الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
غرضها الفذ، وذلك أن الأغراض السابقة ليست في الواقع إلّا وسائل للوصول إليه؛ فعلم اللغة لا يعرض لحقيقة الظواهر اللغوية والوظائف التي تؤديها، والعلاقات التي تربطها بعض ببعض، والتي تربطها بغيرها، والتطورات التي تعتريها
…
لا يعرض لهذا كله لمجرد الوصف وسرد الحقائق التاريخية، ولكن ليصل في ضوئه إلى كشف القوانين الخاضعة لها هذه الظواهر.
3-
قوانين العلوم:
وبهذه المناسبة لا نرى مندوحةً عن ذكر كلمة عن قوانين علم اللغة التي قررنا أنها الغرض الأساسي في دراساته. -وسنمهد لهذا بالكلام على قوانين العلوم على العموم فنقول:
تطلق كلمة القوانين في العرف العلمي على الأصول العامة التي تبين ارتباط الأسباب بمسبباتها، والمقدمات بنتائجها اللازمة، أو بعبارة أخرى: التي تنبئ بحدوث نتائج معينة لازمة إذا حدثت أسباب خاصة، وترجع النتائج الحادثة إلى أسبابها1. فما يقرره علماء الرياضيات والطبيعيات والاقتصاد وغيرهم من القواعد التي تبين علاقة السببية بين أمرين أو أكثر، يصدق عليه اسم قوانين؛ وذلك كقوانين ضرب عدد في عدد2، وقوانين الربح3، وقوانين تساوي المثلثين4، في الرياضيات
1 يعرفها منتسكيو بأنها: "العلاقات الضرورية التي تنشأ من طبيعة الأشياء".
2 مثال ذلك: إذا ضربت أربع وحدات في خمس وحدات، كان الحاصل عشرين وحدة.
3 مثال ذلك: ربح مبلغ ما يساوي حاصل ضرب رأس المال في الزمن في السعر مقسومًا على مائة.
4 مثال ذلك: ينطبق المثلثان كلٌّ على الآخر تمام الانطباق إذا ساوى في كل ضلعان والزاوية المحصورة بينهما نظائرها في الآخر.
وقانون الجذب العام، وقانون أرشميدس1، وقانون بويل2 في الطبيعيات، وقوانين العرض والطلب3، وقانون جريشام4 في الاقتصاديات
…
وهلمّ جرّا.
هذا، وقد فطن الإنسان منذ عصور سحيقة في القدم إلى خضوع الكواكب والنجوم في سيرها وبزوغها وأفولها لقوانين ثابتة مطردة، هدته إلى ذلك مشاهداته اليومية، وملاحظته لإطراد النظام الذي تسير عليه هذه الأجرام، وعلى هذه المشاهدات أُسِّسَ علمٌ من أقدم العلوم الإنسانية؛ وهو علم الفلك.
ومع ارتقاء الفكر الإنساني أخذ الاعتقاد بخضوع الظواهر لقوانين ثابتة، يتسع نطاقها قليلًا قليلًا حتى شمل كل نواحي الطبيعة وكل مظاهر الحياة، وحفز الباحثين على إنشاء علوم الطبيعة والكيمياء والجغرافيا والبيولوجيا والتاريخ الطبيعي
…
وما إلى ذلك من البحوث التي لم تغادر ظاهرة من ظواهر الطبيعية، ولا ناحية من نواحي النمو إلّا كشفت عما يسيطر عليها من قوانين، وبذلك تكونت مجموعة من العلوم هي العلوم الطبيعية.
ولم يمض على ذلك أمد طويل حتى تمكّن العلماء من الوقوف على القوانين الطبيعية الخاضعة لها الرياح والعواصف والأمواج.. وما إلى ذلك من الظواهر التي كانت مضرب الأمثال في التقلب وعدم الاستقرار، والتي كان الشعراء يجعلونها رمزًا للتحرر من ربقة القواعد
1 كل جسم مغمور في سائل يكون مدفوعًا من أسفل إلى أعلى بقوة تساوي وزن السائل الذي يحل محله.
2 في درجة الحرارة الواحدة تكون حجوم مقدار معين من غاز مناسبة للضغوط الواقعة عليه تناسبًا عكسيًّا.
3 يرتفع الثمن كلما زاد الطلب أو قلَّ العرض، وينخفض الثمن كلما قلَّ الطلب أو زاد العرض، كلما ارتفع الثمن قلَّ الطلب وزاد العرض، وكلما انخفض الثمن زاد الطلب وقلَّ العرض.
4 إذا اجتمع نقدان في التعامل أحدهما رديء والآخر جيد، فإن الرديء يتغلب على الجيد ويطرده من السوق.
والقوانين، فأنشئوا "الميتورولوجيا" -علم الأحوال الجوية، و"الأسيونوجرافيا" -علم أحوال المحيطات، وتمكنوا في بحوثهم الجغرافية وغيرها من الكشف عن القوانين الخاضعة لها التيارات البحرية والزلازل والبراكين.
وفي أثناء ذلك، بل من قبل ذلك، فطن الإنسان إلى القوانين التي يخضع لها الكم من حيث أنه مقيس أو معدود، وعلى هذا الأساس أنشئت علوم الرياضة.
واستطاع العلماء كذلك أن يقفوا على القوانين التي تخضع لها الظواهر النفسية الفردية؛ من إدراك ووجدان ونزوع، ومن هذه البحوث تألف "علم النفس" أو "السيكولوجيا".
وقد كان لزامًا بعد هذا كله أن تتجه الأفكار شطر المجتمع الإنساني، وأن يتساءل الباحثون عما إذا كانت الأعمال الاجتماعية خاضعة لقوانين شبيهة بالقوانين الخاضعة لها ظواهر الطبيعة، غير أنهم قد طال تساؤلهم وترددوا كثيرًا بهذا الصدد، وذلك أن الظواهر الاجتماعية تبدو حرة طليقة غير خاضعة لما نسميه بالقوانين؛ فارتفاع ثمن سلعةٍ ما أو انخفاضه، واختلاف مدلول كلمةٍ ما، أو اختلاف حروفها وأصواتها في جيلين متعاقبين، وتغير الأوضاع السياسية في أمة ما
…
هذه الأمور وما إليها من الظواهر الاجتماعية تظهر للنظرة الأولى أنها حرة طليقة، ويصعب بداءة ذي بدء الاعتقاد بخضوعها لقوانين ثابتة مطردة كالقوانين الخاضع لها القمر في تزايده وتناقصه، أو النهار والليل في اختلافهما باختلاف الفصول.
لمثل هذه الشبهات لم ينفك الباحثون يقدمون في هذه السبيل رِجْلًا ويؤخرون أخرى، حتى ظهر في القرن الرابع عشر العلامة ابن خلدون، وألف مقدمته الشهيرة التي أثبت فيها بالأدلة القاطعة أن أعمال المجتمع وظواهر العمران خاضعة في مختلف نواحيها لقوانين لا تقل