لربط
1 انظر كتابه بالفرنسية: "تطور المعان الكلية" صفحات58-64.
2 عُنِيَ الدكتور فيشر في بحوث كثيرة بدراسة هذا النوع من اللغات عند عشائر أفريقيا الوسطى، وعند السكان الأصليين لأمريكا.
3 انظر كتابها بالإنجليزية، "دراست أثنولوجية للسكان الأصليين بالقسم الشمالي الغربي بكوينسلندا".
أجزاء العبارة بعضها ببعض وترتيب عناصرها، وأنها في مجموعها تكاد تكون متحدة عند جميع الشعوب التي تستخدمها، فهي من هذه الناحية أشبه شيء بلغة دولية، وأنه يمكن أحيانًا التعبير بها عن حقائق دقيقة؛ كعظات وضرب أمثال وقص حكايات، وأنها في جملتها ومعظم تفاصيلها تشبه لغة الصم - البكم، فقد جمع الكولونيل مولري بين رجل أصم - أبكم، يقص عليهم بالإشارات قصة طويلة تتعلق بحادث سرقة، وعقب على هذه القضية بتعليقات من عنده، فلم يفتهم فهم أي حركة من حركاته، لاتحادها مع حركاتهم اللغوية.
وذهب العلامة ريبو إلى أنها قابلة للإصلاح والتهذيب، وأنه لو طال استخدام الشعوب الإنسانية لها لسارت في سبيل الارتقاء، ولأصابها كثير من أسباب التنقيح تحت تأثير الرقي العقلي، ومطالب الحي الاجتماعية، واتساع حاجات الإنسان، وأعمال المخترعين والعلماء
…
وما إلى ذلك.
غير أنه مهما ينلها من التهذيب فلن تخلو من مثالبها الذاتية؛ فهي تستأثر باليد، فتحول دون القيام بأي عمل آخر في أثناء التعبير، ويتوقف إدراكها على النظر، فلا يمكن التعبير بها عن بعد ولا في الظلام، وهي قائمة على تقليد الأشياء المحسة، فلا تكاد تقوى على التعبير عن المعاني الكلية أو وصف المشاعر والوجدان. هذا إلى أنها عارية عن الدقة في كثير من مظاهرها، وأنها تقتضي إسرافًا كبيرًا في الوقت والمجهود.
2-
وأما التعبيرات الإرادية السمعية: فهي التي تصل إلى طريق حاسة السمع، وهي الأصوات المركبة ذات المقاطع التي تتألف منها الكلمات.
وهذا النوع هو الذي تنصرف إليه كلمة "اللغة" إذا أطلقت، وهو وحده الذي يهمنا في بحثنا، وإنما ذكرنا الأنواع الأخرى لاستيفاء